رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

درس الكلام

فكرى عمر

هذا الليل الشتوى غارقٌ فى الوحدة، مَضَيَ يشُقُّ الظلام بخطواتٍ بطيئة، يداه الاثنتان فى جَيبيّ الجاكت الصوف الرمادى، وراءه على مسافة صغيرة سيارة ملاكى لم يحسّ بوجودِها سوى الآن وسائقُها يُهدئ من سرعتِها ليحاذيه. أبعدَ خطواتَه عن الإسفلت، وصعدَ على حاجز إسمنتى قليل الارتفاع بجانب الطريق ينتظرُ مرورَها، لكنّها مالت نحوَهُ وتوقفت تمامًا، مِنْ كرسى القيادة برز رأسٌ كبير أشعث الشعر، منتفخ العينين، ضخم الشفاه والأنف كأنه صورة لشيطان الحكايات، وبثقة مَنْ يُخاطب مُتَهَمًا قال له: «أنت يتّمْتّ أولادك بلسانك الفالت، وستكون عبرة للمعتبرين».

كان عائدًا من المقهى. بين أصحابه، منذ قليلٍ، قضوا السهرة فى لعب الورق، وهم يرشفون السحلب، والشاى، والقهوة، ويمصون دخان الشِيَش، ويرصون الأسرار، والنكات، والضحكات حول مقاعدهم فى رشاقة.

ثمة شاب آخر كان يجلس إلى جوار السائق، جسدُه مدكوكٌ، وملامحه باهتة فى الضوء الخفيف الذى تنشره أضواءُ لمباتٍ متفرقاتٍ على أعمدة بعيدة. رأَى يد الشاب وهى تسحب سريعًا كتلة سوداء من جانب الحزام، لما حدق إليها وجدها مسدسًا.

لا يعرف من ألهمهُ سرعة البديهة حين أخرج يديه من جيوبه، أمسك رأسَ قائد السيارة ودقّها مرتين فى المقود بعد أن ضغط إصبع الأمان فى باب السيارة، فلم يستطع السائق فتحه بسهولة. كما اضطرب حامل المسدس. تدفق خيطُ دَمٍ من فم السائق، وسال من أنفه، لانت رأسه الصلبة فى يده، ففتح الآخر بابه، وقفز منها باتجاهه.

الطريق المرصوف خالٍٍ فى هذا الوقت من السيارات، أو المارة. كان يفضِّل المرواح من هذا الطريق. يرتب حساباته، وخططه، وقراراته وهو يمشى بخطى منتظمة هادئة، يرمق هامات البيوت، والأشجار بإجلال، ويرمى نظراته على الأراضى الزراعية البراح على الجهة الأخرى من مصرف مياه تنتشر عليه معديات من جذوع النخل، أو الأسمنت المسلح والحديد، والبيوت المتناثرة فيها بأضواء مرتجفة تئن من الوحدة.

لا يعرف من ألهمه القوة؛ ليقفز إلى الأرض الترابية المنخفضة على جانب الإسفلت فى هذا المكان، ثم يراوغ حامل المسدس، ويجد مخرجًا للوصول إلى المعدية من وراء سور المدرسة القديم. انطلق جريًا والآخران يأكلان الطريق وراءه.

كان متوسط القامة، والوزن. ثلاثينى هادئ. لا يعرف فى نفسه القدرة على العَدْو السريع، لكنه يرمح الآن كالحصان هربًا منهما. تطير من فِيه خيوط مندّاه، وتنفتح طاقتا أنفه على وسعيهما، بينما تلمع عيناهُ بدمعة كبيرة تُشّوهْ المناظر من حوله. أربعة أقدام تعدو وراءه فى إصرار لا يلين. قفز ببراعة، فعَبَر قناة للماء إلى أرض منخفضة قليلًا عن الطريق كان بها بضع شجرات، وحولها عِشش من البوص، والطين، والأخشاب. كلما أوغل داخلًا يلفه الظلام، فيشعر بالاضطراب؛ لأنه بات معزولًا عن البلدة. أحس بهما وراءه بمسافة. ربما لا يريدان أن يقتلاه على بُعد، فيُلعلع صوت الرصاص فى البلدة، بل يودَّان الإمساك به قبل قتله؛ لتعذيبه حد الإذلال. أمعاؤه تقلصت من الخوف، حاول ضبط نفسه كى لا يفعلها رغمًا عنه.

إن شجرة كافور عملاقة لا يمكن أن تنقذه، سيكون مرئيًا لهما، كما أنه لن يستطيع الصعود عليها بحذائه ذى النعل الذى أمسى ناعمًا من البلى، فقد يصعد إليه أحدهما ليدفعه إلى الأرض، فيخر صريعًا.

تُرى من يكون هذان الشابان المُجرمان؟!

إن خلقتهما شرسة، فيهما إصرار على الجريمة لا مجرد التهديد، والتهويش.

لحقه التعب فى ظرف حرج. يعلو صدره، ويهبط فى لهاث متصل. لم يعد قادرًا على الجرى، والقفز مثلما فعل فى البداية. «لكن الموت قريب»، قال لنفسه. كاد يضرب رأسه بيديه صارخًا: «أين أنت يا محمود. يا راضى. يا مصطفى». لقد وصلوا إلى بيوتهم بالتأكيد دون أن يعلم أحدهم ما هو فيه الآن. ربما تشاهد زوجته، وأطفاله التليفزيون، يضحكون لمشهدٍ عابرٍ فى فيلم، أو مسلسل دون أن يدركوا محنته فى لحظاته الأخيرة.

فجأة رآها أمامه باسطةً ذراعيها الهائلتين. كان بينه وبين الموت مائة خطوة عدوًا على الأكثر، وظلام هائل يحميه، وفى الآن ذاته يحمى المجرمين اللذين يجريان وراءه دون رحمة. إنها شجرة جميز وحيدة فى هذا الحوض الزراعى التى طالما نشر حولها الناس حكاياتهم عن العفاريت، والجن. شجرةٌ عجوز لا يُحدد أحد لها عُمرًا، ومكان قديم للقتل، وأحيانًا للقاءات الغرامية الليلية لأصحاب القلوب المغامِرة، لكن أحدهم لا يجرؤ على كسر فرع واحد منها، ولا السماح لأى أحد آخر بفعل ذلك خوفًا من لعنة غامضة لا يدركون كيف ورثوها مع الأيام.

هل يمكن التفاهم معهما بعد أن أدمى رأس أحدهما؟ لم يكن ثَمَّ وقت للتراجع. احتضن جذع الشجرة بيديه، ودفع بوز حذائه فى أحد نتوءاته. لم يرَ شيئًا محددًا فى الظلام، لكنه شعر بأن أصابعه تَرَى، وكذلك أقدامُه. اندفع عاليًا، أحس أنه قادرٌ على المراوغة قبل الموت، قادرٌ على الصراخ مرة أخيرة، فطالما تكلموا فى المقهى عن الغلاء، وعن السرقة، والنهب الذين يقوم بهما من يَدَّعون الفضيلة، والمسؤولية، وأن غيرهم ليس أفضل منهم بحال بل أسوأ مما يمكن تصوره.

حدق إلى أفرُع الشجرة الملفوفة السميكة، وأفرعها المترامية فى اتجاهات شتى. كأنها أيادى لوحش تَحجَّر ذات يوم، ثم أحس أسفل قدميه فى نقطة تفرع الأطراف من الجذع بفراغ. تراجعت قدمه إلى الخلف بشكل لا إرادى، ليته مسكنًا لثعبان هائل يقضى عليهما دفاعًا عنه. هو ارتعب من فكرة وجود ثعبان، أو جحر للفئران، لكنه سمع خطواتهما على مسافة قليلة جدًا منه. أزلق قدميه فى المساحة المفتوحة وهو جالس، فأدهشه اتساعها، وعمقها الغائر. هبط متئدًا؛ فارتاحت قدماه على جوف الشجرة المُمهد. أسند ظهره، ونظر إلى أعلى. كانت قطع من اللحاء هائشة فى الأعلى، غطى بها نفسه، فهو لا يعرف بعد لماذا يريد هذان المجنونان التخلص منه؟ هل لأنه شهد أول أمس فى قضية «أحمد سنبل» وأُعيد للرجل المسكين حقه؟!

هل يطاردانه لأنه كان يسخر من ضابط نقطة الشرطة فى البلدة، وينشر أخباره؟!

ليس له أعداء محددون، لذلك كان يجب أن يحذر. قال لنفسه وهو يضع يده على بطنه حالمًا ألا تكون لحظاته الأخيرة فى الحياة.

أخرج تليفونه المحمول، ضبط صوته على الوضع صامتًا، ثم أحس بهما فى الجهة الأخرى من الشجرة. شعر بخربشة أصابعهما وهما يتحسسان الشجرة، ثم قال أحدهما للآخر: «على أحدنا أن يصعد إلى أعلى ليبحث عنه».

أسند أحدهما الآخر بيديه حتى صعد، رأى مقدمة الحذاء الكاوتشوك الذى يلبسه. وجَّهَ كاميرا تليفونه إلى الخارج من ثقب صغير فى جذع الشجرة. كاميرا تليفونه المحمول، وهذه ميزة أدركها الآن، تلتقط تفاصيل كثيرة فى الظلام دون أن ينطلق للكاميرا فلاش. التقط صورة للأول الذى كان يدور فى المكان بحثًا وبيده قضيب من حديد. الآخر صاحب المسدس فوق المكان الذى يختبئُ فيه بالضبط. نظر إلى أعلى. لم يكن هناك سوى الظلام، ثم رأى أقدامًا تدب على الأرض الشراقى بجوار الشجرة. كان الآخر يضرب كفيّ يديه ويقول: «غير معقول!».

التقط له هو الآخر صورة عله يبحث عنهما؛ ليعرف إلى أى مدى يسعيان إلى رقبته، ثم أغلق تليفونه بعد أن ابتعدا قليلًا عن شجرته. ضبط أنفاسه، توسد أحشاء الشجرة واقفًا. كانت دافئة كفِراش مُمهد. رأسه ارتخى، وقلبه هدأ اضطرابه رغم خوفه أن يكون هذا المكان الآمن هو فخٌ آخر للعفاريت التى استأثرت به لنفسها دون المجرمين، ثم هده التعب، فراح فى النوم رغمًا عنه، حتى سمع شقشقة الصباح. حينذاك نحى القشرة جانبًا، وخرج من الشجرة ببطء. يرنو إلى شروق الشمس كأنه أمام معجزة يراها للمرة الأولى، وللخضرة الممتدة كجنة لم تخطر على البال، خبأ وجهه فى غطاء الجاكت من عيون أوائل الفلاحين القادمين على عرباتهم الكارو فى السكك الزراعية؛ كى لا يسألوه لمَ بات ليلته هنا.

زوجته تشك دائمًا فى سلوكه، تحاصره كلما انتقل من غرفة لأخرى بالصراخ، والبكاء، والهجوم. واجه معها خناقة متوقعة، لكنه لم يتورط، فى نوبة العصبية المتبادلة، هذه المرة فى قول شيء مما حدث له قبل أن يلم بتفاصيل الأمر. زوجته ترتاع أيضًا من أقل تهديد، لذلك يراها شوكة فى ظهره لا سلاحًا فى يديه.

لم يخرج من شقته ليومين. يصلح علاقته بزوجته، ويضم أطفاله إليه، يحدق إليهم بنظرة شفقة. فى صباح اليوم الثالث من الحادث أخذ طريقه إليها؛ ليعيد لنفسه تمثيل ما حدث.

كان الفلاحون ينتشرون فى غيطانهم هنا، وهناك. أخذ معه بلطة؛ ليواجه حيواناتها الزاحفة إن هبت فى وجهه. إنها شجرة على حواف قناية مشتركة، ليست ملكًا لفلاحٍ بعينه، بل هى فى سكة الجميع الذين يتناوبون على حمايتها من القطع، أو الأذى باتفاق غير مُعلَن. استراح لذلك، فلن يضايقه أحد. صعد إلى أعلى. لم يرَ إلا دائرة صغيرة بعمق لا يستوعب جسده بالكامل. ظل يدس أصابعه فى نفس المكان الذى اختبأ فيه، ثم خرج فى الفجر..

«تكلمى أرجوك».

لم ترد الشجرة، ولم يسمع سوى زقزقة عصافير، ونعيب غربان تحوم فى الجو، ونداءات بعيدة لفلاحين على زوجاتهم، وأولادهم الذين يرافقونهم فى العمل دون أن يميز الكلمات بالضبط.

«المشكلة أننى لا أثق فى المعجزات، ولا أحب أن تحدث لي؛ لأننى لا أتحمل هذه الطرق الغريبة التى انضممت إليها بعض الوقت. ليست بى طاقة لرسالة، أو دعوة».

ضحك فى البداية، ثم فكر فى عواقب الأمر. ما الذى حدث بالضبط؟ وتلك الصور التى التقطها، وشاهدها أكثر من مرة، وينوى أن يعرضها لأصدقائه، أو يرفعها على صفحته بالفيسبوك دون أن يعلن المكان الذى التقطها منه؛ ليبحثوا معه عن حل.. أين التقطها إذن؟!

«تكلمى، لا أتحمل نبوة، ولا جنونًا. كيف اتسع هذا الخرق الصغير ليشملنى وينقذنى؟».

نوع من الحنين كان يجذبه إلى هذه الشجرة كحنينه إلى أمه التى توفيت منذ سنوات، ليست أمامه الآن فى الضُحى سوى جميزة عجوز، وليس هو سوى رجل يضطرب قلبه كلما سمع حكاية لا يستطيع نفيها، ولا إثباتها.

كان قلقًا يبحث عن إجابة عاجلة. أخذ يضرب بظهر البلطة ضربات صغيرة على ما اعتقد أنها صرة الشجرة التى ستفتح له بطنها المريح مرة أخرى، أو لتجيب عن سؤاله، ولم يرد عليه سوى طرقات خفيفة للقاء جسم الشجرة بظهر الأداة الحديدية، وبعض الثقوب العميقة بها، وشيئًا فشيئًا، مع برودة الأجواء، وصمت الشجرة، أخذ يحفر بحنو بحد البلطة المشحوذ، ثم هوى بضرباته عليها بقسوة وإلحاح؛ حتى طارت الطبقة الأولى، وبكل عزمه كأنه يقتل أو ينتقم صاح فيها: «تكلمى.. تكلمى»، تطايرت أجزاؤها فى الهواء دون أن تعطيه كلمة. ما زاد غضبه أنه رأى أفرع الشجرة العجوز الملعونة والمباركة معًا، لدى أهل بلدته، تتكسر أفرعها، وتتهاوى مثل أى شجرة أخرى بلا حيلة. هذا الغضب المتصاعد فى قلبه جعله يكيل الضربات إثر الضربات الآن وقد نسى أنه كان يضع قدمه على فرع عالٍ معلق سيسقط به، بعد لحظات، سقطة مُهلكة.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق