رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«كريشـندو» محمـود البزاوى

علا الشافعى

  • بدأ مشواره كمقطوعة موسيقية خافتة ثم تعالت فيها أصوات الأوركسترا

 

لا أعرف متى وقع الفتى ابن المحلة وصاحب البشرة السمراء والعينين شديدتى العمق فى غرام الفن إلى أن صار لعبته؟. ليس ذلك فقط بل أصبح يجيد رسم مفرداته المختلفة سواء فى التأليف أو التمثيل.. لكننى أتصوره فى طفولته يقرأ الأدب بنهم ويتخيل أبطال الروايات، ويدخل فى حوارات معهم، وسرعان ما صار مستمعا جيدا للإذاعة يعيش مع أثيرها يحفظ الأصوات، ويقلد بعضها فهو أيضا صاحب صوت رخيم، وصارت الصور الغنائية التى كانت تحفل بها الإذاعة المصرية فى هذا الوقت تشكل جزءا من عالمه، الذى صار ينسج خطواته، واحدة بواحدة فهو ابن مدينة لا يعرف أبناؤها إلا العمل والمثابرة..

صوت المكن وهديره هو جزء من المتعة، تشكل خيوط النسيج ليصنع منتجات متنوعة غاية المتعة، وهذا هو أهم درس تعلمه الفتى محمود مصطفى البزاوى (25 سبتمبر 1963). ولذلك ظل يدور فى فلك فروع مختلفة من الفنون «الشعبية، والكورال، والمسرح»، ليس ذلك فقط بل إنه رفض التعيين بهيئة قصور الثقافة، وفضل العمل برقابة التليفزيون بعد أن فتح باب التقديم عن طريق مسابقة، واستمر البزاوى فى الرقابة لمدة 8 سنوات متواصلة وهناك واصل نهمه بالمعرفة كان يقرأ نصوصا درامية لكبار الكتاب، أسامة أنور عكاشة، ووحيد حامد، ومحسن زايد، ومحمد جلال عبدالقوى، وبمنطق ابن المحلة كان يعى أن تلك الفترة هى فترة «علام»، حيث تعلم كيف يكون بناء النص والشخصية، وكيف يدور الصراع، وكيف تصنع كل شخصية جملتها اللحنية الخاصة. وهنا لا أستطيع أن أمنع نفسى من تصوره وهو يجلس وسط تلك الأعمال ويبدو غارقا فى القراءة وكيف كان يقوم أمام مرآته بتجسيد ما يروق له من شخصيات هذه الأعمال، وكيف كان بعد ذلك يقارن بين طريقته فى الأداء والممثلين والنجوم أصحاب هذه الشخصيات، وأحيانا ما كان يضحك من نفسه ويقول «لسه قدامك كتير يا محمود».

من الهامش إلى الاكتمال

أخيرا جاءته الفرصة من خلال دور صغير فى مسلسل ذئاب الجبل والذى كان يحصل فيه على 45 جنيها يوميا كأجر، ولكن البزاوى لم يكن يعنيه هذا الأجر الزهيد بقدر ما كان مشغولاً بتحقيق الخطوة التالية فى عالم الفن، والتى جاءت عن طريق كتابة السيناريو، وواصل البزاوى بملامحه المميزة كوجه مصرى يحاكى التماثيل الفرعونية فى المعابد، ولم يتوقف عن العمل رغم عدم رضاه عن أدائه فى فيلم «يا ناس ياهوه» مع المخرج عاطف سالم ولا يتردد فى أن يصف أداءه «بأنه كان سيئاً للغاية»، ليس ذلك فقط بل يقول فى حوار صحفى «أتذكر يوم العرض الخاص لفيلم ياناس ياهوه بكيت، وكان أحد زكى بين الحضور، وعندما رآنى قال لى وقتها «دا لا يمنع إنك هايل وهفكرك كمان عشر سنين»، وعندما قابلته بعدها فى فيلم «الهروب»، «قالى أنت قربّت».

يبدو أن كلمة العبقرى أحمد زكى كانت بمثابة تميمة الحظ والتى من بعدها انطلق البزاوى فى مشواره يقدم أدوارا متنوعة ومختلفة بعضها لا يرضى طموحه، ولكنها بمثابة العلامة أيضا والاستعداد لمرحلة النضج الفنى، لذلك يشبه مشواره ألبوما شديد التنوع من الصور أقصد من الشخصيات، لذلك تشعر بأنه صعيدى قرارى فى فيلم الهروب مع عاطف الطيب وأحمد زكى، وهو الفلاح قناوى فى همام فى أمستردام، وفى دور عبدالرحمن الأبنودى فى مسلسل «حليم حكاية شعب»، وغيرها من الأدوار.

لكن محمود البزاوى كان يعرف أنه لم يقدم لحنه الخاص بعد، فهو يعمل فى منظومة لا يتحكم فى كل تفاصيلها، حالفه الحظ بالعمل مع مخرجين كبار مثل عاطف الطيب، ومحمد خان، ولكن لا ذنب له أن ظروف الصناعة تغيرت، وظهرت موجة أخرى بعيدة عن الواقعية الجديدة وهى «هوجة السينما النظيفة» لذلك ظل يلعب أدوارا خفيفة، ولكنه بصبر عشاق النسيج كان يدرك فى قرارة نفسه، أن الوقت لم يحن بعد، وأنه لا يزال يملك الكثير، وأن جراب الحاوى ممتلئ بالكثير من المفاجآت وهو ما تحقق.

أقسى ما يعانى منه الممثل الموهوب هو أن يضطر إلى العمل إما لكسب لقمة عيشه، أو لأنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان مستوى ورق ضعيف» وشخصيات أحادية، ومخرج محدود الموهبة مهما يحاول هو أن يوجد تفاصيل لتلك الشخصية، إلى أن تأتيه شخصية مرسومة بحرفية لها ملفها وقادرة على الفعل ورد الفعل وتحوى الكثير من التحولات والانفعالات سواء الداخلية أو الخارجية، و يعمل هو على تحويلها إلى شخصية حية من لحم ودم وهذا ما تحقق لمحمود البزاوى فى عدة شخصيات منها «عبده الكرف بمسلسل الكيف، والريس صديق فى «جراند أوتيل»، والعميد صلاح الطوخى فى «كلبش» بجزءيه، لتصل المتعة إلى الذروة مع الريس زكريا فى مسلسل «أهو دا اللى صار» للمؤلف عبدالرحيم كمال والمخرج حاتم على حيث تمكن البزاوى من تقديم واحد من أهم أدواره على الإطلاق خصوصا مع ثراء الشخصية والتحولات التى تمر بها، فهو الصعيدى الذى ترك قريته وماضيه خلفه وجاء ليعيش ويعمل خادما فى قصر الهانم، وكيف يحمل فى داخله شخصية تتناقض مع كل الحياة التى يعيشها بين جدران القصر، وهى الشخصية التى منحته أن يصول ويجول فيها ويعزف لحنه حتى وصل إلى «الكريشندو» الخاص به. و»الكريشندو» هو مصطلح موسيقى مسرحى يعنى (الذروة)،

وهو بالأساس المرحلة التى تتعالى فيها الأصوات جميع الاصوات فى الأوركسترا، لتشكل أعلى درجة من الأصوات والتداخل الممكنة بين الآلات.. فهو ذروة الموسيقى على إطلاقها..

وهذا بالضبط ما حدث مع محمود البزاوى فى مشواره الفنى حتى وصل إلى دوره فى «أهو ده اللى صار»، فهو الأب الصعيدى الحنون، والصارم والقاسى فى لحظات، ابن التقاليد وعاشق الربابة (راجع مشاهده فى القصر وكيف كان يخطو وانحناء ظهره ونظرته للهانم، ومشاهده عندما عاد إلى قريته وكيف كان يسير وهو محتضن ربابته، وكيف كان يتجلى عندما يغنى السيرة الهلالية» _ هو الوحيد الذى غنى بصوته فى المسلسل المتميز، موهبة البزاوى الكبيرة والثقيلة فى آن واحد جعلت الكاميرا وكأنها تجرى إليه بهدوء، وهو ما جعله يصل إلى التجلى فى مشهد رحيله البديع..

>> محمود البزاوى شكرا على الإخلاص فى العمل شكرا على المتعة وسحر الأداء. 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق