رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ملابسات الحبكة

عبدالمنعم الباز

يشكل الأدب المحكى شفاهيا بؤرة مركزية للذاكرة والثقافة الجمعية من ناحية، كما انه من ناحية أخرى - وهى التى تهممنا هنا - يتأثر بلا شك بالجماعة التى تتلقى الحكاية ليس فقط من حيث مرجعيتها المعرفية والدينية ولكن ايضا طموحاتها الاقتصادية والاجتماعية ورغباتها الحسية ومزاجها حتى ايقاع اغانيها وطريقتها فى الاحتفال والتجمع والسفر والسهر والنوم.

يمكن إذن أن نقول: إن «نهر الحكى» يمر عبر «تضاريس الجماعة» وإن الراوى الشفاهى خاضع لجمهور اللحظة الذى سيدفع له قليلا من العطايا فى آخر الحكى. وهى عطايا تعتمد ولا شك على درجة شعور ذلك الجمهور بالمتعة، بنفس منطق شباك التذاكر التجارى الذى يحدد الآن مقدار نجومية الممثل وأجره وحجم اعلانات المسلسل المنتظرة وعدد الفضائيات التى ستشتريه.
................................

ومن هنا يمكن القول إن الحكاية انتاج جماعى حتى لو بدأت بخيال فردى. فمقابل الحكايات التى تعيش وتنتقل من جيل إلى جيل عبر الذاكرة الشفاهية ( التى لا تتسع لغير الضرورى) هناك بالتأكيد عشرات من أضعافها قد انزوت وماتت ربما مع أول استهجان معلن من جماعة التلقى. الذى يجعل حكاية ما «قابلة للطفو» فوق مياه الزمن وأخرى تغرق فى بحار ظلمات النسيان هو تلبيتها المستمرة لحالات الرغبة وأيضا قيمتها المعرفية والاخلاقية التى تثمنها الجماعة وهو ما يحدد أيضا امكانات «العبور الثقافى» لجماعات اخرى أحيانا ما تكون حتى معادية لكنها لا تستطيع ان تقاوم إغواء حكايات الآخرين لدرجة أنها قد تدعيها لنفسها بوعى أو دون وعى.

وحتى الأدب المكتوب يمر بالتأكيد عبر «ثقوب الجماعة» التى تحدد درجة انتشاره بدرجة امتصاصها له (قارن درجة ذيوع أدب نجيب محفوظ مع إدوار الخراط مثلا). بالطبع يترك كل ناقل بصمات ولو ضئيلة فى شكل الحكاية النهائى، لكن هذا «الصلصال الحكائى» القديم أكثر إدهاشا من الأهرام نفسها بحيويته ومرونته والأهم من ذلك بصناعته «الموديل الخيالى» (هل أقول «الباترون المرجعى» ) الذى تراه الجماعة لنفسها.وهذا الموديل قد يكون أحيانا مثاليا وأحيانا اخرى ساخرا أو حتى لا أخلاقيا حسب درجة ايمان الجماعة بنفسها ولحظتها الحضارية والمزاجية.

وهكذا يمكن أن نعد الأدب المطبوع الأكثر مبيعا والأفلام الاكثر رواجا استمرارا للحكاية الشعبية ف «أرسين لوبين هو صورة أخرى من على الزيبق وروبين هود ومختلف حكايات الشطار والعيارين فى الثقافات المختلفة. وأفلام الأكشن بكل عنفها هى استمرار لحكايات الفرسان والأبطال (ليست مصادفة مثلا أن يقوم ممثل مثل فريد شوقى بأداء دور عنترة بن شداد فى نفس المرحلة الزمنية التى كان يمثل فيها دور الفتوة الشعبى ).

ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لهذه الأعمال الرائجة ليست فى نجاحها التجارى بقدر ما يعبر عنه هذا النجاح التجارى من «الإيمان الجماعى» السرى أو المعلن بها، بغض النظر عن «الأحكام النقدية الفنية» التى قد تراها متوسطة الجودة أو حتى رديئة.

فقد تكون الأعمال الأكثر نجاحا وانتشارا، أقل فى القيمة الفنية والمعرفية، بل لعلها تكون مضطرة لذلك ليس فقط لالتزامها بالحد الأدنى المعرفى للجمهور (متوسط العمر العقلى لجمهور الفيلم الهوليودى هو 14 عاما فقط).ولكن أيضا لأنها تكاد لا تسعى ل «تغيير تصور الجماعة لنفسها» (سواء كان هذا التصور ايجابيا او سلبيا ) ناهيك عن تغيير قيم الجماعة والثورة عليها (هل يفهمنا هذا جملة ميلان كونديرا الشهيرة «إن اخلاقية الرواية هى بالتحديد فى لا أخلاقيتها» أى ان مصداقيتها تنبع من عدم خضوعها لمنطق الجماعة الأخلاقى).

لكن الجماعة تتغير اخلاقياً وثقافياً ومعرفياً والأهم أنها تتغير بواسطة النماذج الخيالية التى ينتجها الفن بشكل عام (قبل انتخاب باراك أوباما مثلا أول رئيس أسود للولايات المتحدة تولى العديد من السود رئاسة الولايات المتحدة عبر الفيلم الهوليودى، وقبل السماح بتعدد المرشحين للرئاسة فى مصر ظهرت أعمال مسرحية تتصور ذلك) فمن الصعب للغاية أن نغير الواقع قبل تغيير صوره الخيالية المحتملة، ومن هنا فإن كل التجارب والتحققات الادبية مهما تبلغ درجة هامشيتها ضرورية كمراكز الأبحاث الزراعية، حيث قد يفاجئنا نجاح شيء تجريبى تماما - لأنه استجاب لرغبة الجمهور فى التجديد أو لرغبة جمهور حداثى جديد (كالتنوع البيولوجى الضرورى كمخزن للجينات اللازمة لأى طفرة ضرورية) فالمدهش اصلاً فى الظاهرة الانسانية هو عدم منطقيتها أو عدم خضوعها بالكامل للمنطق، منذ آدم الذى كان يعيش فى رغد الجنة لكنه اختار الأكل من الشجرة الوحيدة المحرمة، حتى أبطال الحواديت الذين يفتحون الباب الأربعين الباب الوحيد المحرم رغم أن الأبواب الاخرى خلفها كنوز من الذهب والجواهر.

فسؤال «ماذا لو» الخبيث والفتان والوسواسى يطارد أبدا العقل الانسانى فيصنع دائما سيناريوهات خيالية موازية لواقعه المعيش، أحيانا تكون أفضل وأحيانا تكون كابوسية لكنها تبدو دائما ممكنة، ما دام أبطال الحكاية يتصرفون بنفس منطقنا الانسانى وهنا تبرز قيمة النهاية الساذجة السعيدة الممكنة لنا أيضا (لو أننا فعلنا شيئا ما أو لم نفعل شيئا ما).

فالفن بجميع أنواعه يقدم نوعا من «السياحة المعرفية والوجدانية» التى تسمح للمتلقى بالتحرر اللحظى من قواعد الزمان والمكان ومن هنا ليس مدهشا أن تتزايد الجماهيرية بتزايد العجائبية، كما أن «ادعاء» حدوث الحكاية فى «زمان أو مكان آخر « وهى حيلة ناجحة دائما للتحايل على الرقابة - يسمح بإطلاق رأى الراوى فيما يحدث «هنا الآن «(وتنفيس رغبات المتلقى) عبر التوحد السرى مع شخصيات « ليست من هنا».

لكن منطق ألف ليلة (حيث تستدعى الشخصيات حكايات أخرى لتبرير موقفها الإنسانى) يوضح لنا أننا نختار الحكايات التى نحكيها أو بالأحرى التى نتذكرها كتبرير لاتجاه حركتنا وأن «حكايتنا الشخصية» مصنوعة من حكايات سابقة وربما جاءت فقط لتتم حبكتها وتستفيد منها، وبالتالى فإن بحثنا عن «مستقبل مختلف» هو الذى يحرك بحثنا عن «حكايات جديدة «(هل أقول إننا نحاكى ما نحكيه؟).وإذا كان « النفرى « يقول «قيمة المرء حديث قلبه «فإن من حقنا أن نقول «قيمة كل جماعة حكايات أرواحها»، فكلما اتسع مسرح خيالها وتعددت الأدوار الممكنة للشخصية بخيرها وشرها وبعقلها وحماقاتها وذنوبها تجذرت فى تلك الجماعة، الحالة الانسانية الحقيقية التى تتسع للسلطان والصعلوك والفارس والتاجر والساحر والغول والعنقاء والخل الوفى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق