رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فن أشرف رسلان يثير الفكر ويضىء الروح

سمير غريب

يعيش وحيدا فى مرسمه الصغير الذى هو بيته. لا يسمع سوى صوت الموسيقى من راديو ترانزستور مفتوح أبدا وصدى صوته. يخرج كل صباح ليفطر الإفطار نفسه فى المكان نفسه بلا ملل. اختار الحياة فى مكان ناء يضم عشرات من الفنانين وقليلا من البشر. هو نفسه رسام بشر. إن لم يرسمهم يرسم طبيعة صامتة، أو بيوتا على وشك الكلام، أو واحدا من البشر يتنفس فى بيت صامت.

.........................

يستكشف المصورالرسام أشرف رسلان الموضوعات التقليدية للتصوير والرسم بأسلوبه التعبيرى المتميز الذى يلازمه منذ البداية. تبدو التعبيرية اليوم،ومنذ بضعة عقود، خارج سياق موضة الفن وحركاته المعاصرة التى لا يعيرها بالا. يجد فى التعبيرية عالمه المعاصر حيث لا تغدو شخصياته تقليدا للحياة الحقيقية حتى وإن كانت شخصيات حقيقية. صوره انبثاقات من رؤية ذاتية قوية. كثير من لوحاته لنساء عاريات فى زمن تخشى فيه قاعات العرض من عرضها، وتمنع كليات الفنون فى مصر رسمها بقرار غير مكتوب منذ طغى الفكر المتخلف على جميع مناحى الحياة عندنا.



نساء أشرف رسلان العاريات لا يثرن الحواس. هو لم يرسمهن لهذا. يتمتعن بجودة رقيقة ومتخيلة حتى وإن كن حقيقيات. عريهن ليس مثقلا بالمادة. رسم عارية بغطاء رأس أسود ونظرة سرمدية فى وجه من العصور الوسطي. أى إثارة هنا. إنه فكر وتشكيل. عُرى الجنس للإثارة، بالمناسبة، لا يقتصر على أجساد النساء. تأخذ المرأة إجمالا جل مساحات رسمه فى مقامات متنوعة وحالات وأوضاع مختلفة. تحتاج إلى دراسة خاصة وأنا أكتب فى مساحة محدودة مهما كبرت.

فن رسلان بالأخص، إجمالا، ضد الذهنية المتخلفة. فن يثير الفكر ويضيء الروح ويمتع النفس. عندما انفعل بثورة يناير المجهضة رسم لوحته الفريدة «الفتى يناير» تصور شابا عاريا تماما بمسحة تكعيبية. يبدو مفتول العضلات غير واقعي. تؤكد لا واقعيته ملامح وجهه المحددة بخطوط زرقاء وعينيه الواسعتين المحدقتين فى فراغ. الإطار المحيط برأسه تخرج منه بضع ريشات رأسية. خلفية الفتى كلها من نار الأحمر.شخصية يمكن أن تكون «ميتافيزيقية جزارية»، من عبد الهادى الجزار. فتى رمز لخصت لوحته ذكرى هذه الأيام الاستثنائية.

تجد الميتافيزيقا عند رسلان فى لوحات أخري. ميتافيزيقية وغير واقعية فى آن، حتى لا أقول سريالية. الميتافيزيقا ما وراء الطبيعة، والسريالية ما فوق الواقع. بما وراء الطبيعة ووضعه فوق الواقع. كانت الميتافيزيقية تاريخيا موردا مهما من موارد السريالية. المشكلة عند رسلان وغيره أنه لا يضع اسماء أو أرقاما للوحاته فكيف لآخر أن يتحدث عن لوحة بعينها؟ لذا أضطر أن أكتب أن بعضا من لوحاته تذكرنى بعالم دى كيريكو حيث تبدو شخوصا فى فضاءات بين مبان ضخمة. لكن عمران رسلان مصرى قح حتى شخوصه والهواء المغبر الذى يتنفسون. فى لوحة أخرى ذكرى من بول ديلفو السريالى خاص الطابع.



بدأ الفنان عامه الخمسين منذ شهور بملامح وجهه الحادة المكونة للوحة أخرى من لوحات البشر: وجه طويل وشعر كثيف وعينان حائرتان بين الثاقبة والحالمة. خريج كلية الفنون الجميلة بالزمالك وتلميذ حسن سليمان. ما زال فى شخصيته فلاحا ابن فلاح من قرية كفر سعد البلد من أعمال دمياط. (لا تتوقف دهشتى من تمكنه من زرع سبعة أنواع من أشجار مثمرة فى حديقة متناهية الصغر: 5م4م تقريبا). كيف أحب هذا الصبى ذو الستة اخوة، الذى كان يذهب لحصاد القمح وجنى القطن، الفن وأصر على تعلمه فغادر قريته إلى العاصمة البعيدة؟ ابحث عن المدرسة الابتدائية حيث تعلم تشكيل الطين والرسم بألوان الشمع فظهرت موهبته ووجد من يشجعه. فاز فى نهاية الابتدائية فى مسابقة فسألوه وهو يستلم الجائزة عن مستقبله، فأجاب فورا: فنان.

تعرف الطالب رسلان وهو فى سنة أولى قسم تصوير على الفنان حسن سليمان الذى لم يكن يُدَرّس فى الكلية. عرفه بالصدفة فى مكتبة لينارت بوسط القاهرة فدعاه سليمان لزيارة مرسمه القريب. بدأت علاقة قوية استمرت حتى وفاة سليمان عام 2008 . أتصور أن رسلان تعلم من سليمان بأكثر مما تعلمه فى كليته. لكنه كان واعيا فخرج من عباءة الأستاذ وتفرغ فقط لفنه.


كون الفنان شخصية متميزة فى التصوير المعاصر فى مصر. استوعب أعمال عدد من كبار الفنانين وتابع فى الوقت نفسه مسارا فرديا منمّيا أسلوبا قويا. كتب حسن سليمان أن أعمال رسلان التشخيصية « تتشابه مع أعمال بعض فنانى مدرسة الثلاثينيات الإيطالية من القرن العشرين: كارلو كارا، أوتو روزى وخصوصا فليتشى كازاروتى . من يعلم؟ ربما يكون رسلان لا يعرف شيئا عن هذه المدرسة وربما لم ير أعمالهم، لكن أحيانا يكون الوضع الاجتماعى والصراع الأيديولوجى والعامل الاقتصادى كلها ظروف تنم عن البعض وتجعل أعمال الفنانين فى بلاد مختلفة متشابهة دون أن يعلم بعضهم عن بعض شيئا.. أجل إنه يتشابه معهم فى المعالجة والبحث». راجعت أشرف رسلان فأقر أنه بالفعل لم يكن يعرف هؤلاء الإيطاليين قبل أن يُعرّفه على أعمالهم حسن سليمان فى مرسمه. أنا لم أجد تشابها بين أعمال من ذكرهم سليمان وبين أعمال رسلان إلا فى الجو العام للوحات كازاروتى فقط وليس فى المعالجة عكس ما رأى سليمان. التشابه فى المعالجة يدخل الفنان فى أسلوب فنان آخر إلى حد كبير. أضرب مثلا بتصوير المرأة العاري: معالجة كازاروتى فيها قدر كبير من المادية والحس الجنسى بينما هى عند رسلان أقل مادية ولا جنسية. هناك فروقات أخرى تحتاج إلى دراسة خاصة. أيضا لا تكون للظروف التى ذكرها سليمان دخلا فى تشابه المعالجة والبحث بين الفنانين. هذه الظروف مثلا مختلفة تماما بين كازاروتى وبين رسلان.  

اتجه رسلان إلى التصوير التشخيصى والتمثيلى منذ بداية تعلقه بالفن. فى الوقت الذى راح كثير من الفنانين من جيله وأجيال سابقة ولاحقة إلى اتجاهات الفن المعاصرة المُغرقة فى تجارب جديدة ومضادة فى بعضها لمفهوم اللوحة ذاته. تبدو موضوعات مما يصورها مألوفة، لكنه تمكن من الكشف عن الحالات الداخلية القوية فيها. يُظهِر رسلان التزامًا بالرسم الكلاسيكى عندما يطبق تقنياته على موضوعات تعكس اهتماماته، مع ذلك مشحونة فى كثير من الأحيان وكاشفة. فى كل الأحوال نجد أمثلة ممتازة على كيفية استخدامه للتآلفات والتقنيات الشكلية لخلق بيئة مسرحية لعمله. ليست عنده حكاية يريد ان يفرضها علينا. هو لا يرسم ليحكى أو يصف لنا مشهدا على اللوحة، انما ليؤثر من أول نظرة. كالحب القوي. أو يقتل برصاصة واحدة كالمحترف. هناك فنانون تعبيريون كُثّر ما أن يرسموا لوحة حتى يملأونها بحكايات وموتيفات وربما بحيوانات وطيور حول الشخصية الرئيسية. لا يريدون أن يتركوا اللوحة فى حالها معبرة بنفسها. أشرف يُخَلّص اللوحة فيُلخصها. نجد عنده ما يصفون به نصا رائعا بأنه «ما قل ودل». هناك بلاغة فى التعبير الفني. ما قل ودل عند أشرف لا يقتصر على الموضوع بل يبدو فى العناصر: الخط واللون والمساحة والضوء.. يدخل المشاهد فى نص تشكيلى محكم. يحاول الفنان صراحة فى بعض من أعماله الفنية الأكثر اكتمالا وضع عبء تفسيرها على المشاهد. على الرغم من أن موضوع اللوحة يقدم إطارًا لعرض المشهد، فإنه يدرك أن المشاهدين سيدخلون فى الموضوع مباشرة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق