رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جورج أورويل.. والذكرى 116 لميلاده

هبة عبدالستار

حلت الذكرى 116 لميلاد الكاتب البريطانى جورج أورويل ومازال أحد أبرز كتاب القرن العشرين حاضرا بقوة. فقد سلطت أعماله الضوء على قضايا الوعى بالظلم الاجتماعى، ومعارضة الشمولية والاستبداد والدعم الصريح للديمقراطية الاجتماعية. كان لأعمال أورويل أبلغ الأثرعلى الثقافة الشعبية والسياسية العالمية، حيث أدخل إلى اللغة الإنجليزية مصطلحات جدلية ارتبطت بالعديد من النظريات السياسية مثل «الأخ الأكبر»، «ثقب الذاكرة»، «2+2=5».كما أصبح مصطلح «أورويليان» يستخدم لغويا لتمييز الممارسات الاجتماعية الاستبدادية والشمولية.

وتكريما لإرث أورويل أعلنت مؤسسة جورج أورويل مساء الثلاثاء الماضى عن الفائزين بجوائز أورويل السنوية للكتابة السياسية، والتى يتم إعلانها فى ذكرى ميلاده 25 يونيو من كل عام، وهى تكافئ الكتابة الأقرب إلى تحقيق طموح الكاتب الإنجليزى فى «جعل الكتابة السياسية فناً». وفازت آنا بيرنز بروايتها «بائع الحليب» بجائزة أورويل للخيال السياسى، وفاز بجائزة الكتابة السياسية باتريك رادن كييف بكتابه « لا تقل شيء: قصة حقيقية عن القتل والذكريات فى أيرلندا الشمالية»، وحصد ماكس دالى جائزة أورويل لفضح الشرور الاجتماعية فى بريطانيا عن تحقيقه «وراء خطوط المقاطعة»، فيما فاز الصحفيان ستيف بلومفيلد وسوزان مور بجائزة أورويل للصحافة.. فى هذا الملف نقرأ يوميات أورويل التى تكشف جانبا خفيا وطريفا فى شخصيته جعله ما كان عليه، ونبحث لماذا لا تزال روايته الأبرز «1984» صالحة لكل زمان ومكان برغم مرور سبعين عاما على كتابتها.

---------------------------

يومياته تكشف.. كان لديه هوس بالبستنة وحساب بيض الدجاج!

ربما لم يثر أحد من أدباء العصر الحديث الجدل كما فعل إريك آرثر بليك الشهير بجورج أورويل فالرجل غائب ولكنه حاضر بقوة عالميا خلال فترات زمنية متعاقبة، لذا ليس من الغريب أن يوصف من قبل الكثيرين بكونه كان يكتب أدبا مستبصرا يستشرف من خلاله المستقبل البعيد بدقة قد تثير قلق البعض، بينما اعتبره البعض الآخر كاتبا عمليا واقعيا تعمق فى قراءة ما عاصره وأجاد توقع مآلات المستقبل.ولكن إذا نظرنا إلى يومياته ومذكراته القصيرة التى كتبها ربما نجد مفاجآت كثيرة لم تكن بالحسبان تكشف جوانب خفية من أورويل الإنسان، قد يجدها البعض غريبة مثل هوسه بالبستنة و بإحصاء بيضه وارتداء «القباقيب» ذات النعال الخشبية!

تتناول اليوميات التى حررها بيتر دافيسون، وهو أيضا المحرر الرئيسى لأعمال أورويل الكاملة، رحلات أورويل وأسفاره وملاحظاته وتجربته كعامل مزرعة مهاجر فى عام 1931. ولعل من أهم المذكرات مذكرتان احتفظ بهما أورويل خلال السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية، على خلفية الأحداث المهمة مثل سقوط فرنسا وغارة لندن التى دمرت شقته. كان أورويل يخدم فى الحرس الوطنى الذى كان نوعا من القوات الشعبية ويعمل لدى هيئة الإذاعة البريطانية، طوال الوقت يشكو لنفسه من عدم التنظيم وعدم الكفاءة الذى كان عليه تحمله. ومع ذلك يصف شخصًا مصممًا على الالتزام بروتينه اليومى على الرغم من الهجمات الألمانية.

اعتبر أن المثقفين اليساريين هم سبب الهزيمة بالكامل، ويريدون فقط الاستسلام السريع لهتلر. يرفض الانخراط معهم فى تحليلاتهم حول التنبؤ بالحرب، يقول إن «أشخاصاً من أمثالنا يفهمون الموقف بشكل أفضل من ما يسمى بالخبراء». بالإضافة إلى تلك اليوميات هناك يوميات محلية كتبها خلال فترة إقامته فى المغرب فى الثلاثينيات، وفى جزيرة جوراالاسكتلندية بالقرب من نهاية حياته. هذه تشكل حوالى نصف الكتاب، يقول فيها «خارج عملى، الشيء الذى يهمنى أكثر هو البستنة» لذا تجده يتحدث كثيرا عن الزهور والخضراوات كما استحوذت الحيوانات أيضًا على انتباهه. أورويل يجعلك تشعر بأنه ربما يكون هناك جانب منه يرغب بشدة أن يكون عالما يصب كل اهتمامه على الطبيعة والأحياء. بالإضافة إلى البستنة؛ كان أورويل أيضا يركز على تربية الدواجن، ففى 12 أكتوبر 1938، حصل على 12 دجاجة مغربية وبدأ ينتظر الحصول على بيض منها، ودون مراحل انتظاره وحسابه لعدد البيض الذى جمعه منها فى خمس مقالات خصصها كاملة لحساب البيض! الأمر نفسه تكرر فى جورا حيث كان شغوفا بعد بيضه. كما كان يحب ارتداء «القباقيب».

ويرى البعض أن هذه العادات الطريفة ربما شكلت جانبا كبيرا من منظور أورويل فى انجذابه للحياة والنظر للأمور بطريقة بسيطة وصريحة دون تجميل كما عبر عن نفسه قائلا «سعادتى فى الأشياء الصلبة الثابتة».

كل ذلك ربما شكل الطبيعة العملية للرجل وقدرته على صياغة حلول عملية للقضايا العامة. مثلت الحرب أزمة فكرية له فقد كان اشتراكيًا عسكريًا مقتنعًا بأن الثورة فقط هى التى يمكن أن تصحح بريطانيا. ولكن مع هجوم وتفجيرات الألمان اكتشف أبعادا مختلفة للوطنية فاستمر فى كره الطبقات العليا وظلم الرأسمالية، وواصل الإيمان بضرورة الثورة. بقدر ما كانت الوطنية مساوية للحفاظ على الإمبراطورية البريطانية،التى كان ضدها، كان معنى الوطنية لأورويل هى الأشياء العادية فى حياته مثل العملات المعدنية الثقيلة، وجمع الطوابع، فقد كتب مقالات فى مدح الحانات والكريكيت، والطهو حيث احتفظ بقصاصات من الصحف دون عليها ملاحظاته عن التدبير المنزلى. ولكن يبدو أن عمله فى إذاعة «بى بى سى» ساعده فى صياغة تصوراته الواضحة للدعاية واللغة والسياسة. وهى أمور عبر عنها بشدة فى روايته «1984» كما أوضح من خلالها كيف يميل المواطنون العاديون إلى تجاهل الأحداث السياسية وممارسة حياتهم خلال الحرب، وكيف يمكن للأيديولوجيا السياسية أن تجعل المرء أعمى وأصم وانتقائيا فى تبريره لبعض الأعمال الوحشية.

رغم كونه كان يساريا ومفكرا إلا أنه كان لديه جانبه المظلم. يفاجئ أورويل الجميع بانتقاداته للنسوية ونظرته الدونية للنساء، وعجز المرأة عن فهم السياسة كما يقول: «ليس من المفيد استخدام المحاولة وتشكيل اتحاد، حيث إن حوالى نصف الملتحقين هم من النساء والغجر وهم أغبياء لدرجة أنهم لا يرون ميزة ذلك»، «لقد فوجئت بفهم السيدة (S) للوضع الاقتصادى والأفكار المجردة».

صدر عن دار أقلام عربية للنشر، أخيرا، ترجمة عربية أنجازتها أسماء يس لنصوص منتقاة من يوميات جورج أورويل التى ترصد السنوات الأربع 1938- 1942 تبرز حرص أورويل على تسجيل كل شيء تقع عليه عيناه، وكيف أنه يكتب عن كل شيء إلا نفسه، ويتعامل كما لو كان آلة مراقبة للجميع، متسائلة هل كان عميلاً لجهاز مخابرات؟ ولماذا ذهب إلى إسبانيا؟ ولماذا أقام لفترة فى المغرب؟.. بالتأكيد سيظل جانب كبير من شخصية أورويل لغزا غامضا كما هو الحال مع أدبه وكيف تمكن خلاله من التنبؤ بالمستقبل بتلك الدقة.
---------------------------

«1984».. ســــيرة روايـة

تبرز رواية «1984» كأحد أهم أعمال أورويل وأكثرها شهرة وهى ديستوبيا تكشف معاناة معظم سكان العالم الذين أصبحوا ضحايا لحرب دائمة، محاصرين بين مراقبة حكومية ودعاية لنظام شمولى. واكتسبت الرواية زخما أكثر بعد مرور سبعة عقود على نشرها وارتفعت مبيعاتها بكثرة خلال السنوات الأخيرة فى ظل انتشار الأخبار المزيفة وغياب الحقيقة عن وسائل الإعلام. وبعد سبعين عاما على صدور «1984» لم يعد الأخ الأكبر بالضرورة حكومة شمولية بل اتسعت احتمالات هويته وتشعبه فى واقعنا السياسى والاجتماعى والاقتصادى بل والثقافى أيضا.

.....................................................

يأتى كتاب «وزارة الحقيقة: سيرة رواية 1984 لجورج أورويل» الصادر أخيرا للناقد دوريان لينسكى ليدرس التأثيرات التى شكلت كتابة «1984» من تجارب أورويل فى الحرب الأهلية الإسبانية، ولندن وقت الحرب العالمية وكيف أصبحت الرواية تشكل ظاهرة فريدة بذاتها والطرق المتغيرة والمتجددة التى تمت بها قراءتها على مدى عقود وكيف مازالت صالحة لكل العصور كصرخة تحذير كما فى عصرنا الحالى. أثناء مشاركته فى الحرب الأهلية الإسبانية، كتب أورويل أنه رأى «التاريخ لا يكتب من حيث ما حدث بل بما يجب أن يحدث وفقًا لخطوط حزبية مختلفة.عندما يحدث هذا، فإن عدم اليقين العام بشأن ما يحدث بالفعل يجعل من السهل التمسك بالمعتقدات المجنونة».

فى مقال نشر عام 1945، خلص إلى أن مثل هذه المعتقدات قاتمة: «إن محاولة مواجهتها بالحقائق والإحصائيات أمر عديم الجدوى». تتردد هذه الكلمات التحذيرية فى نص لينسكى. يستكشف الجزء الأول التجارب السياسية والفكرية التى شكلت رؤية أورويل العالمية. هناك اهتمام خاص للأشهر الستة التى أمضاها فى إسبانيا، حيث ذهب لمحاربة الفاشية لكنه واجه نفس القدر من القسوة وخيانة الأمانة لدى الشيوعيين فى تحالفهم مع ستالين فصدم فى اليسار.لذا عاد إلى وطنه كعضو قوى فى اليسار المناهض للشيوعية، عارض بلا هوادة الإمبريالية والفاشية، التزم بفضح الأكاذيب من جميع الأطراف. «بالنسبة لأورويل، كانت الحقيقة مهمة حتى، أو ربما بشكل خاص، عندما كانت غير مريحة»، يكتب لينسكى.

تجاوزت «1984» أبعد من مجرد هجاء الاتحاد السوفيتى لتكوين قضية أوسع وأكثر إثارة للقلق عبر عنها أورويل بشعوره الكابوسى نتيجة اختفاء الحقيقة الموضوعية وهو شعور غلب عليه خلال كتابته للرواية. يبرز لينسكى تأثير الرواية الثقافى فى الخمسينيات من القرن الماضى، عندما كان ينظر إليها بفكرة ضيقة على أنها تحذيرية من الشمولية على النمط السوفيتى، وكيف بدأ تأثيرها يمتد فى الحركة الأدبية العالمية لتخرج روايات أخرى تسير على نفس النهج وتحذر من نفس الشرور مثل رواية مارجريت آتوود «قصة خادمة». يرسم لينسكى تنبؤات أورويل لعالم لا توجد فيه حقيقة موضوعية بمزيج من السخرية السوداوية مبرزا كيف أصبح الكثيرون حاليا يرفضون الحقيقة ويفضلون عليها «الأخبار المزيفة» و»الحقائق البديلة» وكيف تتم إساءة استخدام السلطة، مدللا على ذلك بما يحدث فى الولايات المتحدة الأمريكية منذ فوز الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وكيف قفزت الرواية إلى فئة الأعلى مبيعا، وكذلك ما حدث فى بريطانيا خلال أزمة البريكسيت. كما يعكس كيف يتشابه صدى المفردات التى أدخلتها الرواية للسياسة والثقافة داخل حياتنا بحيث لم يصبح مفهوم «الأخ الأكبر» مقصورا على الحكومات فى ظل التطور التكنولوجى لوسائل الاتصال وهوس جمع البيانات الشخصية واستخدام الإنترنت كأداة للمراقبة وانتهاك الخصوصية. أدى عدم الثقة فى المؤسسات بكثير من الناس إلى البحث عن الحقيقة، لكن كثيرين آخرين اختاروا «الحقائق» الخاصة بهم. بدمج السخرية مع المصداقية، ولكن نمو تكوين الصورة «المزيفة العميقة»، التى توظف تقنيات الذكاء الاصطناعى بحيث لا يمكن كشفها إلا من خلال الخبراء، أدى إلى القدرة على إنشاء متاهة يمكنها - وفقا لتحيز المشاهد- أن تمررالصور المزيفة كما الحقيقية، فى حين يتم رفض تلك الحقيقية ووصمها بالوهمية. هذا الانحسارللحرية الفكرية والحقائق الموضوعية سيؤدى إلى ضرر دائم يفسد القدرة على التفكير بوضوح، ويقوض الثقافة والتقدم. قال أورويل: «لا شيء يكتسب عن طريق تعليم الببغاء كلمة جديدة. ما نحتاجه هو طباعة ما يعتقد المرء أنه صحيح، دون الحاجة إلى الخوف من البلطجة أو الابتزاز من أى جانب».

يرى أورويل أن الفاشيين لا يمكن أن يرتفعوا إلى القمة إلا عندما يفشل الوضع الراهن فى تلبية حاجة المواطنين إلى العدالة والحرية وتقدير الذات، إلا أن انتصار ترامب تطلب عنصراً أكثر أهمية. فقد مر بطريقه إلى البيت الأبيض عبر سياسة «ما بعد الحقيقة» حيث أصبحت الأكاذيب الصارخة «حقائق بديلة» توجد واقعا وهميا مغايرا. ولكن إذا كانت «1984»، كما يقترح لينسكى، هى مقطع فى أغنية شعبية نواصل غناءها، فسوف يتعين علينا أن نستمر فى تحديد ما إذا كانت دعوة إلى العمل أم مجرد لحن مريح ومألوف نحب الاستماع له، مؤكدا أن جوهر الرواية يكمن فى رسالة مفادها «ضرورة الدفاع عن الحقيقة والتمسك بها مهما تكن مؤلمة أو عكس ما نرغب به».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق