رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

"الشريدة" لنجيب محفوظ.. القصة والفيلم والمسلسل

د. محمود الضبع

أشرت فى دراسات متعددة عن نجيب محفوظ إلى اتساع عالم القصة القصيرة عنده، فى محاولة للفت الانتباه إلى اتساع العالم السردى فى قصصه بما يجعلها تتجاوز المفهوم الكلاسيكى للقصة، إلى مفهوم العالم الروائى المختزل، إذ ما من قصة يمكن قراءتها له إلا وتفتح الباب أمام عوالم سردية متشابكة، وتحيل إلى أحداث وحكايات عديدة عبر كلمة أو جملة أو إشارة، وهو ما يحترفه محفوظ باقتدار.

ومؤخرا وضعت فصلا كاملا فى كتاب « أزمة النقد وانفتاح النص، نجيب محفوظ والفنون السبعة» بعنوان «قصص محفوظ القصيرة: الفنون واتساع الرؤية» لمحاولة رصد المداخل المتعددة التى يمكن اعتمادها فى تصنيف وقراءة هذه القصص، مثل: التصنيف الموضوعى (تبعا للموضوع القصصى والحكاية المركزية)، والتصنيف الشكلى (تبعا للحجم والمساحة واللغة السردية والأبنية الإيقاعية...إلخ)، والتصنيف البنائى (تبعا لتطور الأبنية السردية فى القصص وموقع الراوى والرؤية)، والتصنيف الجمالى (تبعا لجماليات الفنون ارتباطا بالعصر وامتدادا للمعاصر)، والتصنيف الفكرى (تبعا لهيمنة فلسفة أو تيار فكرى ما عبر مجموعة من القصص قد تنتمى زمانيا لمراحل متباعدة، لكنها تعود فكريا لشبيهاتها من القصص الأخري)، وتصنيفات أخرى قد يطول بها الحصر للوقوف على منجزه القصصى واكتشاف عوالمه، وخروجه بالقصة لأماكن لم يكن لها وجود فى رواياته مثل عالم القرية الذى تمثله قصة «الجبار».

عرضت لنماذج قصصية عديدة للتدليل على هذه المداخل، غير أنى لم أنتبه لقصة «الشريدة» حتى أثير الجدل مؤخرا حول التشابه بينها ومسلسل «طريق» بطولة عابد فهد، ونادين نسيب، وإعداد سلام كسيرى، وإخراج رشا شربتجى.

المسلسل مقتبس من قصة «الشريدة»، وهى القصة الثالثة فى المجموعة الأولى لنجيب محفوظ «همس الجنون»، الصادرة عام 1938م، وإن لم تكن تلك هى المرة الأولى التى يتم فيها اقتباس القصة إلى عمل درامى، فقد تم إنتاجها فى فيلم بذات العنوان (الشريدة) عام 1980م من إخراج أشرف فهمى وسيناريو أحمد صالح، وبطولة نجلاء فتحى ومحمود ياسين ونبيلة عبيد.

القصة حجمها لا يتجاوز 16 صفحة، ولكنها كعادة نجيب محفوظ فى الاختزال والتكثيف، يمكن اعتبارها أحد نماذج اتساع الرؤية والعالم السردى، وهى تحكى قصة «زينب هانم» زوجة اليوزباشى محمد راضى، عندما لجأت إلى جيرانها عدالات هانم وزوجها القاضى بمحكمة طنطا وابنهما الطالب بكلية الزراعة «حسونة» (بطل الحكاية)، هربا من زوجها القاسى، وتقضى فى ضيافتهم عدة أيام تنشأ فيها علاقة إعجاب بينها وحسونة رغم تحذيرات الأم والأب-، ثم ترحل عنهم، وتمر الأيام فينساها، ويتخرج من الجامعة ويعمل موظفا فى مصلحة الزراعة بالإسكندرية، ويقيم فى فندق «ريش» ويتصادف أن تتجاور غرفته مع غرفتها، وتبدأ بينهما علاقة حب محرمة يبدآنها فى فندق جديد، ثم تحكى له مأساتها مع زوجها السكير الذى منحها حريتها وهى على ذمته فى مقابل الحصول على مالها.

وتمضى الأيام فيستيقظ ضميره بين الاستمرار معها أو التخلص من هذا الهم الذى جلبه لنفسه وبخاصة أنه مقبل على الزواج من فتاة فى القاهرة.. ويعود يوما ليجدها قد رحلت عن الفندق دون ترك رسالة تدل على وجهتها... وتستمر الحياة ويتزوج، حتى رآها مرة أخيرة:

» ومضت سنوات لم أرها فيها، ثم رأيتها منذ عهد قريب تساير شابا أنيقا فى ميدان المحطة، ولكنى لا أدرى إن كانت ما تزال تبحث عن الحب والعطف، أم أنها استسلمت إلى القنوط؟!، همس الجنون ص44.

وتنتهى القصة عند هذه الكلمات، ليتناولها بعد ذلك السيناريست أحمد صالح (1980م) ويحولها إلى فيلم «الشريدة» الذى تتغير فيه الأسماء والوظائف، فتتحول «زينب هانم» إلى «ليلى» التى تعمل بالمحاماة، ويتحول زوجها «اليوزباشى محمد راضى» إلى «فتحى» التاجر الثرى الجاهل، الذى تفشل فى تغييره، وينتقل الفيلم لتشبيك حكاية فرعية لها علاقة بحكاية ليلى، عندما تدافع فى المحكمة عن «سهام» التى قتلت زوجها عندما اكتشفت خيانته على الرغم من انتشاله لها من واقع الفقر، وهو الوضع الذى ينطبق تماما على ليلى فى علاقتها بفتحى، مما يجعلها تتبنى القضية وكأنها ستدافع عن نفسها.

ويختفى «حسونة» تماما وإن كانت رمزيته إلى الخيانة تتحول إلى فعل روحى هنا، يتمثل فى خيانة ليلى نفسها لمن انتشلها من الفقر وأحبها وصنع منها محامية ذات شهرة، غير أنها خانته وتسببت فى تحطيمه حتى مات، وإن كان الكثير من مشاهد القصة الأصلية يبقى كما هو فى الفيلم.

أما المسلسل السورى «طريق» إنتاج ( 2018م)، فقد اتخذت فيه القصة مسارا آخر على الرغم من احتفاظه باسم نجيب محفوظ على تتر الحلقات الثلاثين، إذ اقتضت طبيعة العرض هنا أن يتم استثمار إشارات «محفوظ» المكثفة لتوسيعها وبناء حكاياتها، وهو ما أجاده السيناريو تماما، فانتقل بمسرح الأحداث إلى لبنان، وتحولت شخصية «زينب هانم فى القصة، وليلى فى الفيلم» إلى «أميرة» الخريجة الحديثة من كلية الحقوق، والمقيمة مع أسرتها الفقيرة بالقرب من مزرعة رجل الأعمال السورى الثرى «جابر»، مع احتفاظه بصورته فى الفيلم «فتحى الثرى الجاهل»، وتتعرض أميرة للطرد من منزلهم وملحقاته (محطة وقود ومحل)، وعرض المالك على جابر لشرائه، ثم زواجها من جابر وحملها وتخلصها من الجنين.. إلخ.

غير أن المتتبع للأعمال الثلاثة، يستطيع الوقوف على التشابهات بين المسلسل والرواية أكثر منه مع القصة الأصلية، وإن كانت القصة أيضا تظل حاضرة بأفكارها وبعض أحداثها بعد إعادة توظيفها فى سياق دراما المسلسل.

وبعد...

فإن الأجمل فى الأمر أن الأعمال الثلاثة (القصة، الفيلم، المسلسل) تقدم ثلاث حالات إبداعية لكل منها جماله الذى لم ينتقصه أحدهم، ومحاولة المقارنة بينهم هى فقط من باب الكشف عن إبداعية نجيب محفوظ فى صناعته النص الذى يحمل الفكرة الجوهرية (الخيانة) التى تتغير صورها كما حدث فى الأعمال الثلاثة، لكنها تظل فكرة حاضرة فى الممارسات البشرية مع اختلاف القصص والحكايات، وأما المقارنة بين الأداء التمثيلى والإخراج فى الفيلم والمسلسل، فهو أمر لا ينبغى أن يكون، لأن كل عمل منهما كانت له قضاياه الفرعية التى كان يناقشها فى سياقين تاريخيين مختلفين (الثمانينيات والألفية الثالثة) مع الوضع فى الاعتبار تطور تقنيات السينما ومدارس التمثيل ذاتها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق