رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكاية النشيد الوطنى ومحمد يونس القاضى

فراج فتح الله;

قبل انقضاء 2019 م، وبعد مرور نصف قرن على اعتماد السلام الوطنى و قرن كامل على كتابته، ومرورنا بثورتين وإزاحة نظامين. هل ممكن تغيير السلام الوطنى؟

طبعا فقد تغير أكثر من مرة من قبل، الكل يعتقد ان السلام الوطنى ثابت.

وهو ليس كذلك، أول سلام وطنى كان منذ عصر اسماعيل.

وأول نشيد وطنى لمصر يرجع تاريخه إلى 1869م، من ألحان فيردى، ومع إنهاء الملكية وقيام ثورة يوليو ألغى العمل به، وتم تبنى نشيد الحرية من ألحان محمد عبدالوهاب و كلمات كامل الشناوى. وكمان نشيد والله زمان يا سلاحى لـ «أم كلثوم» تأليف صلاح جاهين وألحان كمال الطويل تم اعتماده رسميا كنشيدا وطنيا للبلاد فى 1960م، و ظل مستعملا حتى استبدل النشيد الحالى به فى 1979م. فى واقعة ظريفة لابد ان تحكى هنا.

قول..

فوجئ المصريون فى 1908م أثناء زيارة وفد رومانى القاهرة بأن بروتوكول الترحيب بالضيوف يحتوى على عزف النشيد الوطنى الرومانى فبحثوا عن نشيد مصرى مواز فلم يجدوا، حيث إن، مصر كانت واقعة تحت الاحتلال العثمانى فتبنوا بتوجيه من محمد فريد، زعيم الحزب الوطنى، نشيدا كتبه الشاعر على الغاياتى يقول «نحن للمجد نسير.. ولنا الله نصير.. ليس يثنينا نذير.. عن بلاد تستجير.. وعباد فى حداد.. كيف نرضى بالممات.. وزمان الموت فات.. إنما الدستور آت.. فعلينا بالثبات.. عند آمال البلاد.. نحن للمجد نسير». أغضب هذا النشيد النظام المصرى الذى كان ينفذ أوامر الإنجليز، فتمت مصادرة ديوان وطنيتى، وألقى القبض على الزعيم محمد فريد ومعه الشاعر على الغاياتى وتم سجنهما.

طيب محمد يونس القاضى مؤلف السلام الوطنى الحالى هو نفسه اللى كتب:

ارخى الستارة اللى فى ريحنا

تعالى يا شاطر نروح القناطر.. هو ده فعلا؟

قبل إصدار أى أحكام لابد أن تعرف أهم المحطات فى حياة الرجل.

يعنى، محمد يونس القاضى شاعر ابن قرية النخيلة أسيوط، استكمل تعليمه الأساسى وكعادة القرى عندنا تطرد ساكنيها خاصة المتميزين منهم، حمل شنطة الشعر والكثير من حب الوطن وحب الصحافة، وسافر إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر.

الشخصية الأولى التى أثرت فى يونس القاضى كانت أباه الذى كان يقيم الندوات فى بيته، وكان يمتلك مكتبة كبيرة تضم آلاف الكتب، وكان دائم التنقل من القاهرة إلى أبو قرقاص لمسقط رأسه بأبو تيج إلى واحات الداخلة وافته المنية ودفن هناك.

والشخصية الثانية التى ارتبط بها كانت الزعيم الوطنى مصطفى كامل فى الحزب الوطنى وقدم له أول مقالاته التى نشرت فى جريدة المؤيد، ليتولى يونس بعدها تبسيط خطب مصطفى كامل فى العديد من الصحف. كما شارك فى تأسيس 14 جمعية لتعليم فنون الخطابة، وشارك فى تأسيس جمعيات وطنية داخل الأزهر واشترك فى ثورة الأزهر الأولى ضد الخديو عباس حلمى عامى 1908م و1909م. ومعه الشيخ على عبدالرازق وخالد مطاوع.

كتب يونس آلاف المقالات الصحفية، إلى جانب أعماله المسرحية التى تعدت 58 مسرحية ذات محتوى سياسى، كانت تؤدى فى الكثير من الأحيان إلى خروج الجمهور فى مظاهرة ضد الإنجليز بعد العرض، ووصل الأمر إلى أن أوقف الإنجليز عرض مسرحيته «كلها يومين» 17 مرة، لأنها تحمل عبارات عنيفة ضد بريطانيا، كما تم اعتقاله 19 مرة.

ارتباطه كان روحيا بالزعيم مصطفى كامل، الذى رعاه ثقافياً ومعنوياً منذ مقابلتهما الأولى عام 1905. وقال القاضى فى حديث صحفى: قال لى مصطفى كامل «يا شيخ يونس أنا بخطب بالفصحى والفرنسية والإنجليزية ولكن الناس فى حاجة لمن يحدثهم بلغتهم وأنت الوحيد الذى يستطيع ذلك».

إلى هذه الدرجة وصلت العلاقة والثقة بالشاعر.

وبالفعل ترجم القاضى هذه الكلمات فى أعماله الفنية وفى نشاطاته السياسية الوطنية، بالإضافة إلى شرح خطب كامل التى كان يلقيها بالعربية الفصحى وكان يترجم أيضاً محتويات خطبه الأجنبية إلى اللغة العامية.

تمام كده

وعمل مع على يوسف صاحب جريدة المؤيد. كما كتب فيما يقرب من عشرين مجلة وجريدة سياسية وأدبية، وفجأة توفى مصطفى كامل فى سن 34 عاما فى 10 فبراير 1908م وهى أول صدمة تلاقها شاعرنا.

كانت الصدمة لمصر كلها، مصطفى كامل كان على الاقل حلقة الوصل فى الكفاح الوطنى ما بين عرابى وسعد زغلول.

والصدمة الثانية التى لا تقل قسوة كانت وفاة سيد دويش المبكرة ايضا والملتبسة بعد الارتباط الشديد به.

عبقرية القاضى تجلت بوضوح بعد لقائه الشيخ سيد درويش عام 1917م، فإذا كان سيد درويش هو أول فنان ربط ما بين الفن والسياسة، فإن القاضى هو من كتب له الكلمات، واستمرت تلك الصداقة طوال فترة حياتهما، التى أنجبت كلمات وأغانى من أعظم ما جاء فى الفن، على رأسها النشيد الوطنى، إلى ان كانت الوفاة فى 15 سبتمبر 1923م، التى اختتمت حياته مبكرا بعمر الواحدة والثلاثين، وهناك شكوك حول الوفاة فقد يكون مات نتيجة أزمة قلبية من الحزن. أو كما قال حفيده الفنان إيمان البحر درويش فى حوار إن جده مات مسموماً من قبل الإنجليز وليس بتأثير جرعة زائدة من الحشيش مثلما يصور البعض، وفى كل الاحوال كانت الصدمة أكيد بالغة للشيخ يونس.

أكيد كل هذا يسبب حالة حزن قاتلة، فهو صديق عمر وسيد درويش، واليأس كمان حدث فى تداعى أحداث ثورة 19، وبكده حياته تصلح فيلم وطنى شديد الصراع، يمكن ان يحكى فيه التاريخ الوطنى بامتياز.

صح جدا.. هذه صدمات مروعة لشاعر بحجم وإحساس الشيخ يونس، تقريبا نفس ما حدث مع عمنا صلاح جاهين بعد 67، سأحكى لك أنا حكاية لا تستطيع أنت قولها أو إنكارها.

أنت!، أحكى..

بعد قيام ثورة يوليو 1952م، تعرّض القاضى لظلم شديد بوصفه وفدياً وكان رئيسا لتحرير جريدة «مصر» الناطقة بلسان حزب الوفد، حتى داهمه المرض وأصيب بعده بالشلل وظل قعيدا من عام 1954م حتى وفاته 1969م، عن عمر81 عاما، حتى إنه قال فى آخر حديث له: « أنا أعيش فى ضياع، أريد أن تمر أيامى بسرعة، أعيش الآن تائهًا، صرفت كل ما أملك على الأدوية والعلاج، الخوف من الأيام يطاردنى، إن آلامى من الناس فاقت كل ما تجمع فى جسدى من آلام».

ويوجد موقفان للرجل لم نقولهما فى سيرته، أنه عندما عُين القاضى كأول رقيب على المصنفات الفنية فى مصر عام 1928م منع بعض أغانيه من الإذاعة، وانه استمر فى العمل الرقابى حتى عام 1954م.

نرجع لمرجعنا..

السلام الوطنى، تمر السنين وزيادة فى الكيد يأتى عضو فى الحزب الوطنى المنحل ويشغل نشيد بلادى للسادات، وهو على سلم الطائرة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1977م، راقت الفكرة للزعيم المؤمن والتشبيه بالزعيم سعد زغلول، وفى عام 1979 صدر القرار الجمهورى رقم 149 بتعديل السلام الجمهورى إلى نشيد بلادى، نشيدا وطنيا لمصر وتم تخفيف حدة اللحن والحماس من قبل الموسيقار عبدالوهاب. وهكذا يمكن، يجى اليوم ونستيقظ صباحا نجد سلام جديد، وامل جديد.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق