رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سمير أمين.. كتفان حملا هموم الوطن من الحل الماركسى إلى الديمقراطى

د.بهاء درويش

توافق هذه الأيام الذكرى الأولى لوفاة مفكر مصرى أصيل، حمل هموم وطنه خاصة وهموم العالم الثالث عامة ليقضى معها حياة فكرية بحث خلالها عن حلول لهذه الهموم إلى أن انتهى الأجل فى مثل هذه الأيام من العام الماضى. إنه المفكر المصرى الاشتراكى الأصيل سمير أمين (3سبتمبر 1931 –12 أغسطس 2018).

كان سمير أمين- كأى أكاديمى مخلص أمين رغم تفضيله الوظيفة على المنصب الأكاديمي- باحثاً عن الحقيقة، لم يحاول أن يفرض قناعاته أو آراءه على غيره أو يقبل آراء غيره حين تفرض عليه فرضاً دجماطيقياً، بل كان يواصل تحليلاته ومراجعاته لذاته باستمرار.

فعلى الرغم من أن مشاعر العداء للامبريالية هى ما جذبته للشيوعية- مثل الكثير من الشباب المصرى فى ذلك الوقت- 1947 فى بداية وصوله فرنسا وانضمامه للحزب الشيوعى، فإنه اصطدم بالعقلية الدوجماطيقية والانغلاق الدفاعى اللذين كانت الشيوعية الأوربية تعمل بمقتضاهما، فلم يقبلهما. كذلك لم يكن نشاط المجموعات العربية الشيوعية النشطة فى فرنسا آنذاك- والتى انخرط فيها- محل رضا اللجنة المركزية للحزب الشيوعى الفرنسى، فتحول عنها.

كذلك فعل مع النظام السوفيتى الذى أخذ يدرسه ويوجه إليه النقد مراراً وتكراراً حتى رفض عده اشتراكياً بالمرة. ولم تسلم التجربة الماوية التى اهتم بها فى مرحلة من حياته من الأمر نفسه. تتضح أمانته أيضاً فى أنه لم ينحز لكل ما هو ماركسى، بل كثيراً ما رفض تفسيرات ماركسية خاصة بأمور معينة وكان عندئذ يطلق عليها «الماركسية المبتذلة». يظهر هذا بشكل جلى فى رفضه بعض التفسيرات الماركسية للتطور التاريخى للمجتمعات.

كان مفكرا مخلصاً لبلده، شغلته هموم الوطن، فرأى ضرورة تفعيل التجربة الديمقراطية، ديمقراطية أكثر تقدماً من الديمقراطيات الموجودة فى البلدان الرأسمالية والتى وصفها بأنها ديمقراطية محدودة. هذه الديمقراطية يعترف سمير أمين بأنها غير موجودة فى البلدان الاشتراكية كالاتحاد السوفيتى فى ذلك الوقت والصين. وشدد على أهمية إعطاء المثقفين الثوريين دوراً مهماً. لم يرفض الناصرية ولكنه حللها تحليلاً موضوعياً أظهر – من وجهة نظره محاسنها ومثالبها.

رأى سمير أمين أن التجربة الناصرية وغيرها من التجارب الاشتراكية لم تنجح لأنها لم تقم على أساس ثورات وطنية شعبية صحيحة. بل كانت مجرد ناتج مأزق التنمية الرأسمالية المندرجة فى إطار النظام الراسمالى العالمى. ولم تنجح لأنها رغم نشأتها وتطورها بدافع وطنى أصيل، إلا أنها ورثت بعض الأفكار السائدة من بعض الأجنحة المتخلفة فى المجتمع المصرى. رأى سمير أمين أن العالم الثالث المعاصر فى حاجة إلى ثورة وطنية شعبية. ثورة تقودها «الانتلجنسيا» أى طبقة المثقفين الذين لديهم مشروع سياسى اجتماعى أو أفكار يمكنهم طرحها فى المجتمع طرحاً يحدث تغييراً فيه.

هذه الثورة الثقافية يجب أيضاً أن تنسحب على الدين، فالدين فى ذاته (المسيحية كانت أو الإسلام) يتمتع بدرجة عالية من المرونة، ويقبل تفسيرات تتماشى مع المجتمع الحديث مثلما قبل تفسيرات تماشت مع مجتمعات العصور الوسطى، ولكن هذه الثورة لم تقم بعد فى وطننا العربى الإسلامى.

فى واحد من أهم كتبه، وهو كتاب «المركزية الأوروبية» الذى ظهر أول ما ظهر باللغة الفرنسية ثم ترجم إلى العربية ليظهر عام 1988 حاملا العنوان «نحو نظرية للثقافة»، انتقد أمين ما اسماه «التمركز الأوربى والتمركز الأوروبى المعكوس». عنا بالأول الادعاء بأن هناك استمرارية تاريخية تمتد من اليونان القديم ثم روما إلى القرون الوسطى الإقطاعية ثم الرأسمالية المعاصرة.

هذه الاستمرارية تبرر القول بأن أوروبا ذات وحدة ثقافية واحدة يتصف أبناؤها بسمات مشتركة هى العقلانية فى مقابل شرق اخترعوه لم يتجاوز أهله حدود الميتافيزيقا. أما التمركز الأوروبى المعكوس فعنا به الأيديولوجيا السلفية المقابلة التى تتلخص فى القناعة بأن هناك تراثاً عربياً إسلامياً يمكن الحديث عنه بصيغة المفرد أى أن هناك فكراً عربياً إسلامياً موحداً. الإيمان الإسلامى هو أساس هذا الفكر، فالطابع الدينى هو ما يجب أن يطبع جميع ممارسات النشاط الفكرى والمجتمعى. المبادئ الأساسية التى يقوم عليها هذا الفكر صالحة لمواجهة مشكلات عصرنا مثلما كانت مناسبة لظروف العصر الوسيط.

هذا الفكر يفوق الفكر الغربى، وبالتالى فهو أفضل فكر للانسانية جمعاء. رفض أمين كلا الأيديولوجيتين: رفض التفسير الأول لتاريخ أوروبا لأسباب كثيرة يمكن ايجازها على النحو التالي: يتضمن هذا التفسير قطع العلاقة بين اليونان القديم والبيئة التى نما فيها وهى بالتحديد بيئة «شرقية» نسب فيها بعض قدماء الإغريق لأنفسهم أسلافاً مصريين أو أنهم على الأقل تتلمذوا على يد قدماء المصريين والفينيقيين، كما أن إلحاق الهلينية «بالغرب الأوروبى» المزعوم إلحاق تعسفى، ثانياً: فى تأكيد الوحدة الثقافية الأوربية المزعومة عنصرية واضحة.

تكبير دور المسيحية وإلحاقها هى الأخرى – بأسلوب تعسفي- للاستمرارية الأوربية المزعومة وجعل هذا العنصر أحد أهم العناصر المفسرة للوحدة الثقافية الأوروبية رغم أن نشأتها كانت نشأة شرقية. كيف يمكن عد التاريخ الثقافى الأوروبى متسلسلا فى ظل وجود خمسة عشر قرناً تفصل النهضة عن اليونان القديم؟ أما التمركز المعكوس فقد رفضه أيضاً لأنه رآه ضد التعددية التى يؤمن بها، من هنا كان رفضه كلا منهما.

كانت له قراءته الخاصة للتاريخ – المقرر الدراسى الذى أحبه منذ مراحل دراسته الأولى- التى لم تكن بالضرورة تمثل أحد التفسيرات الماركسية، بل كانت له قراءاته وتحليلاته الخاصة له. رفض مثلا التعامل مع المادية التاريخية على أنها فصل من فلسفة أوسع توصف بالمادية الديالكتيكية، وتقوم على البحث عن قوانين مشتركة تتحكم بالطبيعة والمجتمع. إذ اعتبر أن القوانين التى تحكم المجتمع لها موقع معرفى مختلف نوعياً عن تلك التى تحكم الطبيعة. وهذا الموقف لم يكن موقفه من البداية ولكنه أيضا جاء ناتجاً عن مراجعاته الذاتية التى كان يقوم بها باستمرار.

وفى النهاية دعنا نتساءل: هل مقالنا عن سمير أمين هذا دعوة للعودة إلى تبنى أو تطبيق الفكر الاشتراكى وهى التجربة التى فشلت فى العهد الناصرى، بل وفى أماكن أخرى كثيرة من العالم؟ لا، إن المقال مناسبة للدعوة للانفتاح على كل التيارات الفكرية دون ضرورة ارتداء قميص منها، عسى أن نجد فى كل منها ولو خيطاً يلائمنا لننسج من مجموع هذه الخيوط الرداء الذى نريده والذى يحقق رخاءنا ويستجيب لطموحاتنا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق