رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكايتى مع كارلا

محمد بركة

لا أعرف ما الذى كان يدور بخلد الأقدار و هى تضع لمساتها الأخيرة على ذلك المخلوق الذى سيُعرف لاحقاً باسم كارلا. أسبح مع سمكات النوم قليلاً بعد أن قضينا ليلة أمس ننتظر شروق الشمس فى أوستيا القديمة، على بعد ساعة من روما، فتهزنى أناملها التى قُدّت من بلور:

- كيف تنام و هى تمطر؟

و تحت المطر الذى يتساقط عنيفاً و كأن شيئاً ما أغضبه، نركض مثل مجاذيب السيدة و أولياء سيدنا الحسين دون مظلة فى الحوارى الضيقة ذات البلاط الأسود و المبانى العتيقة المتلاصقة لعاصمة حكمت يوماً ما ثلاثة أرباع الكرة الأرضية. نعود إلى البيت و ما إن نعلق الجاكيت الواقى من المطر على المشجب الخشبى المنقوش بالورود و الغزلان فى مدخل الشقة، حتى تهتف:

- ليس من المعتاد أن تمطر فى هذا التوقيت، لكنها ترحب فيما يبدو بحبيبى القادم من بروكسل الشابة إلى مدينتى العجوز.

و كان لابد من الاحتفال بهذه المناسبة.

ومثل كل مرة، لا يكون للاحتفال سوى معنى واحد لديها: كأس من الجنون يتم ارتشافه حتى آخر قطرة بتمهل و صبر يليقان براهب بوذى بلغ التسعين من العمر فوق مرتفعات التبت.

أتجاهل إزعاج سيارة جمع القمامة التى تقتحم عليّ نومى عبر النافذة الخشبية المطلة مباشرة على الشارع و أعود ثانية إلى النعاس فتوقظنى شفاهها و هى تشق مجرى جديداً عبر عنقى. أفتح عينى، فإذا بها قد انتصبت واقفة مثل أمين شرطة فى يومه الأول من الخدمة بمرور

القاهرة:

- هل أنت مستعد لمشروب الصباح؟

و تشير إلى مشروب ضخم بيدها يحتوى على سائل أصفر يشبه شوربة العدس لكن مرارته، مثل طيب الذكر زيت الخروع، لا تُحتمل:

- يجب أن تنهى كوبك كاملاً و تكف عن التذمر من مذاقه كالأطفال.

و لا تمل من تكرار فوائده لى، فهو يبدو مجرد كوب من الماء الدافئ لكن مع هذا المزيد المدهش من الكركم و الجنزبيل مع قليل من الحليب تحصل على خلطة سرية تقيك من جميع الأمراض بداية من نزلة البرد حتى السرطان.

- دعى هذا الكلام لشخص آخر لا يدخن علبتى سجائر كاملتين فى اليوم الواحد!

- كان.. كن دقيقاً من فضلك.. كان يدخن.. و بفضل حبيبى..

و انحنت تحت قدمى و هى تحتضن خدى:

- أصبحتُ أدخن ربع الكمية و لا أدفع سوى عُشر التكلفة منذ أن عرفتنى على دنيا التبغ السائب وورق البفرة.

كانت تشعر بالامتنان لأبسط الأشياء التى تصدر عنى، و لا تتوقف عن الحديث عنها بزهو لأصدقائها:

- ميكى اشترى لى تبغ وايت درم الانجليزى مع ورق بفرة و فلتر من نوع خاص.إنه طبيعى أكثر و أخف ضرراً بالتالى، كما أن استهلاكك منه أقل كثيراً بطبيعة الحال مقارنة بالسيجارة العادية التى لا تتطلب إعداداً..

- لم أعد أذهب إلى الجيمانزيوم كثيراً منذ أن أقنعنى ميكى بفوائد الجرى الطبيعى فى الشوارع و الحدائق العامة.

- إنها حقيبة يد مصنوعة يدوياً بنسبة 100% من ورق البردى اشتراها لى ميكى من مصر..

كانت تلح دائماً على الإشارة لى، أنا الذى تعبت من الالتزام و لم أعد أعرف معنى للانتماء، باعتبارى مكوناً أساسياً من مكونات وجودها.

حاولت مراراً أن أقنعها أننى مجرد موجة أخرى ستتحطم عما قريب على الشاطئ و أنها لا يمكن أن تتعلق بشبح عابر، لكنى توقفت عن محاولاتى حين لاحظت أنها لا تزيدها إلا عنداً و إصراراً على إثبات العكس.

كانت تعتنى بى مثل أم عملية لا تغفر لطفلها أى خطأ. لا تكتفى بأن ترينى مرة واحدة كيفية تنظيف الأسنان بمسحوق البيكربونات باستخدام تلك الأعواد الزرقاء الرفيعة، بل تفعل ذلك يومياً بصرامة ممرضة ألمانية لا تتهاون مع أعذار مرضى فى مرحلة النقاهة.

- قريباً تحصل على ابتسامة هوليوود!

تقلم أظافرى. تتفانى فى نحتها بالمبرد.ترقب نمو خصلات شعرى لإزالة ما طال عن اللازم أولاً بأول. تفاجئنى و أنا أتهيأ للاستحمام لتغرقنى فى وابل من الكريمات و الشامبوهات و السوائل التى لا أعرف لها أولَ من آخر.

فى المساء الملون بسحب بنفسجية تشبه جنون بيكاسو، تفتح الصندوق الخلفى لدراجتها النارية الحمراء «موتورينو» وتلبسنى بيديها الخوذة المخصصة للراكب المرافق للسائق قبل أن ترتدى خوذتها. لقد حان وقت ما كانت تسميه «مرحا» و لا أراه سوى بروفة انتحار.تنطلق فى طرقات ضيقة مبلطة تنحدر فجأة بحدة فأصرخ مرتعباً بينما تصرخ منتشية و هى تقلد قطتها السوداء ذات العيون الصفراء المخيفة:

- مياوا

أرجوها أن تهدئ من سرعتها قليلاً و هى تحلق مثل نسر غاضب بين السيارات التى لا تكف عن سب قادتها، فتقول انه يجب عليّ ألا اقلق و أنه يكفى أن التصق بها أكثر حتى نحافظ على توازننا. تدخل فى سباقات تلقائية مع أى شاب يمتلك «موتورينو» أكبر حجماً و يظن أن بمقدوره تجاوزها و لا يهدأ لها بال حتى تتفوق عليه بمسافة واضحة

- الآن يمكنه أن يبكى على صدر أمه..

من بين أصدقائها المصورون و التشكيليون و الموسيقيون، تختار الصحبة التى تضمن بينها الحد الأدنى من التكلم بالانجليزية «حتى لا تشعر بالغربة».

ولأن ذلك لم يكن متاحاً طوال الوقت، تلتفت إليّ باستمرار لتترجم مضمون ما يقال و تتأكد أننى لم أشعر بالملل.

حاولت أن أقنعها بأن ذلك يفسد لقاءاتنا بالآخرين و يحولها إلى مؤتمر صحفى على طريقة الجامعة العربية.

لم تفهم أبداً أنى أجيد متابعة لغة العيون و قراءة الملامح و الاستمتاع بالموسيقى الراقصة على ضفاف الكلمات الايطالية خاصة أننى بالنهاية ضيف لن يمكث أكثر من أسبوع آخر.

لم تدرك أننى لا أريد أن أكون عبئاً و أن الغربة الحقيقية تكمن فى الترجمة المستمرة التى تذكّر الآخرين أن هناك غريباً يتوسطهم بحاجة مثل الرضيع إلى شىء يسد رمقه طوال الوقت. و حتى لا أعطى انطباعاً كاذباً بأن كل شىء بخلاف ذلك كان على ما يرام، أعترف بأن مساحات التوافق كانت تنكمش بيننا كثيراً و لأسباب أخرى. يكفى أن تطول قليلاً مكالمتى مع أم ابنتى فى القاهرة أو تلمح أيقونة عاطفية تفاعلت بها صديقة افتراضية مع بوست نشرته أو مداعبة ضاحكة أنهيت بها استفسارى مع بائعة فى محل للأثاث القديم.

تنفجر مثل فوهة بركان «ستروبولى» الذى نخطط لزيارته الصيف القادم بجنوب ايطاليا.

تحطم كل ما يقع تحت يدها، و من فمها الصغير المنحوت برهافة الكريستال تنطلق مثل الخناجر الصينية فى فيلم «النمر الرابض والتنين الخفى» أكثر الكلمات جموحاً و قد استوت فى فرن الغضب الرومانى الأصيل: كاتسو، استرنسو، فان كولو

- طليقتك تتخذ من ابنتك حجة للتواصل معك بهدف رجوعها إليك فى نهاية المطاف، أليست هى من أعدت عشاء رومانسياً على شرف زيارتك لهما فى البيت؟

خطيئتى القديمة المتجددة: نسيان أنك حين تتحدث بصراحة و دون حذر مع امرأة عن امرأة أخرى فأنت تحفر قبرك بيديك. تتوقف عن مناداتى باسم التدليل «ميكى» لأصبح فقط «مكاوى» فأعرف أن غضبها بلغ هذه المرة مبلغه.

أتدخل سريعاً لإطفاء ما يمكن إطفاؤه من النيران المشتعلة قبل أن تحطم ما تبقى من أطباق تراكمت بحوض المطبخ من عشاء أمس.أحتضنها بقوة دون النطق بكلمة واحدة فتستكين على الفور مثل عصفور مبتل يرتجف:

- هل تعدنى ألا تتركنى أبداً؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق