رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هدية الصين للعالم

حسين إسماعيل ــ خبير في الشئون الصينية

هذا حدث ليس فقط غير مسبوق، وإنما أيضا لم تعرف له البشرية مثيلا على الأقل حتى الآن. معرض الصين الدولي للإستيراد الذي يستمر من الخامس حتى العاشر من هذا الشهر، نوفمبر 2018، أحد تجليات الصين في العصر الجديد الذي يقوده الرئيس شي جين بينج؛ العصر الذي تريده الصين لنفسها وللعالم عصرا من الانفتاح والمنفعة المتبادلة وتقاسم ثمار التنمية في مجتمع المصير المشترك للبشرية.

اللافت أنه في وقت تنسحب فيه قوى دولية كبرى من المسرح العالمي وتنتهج سياسات انعزالية وتتنامى فيها توجهات شعبوية وتتعاظم النزعة الأحادية والحمائية التجارية، نجد الصين التي يقودها الحزب الشيوعي، تدعو كافة دول ومناطق العالم إليها لتعرض ما لديها من منتجات سلعية وخدمية وسياحية وغيرها أمام المستهلك الصيني ليختار منها ما يناسبه. الصينيون مستعدون لدفع أموالهم مقابل الحصول على سلع وخدمات متميزة!

لا غرو أن الصينيين استفادوا من العولمة الاقتصادية والتجارة الحرة والتجارة المتعددة الأطراف، ولكنهم أيضا قدموا مساهمات جمة للتنمية في العالم ولرفاه سكان المعمورة. الرئيس الصيني شي جين بينج أعلن ذلك بوضوح في كلمته أمام منتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في عام 2017، قائلا: «لم تستفد الصين من العولمة الاقتصادية فحسب، وإنما أيضا ساهمت في ذلك. لقد كان النمو السريع في الصين محركا قويا ومستداما للاستقرار والتوسع الاقتصادي العالمي.» وأشار السيد شي إلى أن الصين قدمت أكثر المساعدات الخارجية قيمتها أكثر من أربعمائة مليار يوان (الدولار الأمريكي يساوي 6,9 يوانات) بين عامي 1950 و2016، واجتذبت أكثر من 1,7 تريليون دولار أمريكي من الاستثمار الأجنبي، واستفادت من استثمارات أجنبية مباشرة قيمتها أكثر من 1,2 تريليون دولار أمريكي منذ إطلاق الإصلاحات الاقتصادية في نهاية عام 1978. وبيانات البنك الدولي تقول إن مساهمة الصين في نمو الاقتصاد العالمي خلال الفترة من عام 2013 حتى عام 2017، فاقت 30%، متجاوزة أي بلد آخر.

الصين لاعب كبير في التجارة العالمية، ففي عام 2017، كان نصيبها من الصادرات العالمية حوالي 12,8% بينما يبلغ نصيبها من الواردات العالمية 10,2%. وحسب بيانات مصلحة الجمارك الصينية فإن الصادرات الصينية زادت بنسبة 12,8% على أساس سنوي لتصل إلى إلى 1,17 تريليون دولار أمريكي بينما ارتفعت وارداتها بنسبة 19,9% لتصل إلى 1,3 تريليون دولار أمريكي في الأشهر الستة الأولى من عام 2018.

إن الصين، بعدد سكانها الذي يقترب من مليار وأربعمائة مليون نسمة، يمثلون خُمس سكان العالم تقريبا، سوق تسيل لها لعاب أي منتج، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار تعاظم القوة الشرائية للصينيين بفضل النمو السريع للاقتصاد الصيني خلال الأربعين عاما الفائتة منذ تبني سياسة الإصلاح والانفتاح. الأمر لا يقتصر على التجارة السلعية، وإنما يشمل أيضا قطاع السياحة الذي يعتبر عماد اقتصاد دول عديدة. وفقا لبيانات منظمة السياحة العالمية، الصين حاليا أكبر سوق مصدرة للسياحة الخارجية. وقد أنفق المسافرون الصينيون خلال رحلاتهم في الخارج في عام 2016 أكثر من مائتي مليار دولار أمريكي.

الصين تفتح أسواقها بوتيرة أسرع من أي بلد آخر في العالم، وقد تعهدت بخفض التعريفة الجمركية على جملة واسعة من المنتجات، ومنها السيارات والسلع الاستهلاكية الفاخرة ومنتجات الرعاية الصحية. والصين وهي تعيد هيكلة اقتصادها، ستستورد المزيد من المنتجات والخدمات ذات التقنية العالية في السنوات المقبلة، وتحديدا في قطاعات تكنولوجيا المعلومات، والتصنيع الذكي، والفضاء، والتكنولوجيا الحيوية والمعدات والتقنيات المتطورة لتوفير الطاقة وخفض الانبعاثات والطاقة النظيفة. وكانت الحكومة الصينية أعلنت في نوفمبر 2017 ، أنها ستخفض التعريفات على 187 منتجا استهلاكيا، والتي، كما قالت وزارة المالية الصينية، تعاني من نقص في المعروض منها محليا، «من أجل دعم وتحسين الإمدادات المحلية».

وحسب بيانات وزارة التجارة الصينية، وقعت بكين على خمس عشرة اتفاقية للتجارة الحرة، تلتزم الصين بموجبها بإعفاء حوالي ثمانية آلاف منتج من ثلاث وعشرين دولة ومنطقة من الرسوم الجمركية. وفي السنوات الخمس المقبلة، ستستورد الصين منتجات وخدمات تتجاوز قيمتها عشرة تريليونات دولار أمريكي.

معرض الصين الدولي للإستيراد، الذي تشارك فيه شركات ليس من الدول المتقدمة فحسب، وإنما أيضا من الدول النامية والأقل نموا، يظهر تصميم الصين على الانفتاح في الوقت الذي تلقي فيه الحمائية العالمية بظلالها على التجارة الدولية، ويشير إلى تغيير سياسة الصين من الاعتماد المفرط على الصادرات إلى تبني بنية تجارية أكثر توازنا. فالصين التي كانت تشدد على الصادرات من أجل ضمان احتياطيي النقد الأجنبي، الآن وبما لديها من احتياطي نقدي هو الأكبر في العالم، تحاول تبني هيكل تجاري أكثر توازنا، مما يعني أن الواردات يجب أن تتطور بسرعة أيضا. وفي ظل النزاع التجاري الصيني- الأمريكي حاليا، فإن هذا المعرض يساعد الشركات الصينية على إيجاد شركاء تجاريين لاستبدال الشركات الأمريكية في حالة تدهور النزاع أكثر.

أما مدينة شانغهاي، التي تستضيف المعرض، فإن هذا الحدث مناسبة نادرة لها لعرض ثقافتها وسحرها أمام العالم، فضلا عن تحقيق أرباح هائلة من استضافة أكثر من ثلاثمائة ألف فرد من الصينيين والأجانب خلال فترة المعرض. ويكفي أن نشير إلى أن أكثر من عشرين علامة تجارية للوجبات الخفيفة في شانغهاي تقيم منافذ بيع لها في مطعم مساحته 2200 متر مربع بمركز المعارض والمؤتمرات المقام فيه المعرض، تقدم فيه يوميا حوالي عشرين ألف وجبة. هذا إضافة إلى العروض والفعاليات المختلفة التي تبرز ثقافة شانغهاي المتميزة، والتي من شأنها أن تزيد التدفق السياحي للمدينة في المستقبل.

معرض الصين الدولي للإستيراد يؤكد التزام بكين بالعولمة، وهو ما أشار إليه الرئيس شي في دافوس، حيث قال: «ينبغي أن نلتزم بتنمية اقتصاد عالمي مفتوح لتقاسم الفرص والاهتمامات من خلال الانفتاح وتحقيق نتائج الفوز. يجب ألا يتراجع المرء فقط إلى المرفأ عند مواجهة عاصفة، لأن هذا لن يصل بنا إلى الشاطئ الآخر من المحيط.» وبالطبع لا يمكن التعاطي مع معرض الصين الدولي للإستيراد بمعزل عن الإطار العام للسياسة الصينية وعن مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقتها بكين قبل خمس سنوات وتوجهها إلى التحول من النمو العالي السرعة إلى التنمية العالية الجودة، ودعوتها إلى مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق