رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ابن رشد .. فيلسوف بعمامة الفقيه

خالد عميرة

حين يسود النقل على إعمال الفكر، ويتحول العقل إلى مخزن للأحكام بدلا من أن يصبح معملا للأفكار، يسيطر الجهل والاحتماء بالنصوص بعيدا عن سياقاتها ويخفت صوت الحكمة، ويعلو صوت القنابل على صوت صرير الأقلام، وينقلب المنطق ليصبح التطرف .. اقتفاء لسيرة السلف الصالح، والإرهاب .. نصرة لدين الحق، والرصاصة فى صدور الأطفال والنساء وأبناء الوطن الواحد.. جهاد فى سبيل الله، وهنا تبرز الحاجة لاستدعاء أهل العقل والفكر والحكمة، لا بقصد اجترار سيرتهم ولكن للبحث فى أفكارهم وطروحاتهم مدارسة ونقدا، مع مراعاة اختلاف الزمان والمكان والأحوال، ذلك إن كنا نسعى حقا لبناء إنسان عربى واع، يواكب متطلبات عصره دون أن يخل بالتزاماته الروحية، وهنا يطل بالضرورة اسم أبى الوليد ابن رشد (1126 – 1198م)، أحد أهم العلامات فى تاريخ الفلسفة الإسلامية، ليصبح استدعاؤه (الآن) أكثر إلحاحا عما مضى، خصوصا فى ظل أفكار وأوهام تم ربطها بالوحى دون سند من نص أو عقل، أنتجت لنا فى النهاية نفوسا مريضة وقلوبا حجرية خربة وعقولا شائهة طلعها كأنه رؤوس الشياطين.

...........................

لقد رحل ابن رشد منذ ثمانمائة عام أو يزيد لكن بقى أثره، ليثير العقل ويثريه فى أوروبا، بينما يشعل الخلاف فى الشرق بين أعدائه من «المكفراتية» ومريديه ودراويشه من مفكرى الصالونات، ومن غير أبى الوليد يستحق هذا البقاء والحضور الذى يتجاوز الزمن، وهو الذى لم يحظ فيلسوف إسلامى سواه بما حظى به من مكانة ودراسة واهتمام وشهرة على المستويين العربى والغربى، حتى أصبح له مدرسته الفلسفية الخاصة والتى عرفت باسم «الرشدية»، وحتى تم ربطه بأرسطو فى ثنائية لا تكاد تنفصم، «فالطبيعة تفسر بأرسطو، وأرسطو يفسر بابن رشد»، وأصبحت فلسفته وشروحه لأرسطو ضمن ما يدرس فى الجامعات والمعاهد الأوروبية، وقد بلغ ابن رشد هذه المكانة فى تاريخ الفلسفة العالمية نتيجة إسهاماته الفلسفية الخاصة، إضافة لدوره كأحد الشارحين المهمين لأرسطو.

لكن أعداء ابن رشد تعصبوا فى نقده ونقضه، وتقولوا عليه أشياء لم يقلها، وكان على رأسهم أبو حامد الغزالى الذى هاجم الفلسفة والفلاسفة، وخص ابن رشد بنصيب وافر من هذا الهجوم، خصوصا فى كتابه الشهير «تهافت الفلاسفة»، وتحالف الفقهاء والوشاة وخدم السلطان على ابن رشد حتى نال «الغضب السامى»، فتم نفيه إلى «اليسانة»، وحرقت كتبه بأمر الخليفة، تحت دعاوى الزندقة والخروج من الملة والتشكيك فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وغيرها من التهم سابقة التجهيز التى تدغدغ مشاعر العوام وتخدرهم بوهم نصر زائف على «أعداء الدين».

لكن القارئ لكتابات أبى الوليد يتعجب لهذا الهجوم وتلك الاتهامات، وهو الذى سخر معظم كتاباته – بعيدا عن شروح أرسطو – لعقلنة الإيمان، أو لتأكيد ما بين الفلسفة والشريعة من الاتصال، حتى قال عنه ابن تيمية: «ابن رشد أقرب من تفلسف من أهل الإسلام إلى الإسلام»، وهو المعنى الذى أكده عباس العقاد، وسلفادور جوميز نوجاليس أستاذ الفلسفة بالمعهد الأسبانى العربى بجامعة مدريد، الذى قال: «ابن رشد مسلم أصيل حاول أن يتعمق فى مدلولات الوحى القرآنى من أجل طمأنة أهل دينه فى المعضلات التى يمكن أن يطرحها العقل أو رجال الديانات الأخرى، وهو دائما يشفع براهينه العقلية بآيات من القرآن فى تأكيد على المعنى الذى يريد».

وكما تطرف أعداء ابن رشد ضده وهاجموا أفكاره، تطرف مريدو الرجل وأنصاره فى محبته وتقولوا عليه هم أيضا ما لم يقله ، حتى نصّبه بعضهم رسولا للعقلانية والفكر الحر بل وصانع نهضة أوربا الحديثة إذا لزم الأمر، و «الفيلسوف العملاق» حسب وصف د.عاطف العراقى، ولعل هذا اللبس أو الالتباس حول شيطنة ابن رشد من جانب أعدائه أو ترسيمه رسولا للتنوير من جانب محبيه هو ما دفع الباحث الشاب مدحت صفوت للبحث الموضوعى والمتجرد فى فكر أبى الوليد، من خلال دراسته التى قدم بها كتاب ابن رشد المهم «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، والتى عنونها: «صوت الغزالى وقرطاس ابن رشد»، وحاول الباحث أن يتناول فكر الرجل دون فصله عن الإطار الزمانى والمكانى والسياق التاريخى الذى نشأ فكر ابن رشد فى كنفه بالقرن السادس الهجرى، حيث يرى صفوت أن الحاجة الرئيسية الآن هى محاولة الفهم المتجرد لرؤية ابن رشد وفلسفته، ثم نقدهما أو حتى نقضهما لتكوين رؤية راهنة تكون ابنة للسياق الحضارى والثقافى الحالى.

وفى إطار بحثه وتفكيكه لفكرة التعصب للتراث والسلف «دينيا» أو «عقلانيا»، يكتشف صفوت أنه كما يقدس الأصوليون «ابن تيميه» وفتاويه الكبرى، يقدس بعض التنويريين ودعاة الحداثة «ابن رشد» و«تهافت التهافت» ، وهذا ما يدفعه لتوجيه سهامه إلى عدد من المفكرين السابقين الذين قضوا أغلب سنوات عمرهم فى دراسة فيلسوف قرطبة وفلسفته، فهاجم عاطف العراقى بلغة حادة نسبيا واعتبر خطابه «ملئ بالحواشى» و«لغته مقفلة وانفعالية وغير علمية»، كما هاجم مراد وهبة واعتبر أغلب حواراته وأحاديثه عن العلمانية والتعددية «فشنك»، ولم ينج من سهام الباحث كذلك محمد عابد الجابرى فرأى أنه يتخذ من التراث الرشدى «مطية أيدلوجية يمرر من خلالها تصورات غربية ومنتج فكرى واجتماعى أوروبى».

ورغم قسوة عبارات الباحث أحيانا إلا أن جدية البحث ومنهجيته تشفع له الكثير ، كما أن البحث يتفرد برصده لتلك العلاقة الشبحية التى تربط بين الإمام أبى حامد الغزالى والفيلسوف ابن رشد، فالغزالى حاضر فى تساؤلات فيلسوف قرطبة الكبير، حاضر فى خطابه، حاضر فى فلسفته، حاضر فى فكرة الكهنوتية التى لا تتيح للعوام النظر فى أمور الدين (عند الغزالى)، أو فى أمور الفكر والحكمة (عند ابن رشد)، فكليهما يمارس الوصاية بشكل ما على الجمهور، ويخلص الباحث فى النهاية إلى أن شبح الإمام الغزالى ظل يطاردأبا الوليد ويسكن المؤلفات الرشدية ويضع مسارات نقاشاتها ، وفى النهاية مات كلاهما، مات ابن رشد بعد أن تقلصت مساحات نفوذه فى إطلاق الفكر (ولو نسبيا)، ودون أن نقبض من أثره ولو قبضة يسيرة، ومات الغزالى لكن بقيت أفكاره واقعا معاشا يحاصرنا فى كل لحظة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق