رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حفيدة الشيخ محمد رفعت تفتح «صندوق أسراره»: جدى كان يستمع إلى بيتهوفن سرا وتردد قبل أن يقرأ القرآن بالإذاعة

حوار ــ رانيا نور
هناء حسين محمد رفعت

  • بعد اضطهاده أعاده الملك فاروق ورفع آذان المغرب فى رمضان

  • أم كلثوم وعبد الوهاب وزكريا أحمد وليلى مراد كانوا يعشقون تلاوته

 

كان صوته وهو يقرأ القرآن الكريم حكاية تنحنى لها النفوس وكأنه صوت آت من الجنة، إنه الشيخ محمد رفعت الذى شغل موقعا استثنائيا فى دولة المقرئين، وافتتحت الإذاعة المصرية برامجها قبل أكثر من ثمانين عاما على صوته، وكان تأثير تلاوته عابرا للثقافات والديانات.. تفاصيل كثيرة من صندوق أسرار وحكايات الشيخ رفعت، نفتحها الآن فى هذا الحوار مع حفيدته السيدة هناء حسين محمد رفعت.

 

دعينا نبدأ من مرحلة طفولة الشيخ رفعت .. كيف كانت هذه الطفولة؟

حرصت على أن أعرف من والدى كل معلومة تخص جدى، ليس بصفتى حفيدته فقط ولكن لأنى عاشقة لصوته. ولد جدى فى 9 مايو عام 1882 فى حى المغربلين بالقاهرة القديمة. لم يولد كفيفا كما يتصور البعض، وإنما ولد مبصرا وكان طفلا شديد الجمال وفرح به والده الذى كان يعمل تاجرا متواضعا، وقرر أن يطلق عليه اسم محمد تيمنا بسيدنا النبى عليه الصلاة والسلام.

وعندما أتم العامين من عمره أصيب بالرمد مما أدى إلى فقد بصره نهائيا فى إحدى عينيه وضعف البصر فى العين الأخرى، ولكن رُب ضارة نافعة، إذ عندما رآه والده بهذا الشكل أرسله إلى كُتّاب أحد مشايخ المنطقة ليتعلم القرآن ويحفظه، وعندما بلغ من العمر ست سنوات كان بالفعل قد حفظ كتاب الله بأكمله مما ساعده على أن يتجاوز محنة فقد البصر. ولكن القدر أعد له مفاجأة أخرى تمثلت فى وفاة والده وعمره لم يتجاوز تسع سنوات ولم يكن لأسرته أى عائل غيره فبدأ قراءة القرآن فى المآتم وليالى الذكر بمنطقته، وكان كل من يسمع صوته ينبهر من جماله حتى إن المعزين كانوا يرفضون مغادرة العزاء قبل نهايته من جمال صوته ومن هنا ذاع صيته فى جميع أنحاء مصر وأصبح مطلوبا بالاسم نظرا لصغر سنه وقلة أجره وجمال صوته.

هل كان يقرأ القرآن معتمدا على ما درسه فى الكتاب فقط أم أنه تعلم تجويده؟

كان مدركا أن علاقته بالقرآن أكبر من كونه مجرد مقرىء لذا بدأ فى الوقت الذى ذاع صيته فيه أن يتعلم فنون وأسرار القراءات والتلاوة على يد أستاذه الشيخ البغدادى والشيخ السمالوطى وكان الإثنان من كبار العلماء فى تلك الفترة حتى أجاد جميع أنواع القراءات، ولم يكتف بذلك إنما قرر أيضا أن يدرس الموسيقى ويتعلم عزف العود لتهذيب إحساسه ومشاعره، إيمانا منه بأن قراءة القرآن ترتبط بالمشاعر والوجدان ومن هنا جاء حبه للموسيقى، وقد قام فعلا بغناء بعض القصائد فى محطات الإذاعة الأهلية مثل « أراك عصى الدمع « و«حقك أنت المنى».

على ذكر حبه للموسيقى .. فهل حقيقى أنه كان يستمع إليها سرا خوفا من كلام الناس؟

فى البداية لم يكن الأمر كذلك حيث إنه كان يستمع للموسيقى ويعزف العود دون أن يخفى الأمر، وكان من محبى الاستماع للقرآن بصوت زكريا أحمد وأم كلثوم وليلى مراد، حتى قبل أن تشهر إسلامها، أما عبد الوهاب فكان من أقرب المقربين إليه لدرجة أنه كان يجلس تحت قدميه وهو يقرأ القرآن، ومرة سأله عبد العظيم عبد الحق باشا عن سبب بكائه عند الاستماع لصوت الشيخ رفعت، فأجابه بأنه يشعر وكأنه يستمع الى قيثارة السماء. إلى أن عرف أحد الأزهريين أنه يعزف العود ويستمع إلى بيتهوفن وموتسارت وفاجنر فثار وتبنى حملة هجوم عليه بدأها بالكتابة فى مجلة أزهرية: «هل تصدقون يا سادة أن الشيخ الحكيم يستمع إلى الموسيقى» .

وماذا كان رد فعله؟

قرأ الشيخ رفعت الهجوم وضحك ولكنه بعد ذلك شعر أن الأمر ليس مجرد مقال أو هجوم عابر ولكنها حملة مقصودة، فقرر أن يستمع إلى الموسيقى فى السر حتى لا يحرم نفسه من شىء يحبه وفى الوقت نفسه لا يغضب من يتصورون أن الاستماع إلى الموسيقى حرام، خاصة أنه كان رجلا ودودا ورحيما ولديه قدر كبير من سعة الصدر التى تجعله يتفهم طبيعة تلك الأفكار وكان يصعد الى سطح بيته بصحبة عبد الوهاب ليعزف على العود ويستمع إلى الموسيقى العذبة.

وماذا عن علاقته بأم كلثوم؟

كانت تجمعهما علاقة صداقة من نوع خاص، فهى كانت تعشق الاستماع الى القرآن بتلاوته وهو كان يقدر صوتها ويحترم الفن الذى تقدمه وكان فى جلساته الخاصة مع أصدقائه خاصة عبدالوهاب وأم كلثوم وزكريا أحمد يتناول العود ويعزف عليه ببراعة شديدة كما كان يجيد الإنشاد ومدح الرسول عليه الصلاة والسلام.

عمل فى الإذاعات الأهلية فى بداية ثلاثينيات القرن الماضى.. فكيف انتقل الى الإذاعة المصرية؟

فى عام 1925 كان يوجد فى مصر ما يسمى بالإذاعات الأهلية والتى بدأت فيها بعد إنشاء أول إذاعة فى العالم بخمس سنوات وحتى عام 1931 بلغ عدد الإذاعات الأهلية فى مصر 11 إذاعة تبدأ منذ مطلع الشمس وحتى أول الليل، وكانت هذه الإذاعات تتسابق على الفوز بصوت الشيخ رفعت، نظرا لجماله وشهرته التى كانت تجوب كل أنحاء مصر إلا أنه كان يرفض قراءة القرآن فيها، ويبدو أنه كان هناك تربص من الحكومة المصرية والاحتلال البريطانى بتلك الإذاعات حتى تم إلغاؤها فى عام 1934وأنشأت شركة ماركونى الإنجليزية الإذاعة المصرية الأولى وقتها وحاول سعيد باشا لطفى وأظنه كان أول رئيس للإذاعة حاول إقناع الشيخ رفعت بقراءة القرآن فيها إلا أنه رفض أيضا ولكن الباشا لم ييأس وظل يلح عليه فطلب منه أن يمهله أسبوعين قبل أن يعطيه ردا نهائيا وذهب الى أستاذه الشيخ السمالوطى يستفتيه فيما هو معروض عليه معربا عن تحفظه على فكرة القراءة فى الراديو .

وما الذى كان يخيفه من الراديو؟

كان يخشى أن يكون هذا الجهاز موجودا فى مكان غير طاهر وكان يرى أنه لا يجوز أن يقرأ القرآن وهو لا يعلم أين سيوجد هذا الراديو الذى سيخرج منه صوته وقد طمأنه الشيخ السمالوطى بأن قراءة القرآن فى الراديو ليست حراما ولكن حتى بعد فتوى أستاذه لم يطمئن فذهب الى شيخ الأزهر آنذاك وكان محمد الأحمدى الظواهرى ليستفتيه فى أمر القراءة فى الإذاعة فأكد له أنها ليست حراما وأضاف أنه ربما على العكس فقد يكون هذا الراديو وسيلة لسماع كل الدنيا لصوته الجميل الذى ينقل للناس عظمة القرآن ومن هنا اطمأن قلب الشيخ رفعت وكان أول من قرأ ورتل القرآن فى الإذاعة.

وهل صحيح أنه طلب من المذيعين عدم تقديمه بلقب «الأستاذ»؟

نعم فقد كان يتلو القرآن مساء الجمعة والثلاثاء ومن شدة إعجاب الناس بصوته وانبهارهم بتلاوته لقبوه بالأستاذ وبعد أقل من شهر لمع نجمه فى الإذاعة بشكل لفت نظر جميع زملائه حتى إن المذيعين كان يقدمونه بالأستاذ الشيخ محمد رفعت مما أثار حفيظة وغيرة زملائه فطلب عدم تقديمه بهذا اللقب احتراما لمشاعر زملائه.

وماذا حدث بعد أن تم التضييق على الشيخ؟

اشتد غضب الناس من التضييق على الشيخ رفعت، وبعدها أصدر الملك فاروق قرارا بعودة جدى للإذاعة على أن يقرأ القرآن ويرتله ثلاث مرات فى الأسبوع بدلا من مرتين، كما أصدر قرارا بأن يؤذن لصلاة المغرب يوميا فى رمضان، ومن هنا جاء ارتباط الناس الشديد بآذان المغرب فى رمضان بصوت الشيخ رفعت، والذى استمر حتى يومنا هذا، حيث ارتبط رمضان فى وجداننا بصوته الجميل المحبب الى القلوب.

أليس غريبا أنه رغم عذوبة تلاوته فإن تسجيلات القرآن بصوته نادرة وغير متاحة؟

هذا حقيقى للأسف فتسجيلات الشيخ رفعت نادرة جدا ومعظمها تسجيلات منزلية سجلها له زكريا باشا مهران ومحمد بك خميس وهما كانا من مريديه ولكن نظرا لضعف التقنية حينذاك فإن أغلب هذه التسجيلات مشوشة وغير جيدة.

لماذا توقف قراءة القرآن قبل وفاته بفترة؟

بسبب المرض، فذات مرة وهو يقرأ فى عام 1943، شعر بألم وغصة فى صوته واحتباس فى حلقه وحسب ما روى لوالدى أن هذه اللحظة كان أصعب ما مر عليه فى حياته حيث شعر بالانكسار لأول مرة ولكنه حاول أن يكمل قراءة إلا أنه لم يستطع فأحنى رأسه وبكى لأنه شعر أن هذه ستكون آخر مرة يتلو فيها القرآن الكريم ويرتله وهنا انفجر الناس من حوله والذين كانوا يأتون إليه من كل أنحاء البلاد ليستمعوا إلى صوته فى البكاء وعلا نحيب المقرئين الشباب فى المسجد.

وعندما علم الصحفى الكبير بالأهرام آنذاك الأستاذ أحمد الصاوى بالأمر وكان من مريديه قاد حملة تبرعات كبيرة لعلاج الشيخ رفعت لأنه لم يكن حتى يمتلك ثمن العلاج ولكنه رفض التبرعات وطالب بردها إذ كان عفيف النفس وحساسا للغاية ولكن تحت إلحاح الناس قبل أن يعرض نفسه على الأطباء وجاء جراح ألمانى خصيصا من ألمانيا متبرعا لعلاجه وتم تشخيص المرض بأنه ورم سرطانى فى الحنجرة وقرر الأطباء أن الورم تمكن منه بالفعل مما يجعل العلاج مستحيلا وأصبح جدى بلا صوت ولا دخل، فالتف حوله أصدقاؤه وعلى رأسهم عبد الوهاب وحاولوا أن يساعدوه هو وأسرته بالمال ولكنه رفض وفضل أن يبيع أثاث بيته قطعة قطعة حتى يتمكن من تحمل تكاليف العلاج، وإعالة أسرته، وفى يوم 9 مايو 1950 وهو نفس يوم وشهر مولده عام 1882 وتحديدا الساعة الثالثة فجرا استيقظ للصلاة وطلب كوبا من الماء شربه ونادى على أولاده الأربعة ليطمئن عليهم ثم أخذ يردد الحمد لله وراح فى نوم عميق لم يفق منه إلا وهو بين يدي الله سبحانه وتعالى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    عامر
    2019/05/10 03:00
    0-
    0+

    علامة مميزة حبانا الله بهِ
    رحمة الله عليك شيخنا محمد رفعت الصوت الرقيق الرقراق المريح للنفس ..
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق