رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المخبز

د. قدرية سعيد

توقف عم مرسى أمام جدران عرضها حوالى مترين ومحددة بالطول بخطين عريضين باللون الأسود, ومرسوم على الجدار صورة طفل تعبر ملامحه عن سعادة وهو يمسك بين يديه الصغيرتين رغيفا من الخبز يلتهمه بتلذذ. حدق عم مرسى فى الجدار والرسم وتذكر ما سمعه من عدة أسابيع أن هناك مخبزا جديدا للخبز البلدى سوف يفتح عن قريب... وقف يهمس لنفسه: لابد أن يكون هذا هو المخبز – لقد سمع وسمع عن مخبز آلى يفتح أبوابه أوتوماتيكيا بمجرد الوقوف امامه، وتضع النقود التى تريد الشراء بها فى تجويف معدنى يخرج أمامك كأنه ( درج ) ثم يغلق بعد وضع النقود فيه، وفى ثوان يخرج إليك عدد من الأرغفة التى تريدها وعندما تنصرف يغلق المخبز ابوابه، ثم يعاود الفتح من جديد عند وقوف شخص آخر امامه.. وهكذا

وقف عم مرسى بضع دقائق حتى مر عليه اثنان، صبى وفتاة وسألاه:

لماذا تقف هكذا ياعم مرسى؟

قال: ألم تسمعا عن المخبز الأوتوماتيكى؟

أجابا بحماس: نعم أهذا هو؟

قال: نعم ربما يفتح بعد قليل.

أدار الصبى رأسه ورفع صوته عاليا: أحمد يارضا، ياباسم تعالوا بسرعة.

هرول الجميع فى اتجاه الجدار، مرت سيدة تحمل طفلها على صدرها وفى يدها الطاولة المصنوعة من الجريد – إنها تستعد للذهاب الى رحلة البحث عن الخبز، فقال لها أحدهم: اسرعى ياأمة صفية حيفتح بعد قليل..

تجمع عدد يقارب المائة أمام (المخبز)، البعض كان ذاهبا لقضاء أشياء اخرى غير الخبز ولكنه توقف ليشاهد المخبز الأوتوماتيكى وكيف سيوفر لهم الخدمة بعيدا عن منظر الخباز الذى يتصبب عرقا، وبعيدا عن البائع الذى يخرج إليهم من الفرن ويرميهم بوابل من الشتائم والإهانات.. تنبه أحد الشبان إلى أن المكان اصبح مزدحما امام الجدار وأن ذلك قد يعوق الفتح الآلى للمخبز، وصاح قائلا:

ياجماعة المخبز لن يفتح إلا بوقوف شخص واحد فقط امامه ارجوكم أن تبتعدوا حتى يمكن تشغيله.

قالت سيدة: ومن هو هذا الشخص، أنت مثلا!

قال الشاب: لأ ياستى أى واحد..

تقدم صبى مندفعا، عمره لا يزيد على ثمانى سنوات: انا هنا من بدرى، كيف لا أقف امام المخبز.. لقد فقدت دورى كثيرا فى المخابز الأخرى وتعرضت للضرب والطرد.. أنا هنا فى الأمام.

قامت المشاجرات بين الصبية، يلكزون بعضهم البعض، والسيدات الحوامل يهتفن بأن لهن الأولوية والرجال يتعاركون، سوف يتأخرون عن مواعيد العمل والمسنون يهتفون: أليس هناك رحمة بكبار السن!

صرخ الشاب مرة أخري: كفاية.. كفاية، لن يفتح المخبز إلا بوقوف شخص واحد امامه.. قال رجل: أنت تكذب، إنه أوتوماتيكى سوف يستوعب وقوف الجميع، ولكن فلنقف فى طابور..

فتاة معترضة: برضو طابور.. مفيش فايدة أمرنا لله نقف فى طابور..

قالت أخري: شخص واحد يقترب من الجدار وباقى الطابور يبتعد قليلا.

رجل يتساءل: باقى الطابور يبتعد على بعد متر مثلا ولا مترين ولا أكتر؟

يجيب رجل: يمكن خمسة أمتار.

شاب يقترح: شخص واحد امام الجدار ونظل نبتعد قليلا قليلا حتى يفتح المخبز.

لاقت فكرة الشاب رضا معظم الواقفين ولكن تظل المشكلة من الذى سيقف امام الجدار منفردا؟

صاح البعض فى نفس واحد: عم مرسى

ظل الطابور يبتعد ويبتعد.. ويبتعد.. خمسة أمتار.. سبعة أمتار.. عشرة أمتار، تاركين عم مرسى امام الجدار، عشرون.. خمسون.. مائة متر... حتى اصبح جدار المخبز غير محدد المعالم.. وأخذ الطابور يلتوى بين الأزقة والحارات، يرجعون، يتخلفون رويدا رويدا... يحلمون بخبز ساخن.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق