رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

البندقية الخشبية

شهاب سلطان

عم عبدالحى رجل فى مثل حجم أبى، وفى نفس لون بشرته، عيناه تشعان دفئا وحبا وحنانا، حين يمر علينا ننكمش داخل بعضنا حتى يتخطانا، نلتقط حصوات من الأرض نقذفه بها، فتتساقط الحصوات بعيدا عنه، ويقف لينظر إلينا معاتبا. فيفر الرفاق هربا. أظل واقفا أنظر إليه أتأمله.

وذات يوم تجرأت واقتربت من الرجل أمد يدى بالسلام. فجلس القرفصاء يداعب خصلات شعرى المتهدلة على جبهتى. ومد يده فى جيبه وناولنى حفنة من الطوفى الذى أحبه. ثم قبل جبهتى ووقف مبتعدا فى هدوء.

أسرعت الى رفاقى سعيدا بما أعطانى.. ومددت يدى لكل منهم بواحدة مما أعطانى. ففروا بعيدا عنى وهم يصرخون:

ـ لقد مسه الجنى.

التقطت أمى الكلمات.حملتنى على صدرها وأسرعت بى الى شيخ الجامع. فأجلسنى فى اتجاه القبلة.. ووضع يده على رأسى وراح يتلو آيات من القرآن الكريم. وأخيرا تركنى واستدار ليواجه أمى وقال:

ـ هو الآن بخير.. سوف تحفظه كلمات الله.

وضعت أمى يدها على كتفى وخرجت بى من الجامع، انفلت من يدها الى الطرقات..أبحث عن ذلك الرجل الطيب الذى ينادونه بالجنى ويحذرونا من الاقتراب منه.

على جسر الترعة التى بجوار حقلنا. كان الرجل هناك، يجلس بجوار شجرة توت. يسند جذعه إليها وقد راح فى نوم عميق. اقتربت منه وأنا أتحسس جيوبى أبحث عن قرش معدنى كانت جدتى قد أعطته لى. شعر بوجودى. فتح عينيه الحالمتين وقال:

ـ القرش الذى تبحث عنه وقع منك فى الجامع.

هممت بالعودة لأبحث عنه.. استوقفنى قائلا:

ـ أخذه الشيخ بعد خروجك أنت وأمك.

تسمرت فى مكانى.. لم يكن الرجل موجودا فى المسجد، معنى هذا أن الرجل جنى كما يقولون.. أسرعت هاربا من أمامه.

جلس والدى القرفصاء يستقبلنى فى حضنه وأنا ألهث، استكنت فيه حتى هدأت.. حكيت له ما حدث.. وسألته وأنا أتلفت حولى:

ـ هل الرجل جنى كما تقول جدتى.

ربت والدى على ظهرى وقال:

ـ الرجل من أهل الخطوة يا ولدى.. ربنا يجعلنا من بركاته.

جاءنا صوته يلقى السلام وهو يسير على الطريق الترابى الملاصق لدارنا، رد والدى عليه سلامه وزاد عليه. ثم قال مناديا:

ـ تعال يا عبدالحى.

وقف عبدالحى فى مكانه وقال:

ـ لأ.. تعال انت.

قال والدى:

ـ طب استنى.

قام والدى ودخل الدار. عيناى لم تفارق عبدالحى لحظة. لم ينظر ناحيتنا.. متطلعا دوما الى السماء. ناولنى والدى رغيف من خبز القمح عليه «خرطتان» من الجبن القريش وهو يقول لى:

ـ اديهم له.

أسرعت أناول الرجل رغيف الخبز وقطعتى الجبنة القريش. مد يده على استحياء وأخذهم. شاكرا وانصرف على الطريق، عدت لوالدى أسأله:

ـ أين سيأكل طعامه؟.

قال:

ـ اذهب لترى بنفسك.

أسرعت أعدو على الطريق، أبحث عن عبدالحى.. مررت على حديقة موالح عم الحاج سيد، قبل أن أعبر سورها الشوكى أتانى صوته هادئا يقول:

ـ لا تسرع دون نظر.. أنا هنا.

توقفت. نظرت خلفى، رأيته يجلس متربعا فى حضن سور الحديقة. يضع رغيف الخبز فى حجره ويأكل. تظلله شجرة برتقال مدت فرعها فوقة.

جلست بجواره. لم أقل شيئا وكذلك هو. تسللت قطة هزيلة من بين الأعشاب. تمسحت بساقه وراحت تموء..كف عن تناول طعامه.. نظر الى وقال:

ـ القطة جائعة أكثر منى.

وضع أمامها قطعة الجبن القريش المتبقية معه، راحت القطة تأكلها بنهم وهى تزوم شاكرة. هم واقفا. تراخى فرع شجرة البرتقال واقتربت الثمرات من رأسه. نظر الى الفرع وقال له:

ـ أنا لا آخذ شيئا لم يعطه لى صاحبه.

جاء صوت الحاج سيد هائجا كالثور:

ـ ابتعد أيها الجنى عن حديقتى.

فى هدوء رد عبدالحى قائلا:

ـ هل تسمح لى ببرتقالة واحدة ابلع بها لقمتى.

قال الرجل:

ـ ادفع ثمنها وخذها.

رفع عبدالحى نطره الى الفرع وقال له:

ـ أرأيت.. صاحبك لا يريد أن آخذ منك.

اهتز الفرع غضبا وأسقط كل ثمراته فى طين القناة التى تمر بجوار الحديقة أمسك الحاج سيد بعصا غليظة وأسرع خلف الرجل وهو يصرخ ويقول:

ـ هذا الجنى يسقط الثمرات بالنظر اليها.

وسمع الناس ما يقوله الحاج سيد. وصدقوه، أسرعوا خلفه يؤيدونه، فصاح فيهم وقال: امسكوه.

أصرخ وأقول لهم:

ـ عم عبدالحى لم يفعل شيئا.

ـ رحت أجرى خلف الرجال وأنا أصرخ ببراءة الرجل، وهو يجرى أمامهم، ويتجمع الناس من الحقول، تعثرت قدماى كثيرا فى طوب الأرض وسال دمى فوق حبات التراب، كنت أقع وأقوم غير مبال بالجروح والخدوش فى جسدى. لم أستطع اللحاق بالرجال ولم يسمعوا صوتى. ولم يستطع أحد منهم أن يلحق بعم عبدالحى. وحين تعبت من الجرى. توقفت وأنا أتساءل:

ـ من أين أتى الرجل بهذه السرعة حتى يسبق كل الرجال.

أنظر بعينى الى الأمام. قد أحاط الفلاحون بالرجل. وهو يحتمى بشجرة الجميز العجوز. يروح ويجىء وسطهم. يبحث عن مخرج له من بينهم. صنعوا بأجسادهم دائرة حول الشجرة، سواعدهم القوية متلاصقة. يتحركون الى الأمام. الدائرة تضيق عليه.. تعالت صيحاتهم يشدون من أزر بعضهم.

ألصق عم عبدالحى ظهره الى جذع الشجرة يحتمى بها ويطلب منها العون دار على حاله حولها يتفحص وجوه مهاجميه، كلها وجوه غاضبة وسواعد قوية تحمل أسلحة مصوبة إليه. يستمتع الرجال برؤية الرعب على وجه الرجل. ببطء يتقدمون الى الأمام، يلوحون بأسلحتهم. وتضيق الدائرة رويدا رويدا.

أصل خلف الرجال. أتسلل من بين سيقانهم حتى أصل الى الصف الأول. لم أستطع اختراقه للوصول الى جانب الرجل. أنظر إليه من بين السيقان، لم يكن يبتسم فى وجوه الرجال كما كان يبتسم فى وجوهنا حين كنا نقذفه بالحصوات. أراه الآن خائفا يرتعد. تنثنى ركبتاه.. يقاوم الوقوع على الأرض، أتعلق فى ملابس الرجال أصرخ لهم بأنه برىء. لا يلتفت الى أحد. يزيحوننى بعيدا ويتقدمون الى الأمام.

وتضيق الدائرة حول عم عبدالحى. صار مثل الفأر وسط دائرة من القطط تتسلى به قبل أن يتقدم واحد منهم ويفترسه. تهتز شجرة الجميز غضبا، تسلخ عن جسدها فرعا جافا وتسقطه الى الرجل. أنظر الى الفرع أجد له قبضة مثل قبضة البندقية التى أراها معلقة على اكتاف الخفراء. أمسك به الرجل الطيب كما يمسك الخفير بندقية، أصبح الآن واثقا من نفسه قليلا.راح يصرخ فى وجوه الرجال وهو يهز طرف الفرع فى وجوههم ويقول:

ـ ابتعدوا عنى.. أنا لم أوذى أحدا منكم أبدا.

اقترب الرجال أكثر وأكثر.

صار انفعال الرجل اكثر قوة وعنفا:

ـ أنا أحذركم.

ردد الرجال فى إيقاع صارخ:

ـ جنى.. جنى.. جنى.

صوت الرجل أعلى من صوتهم جميعا:

ـ أنتم شياطين الإنس. ضحك عليكم كبيركم هذا.

برز الحاج سيد من وسط الرجال، إقترب منه وهو يحمل فأسه وهو يصرخ ويقول:

ـ جنى.

تسارع شهيق وزفير عبدالحى. يصرخ فى الرجال ويقول:

ـ لا أريد أن أوذى أحدا.

هز فرع الشجرة الذى يمسكه بيديه وصرخ فيهم قائلا:

سأطلق النار عليكم.

صوب الرجل فوهة فرع الشجرة الجاف ناحية صدر الحاج سيد وهو يصرخ قائلا:

ـ لا أريدك أن تموت يا حاج.

وقف الحاج سيد وقد تردد قليلا لكنه سرعان ما تعلو ضحكاته ساخرا وهو يقول:

ـ هل ستقتلنى بفرع شجرة يا جني؟.

زأر الرجال وهم يهزون فئوسهم وهراواتهم ويرددون بصوتهم الذى صار مبحوحا:

ـ جنى.. جنى.

هز الحاج سيد جسده فى تثاقل وسأل قائلا:

ـ هل نقتله يا رجال؟.

ردد الرجال قائلين:

ـ اقتله.. اقتله.

رنت الكلمات فى أذنى كالطبل الذى يدق فى مولد سيدى ابو الحسن شيخ قريتنا وحاميها ويصرخ عبدالحى مناجيا ربه قائلا:

ـ إلهى لماذا تتركنى لهؤلاء الحمقى.

احمر وجهه وانتفخ جسده وتعاظم فى أعيننا جميعا وصوب بندقيته الى صدر الحاج سيد وهو يصرخ صرخة أصمت آذان الناس جميعا لكنى سمعته. فقد قال:

ـ مت أيها الشيطان.

وانطلقت من البندقية الخشبية طلقه نار حقيقية.. دوت فى الحقول رددتها كل أوراق الشجر، نقلتها الجذور.. اهتزت الأرض من تحت اقدام الرجال. اخترقت الطلقة صدر الحاج سيد ووقع على الأرض.. هرب الناس جميعا وتركوه وحيدا ودمه يزحف على وجه الأرض الغاضبة.

قذف عبدالحى بندقيته الخشبية بعيدا، وأسرع الى الحاج سيد.. جلس بجواره، أخذه فى حضنه. وقال له:

ـ سامحنى يا حاج سيد.. لم يكن قصدى.

ـ لفظ الحاج سيد أنفاسه بين ذراعيه. نظراته له ترجوه المغفرة.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق