رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رسائل اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثانى إلى أنيس منصور..
أسـرار عملية «الخطة شامل» بخط يد قائد تصفية الثغرة

إبراهيم عبدالعزيز

يتذكر أنيس منصور: «كلفنى الرئيس السادات بأن أتصل باللواء سعد مأمون أكثر من مرة لعله يروى شيئا مما حدث فى حرب أكتوبر وفى تطوير الحرب وحدوث الثغرة، ولكنه كان يهرب ولم أفلح فى أن أحمله على الكلام، وأدهشنى أنه يرفض تماما، وقد سألت المشير محمد عبدالغنى الجمسى عن سعد مأمون، فقال لى: إن له خمس صفات، آخرها أنه ثعلب!. ووجدت فى ذلك إجابة مقنعة، وسدا منيعا، أمام أى محاولة لإجراء حوار معه، من أجل أن أعرف شيئا أوضح أو أكثر تفصيلا». ومن بين الأوراق الخاصة لأنيس منصور خطابان للواء سعد مأمون، وسنعرض لهما بعد أن نتعرف على بعض معلوماته وأسراره التى يبدو أنه حجبها ليضمنها مذكراته وبخط يده، متضمنة ما أراده أنيس منصور خاصة تطوير الحرب، والثغرة التى كلفه الرئيس السادات بتصفيتها.

....................

يسترجع قائد الجيش الثانى فى حرب أكتوبر ذكرياته ويعود بذاكرته ليرصد الفترة السابقة على العبور باعتبارها السبب الأهم فى نجاح هذا العبور لقناة السويس، أصعب مانع مائى فى العالم خاصة فيما يليه من تحصينات ظنها الإسرائيليون سدا منيعا، يقول اللواء سعد مأمون – الفريق فيما بعد: «توليت قيادة الجيش الثانى فى يناير 1972، إذ كان الاستعداد للحرب يتم دون أن يشعر به الشعب، فقد تم مضاعفة القوات من 300 ألف جندى إلى مليون جندى، وزادت الأسلحة كما ونوعا، وتكثفت التدريبات العسكرية. ورغم إعلان الرئيس مرارا عن الحرب إلا أن الأمر كان يلزمه الكثير من التدريب لكى يكتسب الضباط والجنود الثقة بالنفس ويتمكنوا من العبور. وإذا كان كثيرون يتعجلون العبور وتحرير أى مساحة من الأرض، إلا أن الأمر كان مختلفا عند قيادات الجيش، أذكر أن الرئيس السادات كان يقول: «اعبروا القناة، حتى لو أخذتم كيلو مترا واحدا، لرفع الروح المعنوية، وخلق موقف، وتحريك الأوضاع السائدة». لكن هذا لم يكن ليرضينا كقادة للجيش، فنحن نريد نجاحا حقيقيا يتحدث عنه العالم، ولم يكن الاستعداد للحرب عاديا، ففى هذه الفترة كان الخبراء السوفييت يدربون الجيش المصرى، لكننا لم نكن نثق فى ولائهم، فضلا عن معظم الخطط التى كنا نتمرن عليها، كان الإسرائيليون يعلقونها على حوائطهم، وكأنهم يقولون لنا: «لا فائدة، فنحن نعرف خططكم وتدريباتكم». وهو ما دفع السادات إلى طرد الخبراء السوفييت، وفى يوم 24 أكتوبر 1972 جمع الرئيس السادات القوات المسلحة وكان متحمسا جدا للحرب، وأعلن أنه لا بديل عنها، ويومها شعر أن الفريق محمد صادق وزير الحربية وعددا من قادة الجيش فى ذلك الوقت غير مقتنعين بفكرة الحرب فى هذا الوقت، أو بالأحرى غير متأكدين من أن المعركة القادمة ستحقق النصر لمصر، وهذا ما جعل السادات يقوم بتغيير عدد كبير من قيادات الجيش فى هذا التاريخ، وجاء بالمشير أحمد إسماعيل وزيرا للحربية، وبدأ بعد ذلك العد التنازلى لحرب أكتوبر.

يضيف اللواء سعد مأمون: «كنا نراهن على شىء مهم، وهو أن غرور قادة إسرائيل سيخدعهم ويجعلهم مطمئنين إلى أن القوات المصرية لن تستطيع القيام بعملية العبور، وخصوصا مع وجود خط بارليف بكل نقاطه القوية والحصينة وصفوف الدبابات التى تقف خلفه، فهم كانوا يتصورون أن القوات والجنود المصريين على نفس مستوى حرب 1967، إلا أن الجندى المصرى خدعهم، وأثبت لهم أن الجندى المصرى «المشاة» يستطيع أن يقهر بسلاحه المدرعات والدبابات. وخطة حرب أكتوبر كانت غريبة، فإسرائيل كانت مطمئنة إلى وجود خط بارليف بتحصيناته، وخلفه ثلاثة خطوط للدبابات على بعد ثلاثة، وسبعة، وعشرة كيلو، وأمام خط بارليف يوجد ساتر رملى بارتفاع عمارة شاهقة، يصل ارتفاعه إلى حوالى عشرين مترا. وكان لابد من عبور الدبابات من فتحات الساتر الرملى، هذه الفتحات تحتاج من ثمانى إلى عشر ساعات، وبعد التدريبات الشاقة جعلنا الوقت اللازم لها من ست إلى ثمانى ساعات، وذلك لعمل هذه الفتحات وعمل كبارى ومعديات، ولكننا بالطبع لو كنا قمنا بهذا العمل كان من الممكن أن نتعرض لضربات إحباطية تقضى على القوات، لذا كان التفكير هو أن يقوم جنود المشاة بالعبور أولا ويعتلوا الساتر الرملى وينزلوا إلى الجانب الآخر ليقاتلوا الدبابات، ولنا أن نتخيل الفارق بين جندى مشاة بكل أسلحته الشخصية والأسلحة المضادة للدبابات والتى يصل مداها إلى ستمائة متر، فى حين أن أسلحة الدبابة مداها ثلاثة آلاف متر، والحقيقة أننا أقنعنا جنودنا أن الفرد يمكنه أن يواجه الدبابة، والحقيقة أن الإنسان المصرى طالما وثق فى قائده فهو ينفذ كل ما يطلب منه وبكفاءة منقطعة النظير، وهو ما حدث بالفعل، بدليل أن الدبابات الإسرائيلية لم تستطع أن تصل إلى خط المياه على قناة السويس، اللهم إلا ثلاث دبابات جنوب القنطرة وتم تدميرها. وكنا ندرب الجنود على كيفية إصابة الدبابة حسب السلاح الذى يحمله الجندى، وأيضا كيفية وضع قنبلة مضادة للدبابات لتنفجر، وكذلك كنا ندربهم على كيفية تعطيل دبابة بطريقة وضع منديل مبلل بالمياه فى شكمانات الدبابة فتتوقف، الطريف أننى كنت ضابط مدرعات، ولكننى كنت أقنع الجنود المشاة أنهم سيتغلبون عليها، وأذكر أننى كنت أنزل فى الخندق الذى يحفره الجنود للاختباء، وكنت أقول لهم: «مروا بالدبابة فوقى»، حتى إنهم كانوا يعترضون، ولكننى كنت آمرهم بذلك، فيمرون بالدبابة دون أن يحدث شئ، فيكتسب الضباط والجنود الثقة فى أن الخندق يمكن أن يحميهم حتى لو مرت الدبابة فوقهم، والحقيقة أن الثقة بالنفس التى تحققت للجندى المصرى هى بالفعل التى أتت بالنصر.

أما الثغرة التى كانت مجرد عملية دعائية إسرائيلية للتغطية على هزيمتها، فقد كلف الرئيس السادات، اللواء سعد مأمون بقيادة عملية تصفيتها، يتذكر: «على ضوء الموقف العسكرى فى ذلك الوقت قامت القيادة العامة للقوات المسلحة بتنفيذ الإجراءات التالية على مرحلتين، المرحلة الأولى من 29 أكتوبر 1973 حتى وضع الخطة الهجومية «شامل» لتحقيق هدفين، الأول التأكد من مقدرة قواتنا المسلحة فى منطقة رؤوس الكبارى شرق القناة على صد أى هجمات رئيسية توجه ضدها، والثانى حشد كل ما يمكن حشده من القوات المسلحة وتدعيمها بقوى بشرية وأسلحة ومعدات من بعض الدول العربية والدول الصديقة، لاحتواء تثبيت القوات الإسرائيلية فى المواقع التى وصلت إليها غرب القناة، ثم وضع خطة دفاعية لمنع أى احتمال لاستغلال إسرائيل وجود قوات غرب القناة لمحاولة التقدم فى اتجاه الدلتا أو القاهرة. أما المرحلة الثانية – كما جاء فى مذكرات سعد مأمون – قررت القيادة العامة للقوات المسلحة وضع معظم القوات غرب القناة تحت قيادة واحدة، ووضع خطة هجومية أطلق عليها «شامل».

وخلال فترة حشد القوات المصرية غرب القناة لاحتواء العدو وتثبيته، وأثناء وضع الخطة الهجومية «شامل» قررت القيادة العامة للقوات المسلحة وعلى الرغم من سريان قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، ألا تسمح للقوات الإسرائيلية غرب القناة بأية فترة هدوء أو راحة، وحرمانها من تثبيت دفاعاتها أو تحصينها هندسيا، وفى تشديد الخناق عليها، فى تعاون وثيق بين جميع القوات المحيطة بها. وقد تطورت الأعمال الدفاعية النشطة للقوات المسلحة إلى الحد الذى جعل البعض يطلقون على هذه المرحلة اسم «حرب الاستنزاف الثانية». وكانت أهداف القيادة العامة للقوات المسلحة من ذلك إحداث أكبر قدر من الخسائر فى قوات العدو وأسلحته ومعداته، والقيام بعمليات إزعاج للعدو على أوسع نطاق ممكن، حتى يصبح بقاؤه غرب القناة جحيما لا يحتمل، وإرغام إسرائيل على الاستمرار فى تعبئة قواتها الاحتياطية، مما يرهق اقتصادها القومى ويهدد الحياة العامة بها بالشلل الكامل، ومنع العدو من تحسين وتحصين مواقعه شرق وغرب القناة، وقد وقع خلال هذه الفترة حوالى 1500 اشتباك بالنيران على حوالى 439 عملية تم الإعلان عنها، وقد أسفرت هذه الاشتباكات عن إلحاق الخسائر بالقوات الإسرائيلية وفقا للبلاغات الرسمية، منها: تدمير 11 طائرة، 41 دبابة وعربة مدرعة، وعشرة رشاشات ثقيلة، وتدمير 26 بلدوزرا ومعدة هندسية وعربة ركوب، وإصابة ناقلة البترول الإسرائيلية «سرينا» بعطب جسيم، وإغراق قارب إنزال بحرى، وقتل 187 فردا إسرائيليا وإصابة مائتين من الجرحى.

وفى شهادته للتاريخ يكتب اللواء أ.ح. سعد مأمون عن التصديق على الخطة «شامل»: عقب تعيينى اعتبارا من 13 ديسمبر 73 قائدا لقوات تصفية الثغرة، تلقيت التوجيهات الخاصة بتنفيذ الخطة من الرئيس أنور السادات ثم من الفريق أول أحمد إسماعيل القائد العام للقوات المسلحة، نظرا لأن أنظار مصر وأنظار الدول العربية والعالم تتابع هذه العملية باهتمام وتركيز شديدين، بسبب استغلال أجهزة الإعلام الإسرائيلية وجود الجيب الإسرائيلى غرب القناة للقيام بدعاية سياسية واسعة النطاق. وقد قمت بعد تولى القيادة – بعد أن تعافيت من محنة مرض طارئة – بالمرور على القوات التى خصصت لتصفية الثغرة، ومراجعة الخطة مراجعة دقيقة، وأدخلت عليها بعض التعديلات، وفى يوم 18 ديسمبر 73 قمت بعرضها على القائد العام الفريق أول أحمد إسماعيل للتصديق عليها، وفى يوم 24 ديسمبر 73 عرض القائد العام الخطة «شامل» على الرئيس أنور السادات باستراحة القناطر الخيرية،بحضور رئيس الأركان وقادة الأفرع الرئيسية بالقوات المسلحة وحضورى، وأقر الرئيس الخطة وأصدر توجيهاته بأن تكون جاهزة للتنفيذ فى أى وقت اعتبارا من نفس اليوم «24 ديسمبر 73».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق