رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل تحتفى «أوبرا عايدة» بالخيانة؟

كل الذين اشتركوا فى «أوبرا عايدة» ليسوا مصريين، الذى اختار القصة من التاريخ الفرعونى وكتبها، «أوجِست ميريت باشا» فرنسى الجنسية وكان مديرا للآثار المصرية، وأرسلها إلى الشاعر الفرنسى «كميل دى لوكل» الذى نظمها شعرا بالفرنسية، ثم أرسلها للشاعر الإيطالى «جيزلنزونى» ليصوغها شعرا غنائيا بالإيطالية، وقدمها للموسيقار الإيطالى «جوزيبى فيردى» الذى ألف موسيقاها، وأخذ من الخديو إسماعيل مائة وخمسين ألف فرنك ذهبى كأجر عليها.

كان حلم الخديو إبهار ضيوفه فى حفل افتتاح قناة السويس الأسطورى فى1869، لذا قرر تكليف «ميريت باشا» بكتابة الأوبرا خصيصا للافتتاح، لتظل لصيقة باسمه، فوجد ميريت قصة «راداميس- عايدة»، من التراث المصرى الفرعونى، وهى تصلح لأن تكون أول أوبرا فى الشرق، وتتمتع بالحبكة الفنية، والرومانسية، بغض النظر عن مدلولها المهين لمصر.

ولو أن مصريا واحدا شارك فى صناعة الأوبرا لرفضها، لأنها ببساطة ليست وطنية. وقد ظللنا نتعامل معها وكأنها من تراثنا الفنى الحديث، وباعتبارها آية فنية رائدة نحتفى بها فى المناسبات.

لم يفكر أحد فى البعد الوطنى لها مع أنها تحتفى بعدونا، وتحتفى بقائد الجيش المصرى الذى خان وطنه، وأفشى أسرارا لا ينبغى له البوح بها، وحين اكتشف أمره، وتمت محاكمته، مُنح فرصة للتطهر من خيانته، ومن حبه للجاسوسة «عايدة»، لكنه تمسك أكثر بالخيانة، ورفض ترك الجاسوسة، مفضلا أن يموت على حبها.

الذين شاركوا فى العمل كانوا يبحثون عن قصة حب، وربما لم يكن يعنيهم البعد الوطنى على الإطلاق، فجذبتهم شخصية «راداميس»، العاشق الذى ربما ذكرهم بشخصية «روميو» الذى آثر الموت مع حبيبته «جولييت»، وفات عليهم أن حب المصريين لوطنهم لا يفوقه حب آخر، ولا يمكن أن يعتبروا الخائن بطلا، لأن حبيبته ببساطة مجرد جاسوسة، استغلها أبوها ملك الحبشة، منتهزا فرصة تعلق «راداميس» بها وهو قائد جند الفرعون، ليعرف منه خطته الحربية التى يبوح بها بكل سهولة. وترد الأنباء إلى القصر الملكى فى ممفيس بأن ثمّة تحركات فى الحبشة تهدد وادى النيل، فيقرر فرعون إرسال جيش لمحاربتها، ويختار لقيادته «راداميس» كبير قادته. وكانت فى بلاط الحكم آنذاك فتاة حبشية سوداء اسمها «عايدة» تعمل وصيفة للأميرة «أمنيريس» بنت فرعون، ولا أحد يعرف أنها ابنة ملك الحبشة، حتى «راداميس»، وكان قد وقع فى أحابيلها، ويزورها فى غفلة من الحرس.

ويخرج «راداميس» لحرب الحبشة على رأس جيشه، ويعود منتصرا، فيفرح فرعون ووزيره والكهنة، ويعم الفرح البلاد كلها، ويقرر فرعون أن يكافىء البطل المنتصر فيعينه قائدا للجيش المصرى، ويزوجه ابنته الأميرة «أمنيريس»، التى سرعان ما تشك فى زوجها، وفى علاقته بوصيفتها السوداء، فينكر أول الأمر، ثم يقر بحبه لها، وتتصاعد الأحداث عندما تأتى الأخبار بأن ملك الحبشة يقود جيش الحبشيين فى اتجاه طيبة، فيخرج القائد لملاقاة العدو، وتنفرد الأميرة «أمنيريس» بوصيفتها «عايدة»، وتكلمها فى شأن زوجها وعلاقتها به، مذكرة إياها أنها جارية، لا ينبغى لها التطلع لحب الأمراء والقواد، وفى فورة المواجهة الأنثوية، تضطر«عايدة» للاعتراف بأنها ليست جارية، بل أميرة، وأنها ابنة ملك الحبشة الذى سينتصر على المصريين، وفى المعركة، ينتصر الجيش المصرى، ويأسر عددا من الجنود والقواد، ويكون من بين الأسرى ملك الحبشة نفسه، وعندما يعرف «راداميس»، يتوسط لدى فرعون لإطلاق سراحه!.

يتصل ملك الحبشة بابنته الجاسوسة، ويطلب منها أن تعرف من «راداميس» خط سير الجيش المصرى إلى الحبشة لاستكمال الحرب، فتقوم بخداع حبيبها، وتوهمه برغبتها فى الفرار معه إلى الحبشة لإنقاذ حبهما، وتسأله عن الطريق الذى سيسلكه إلى هناك، فيخبرها بالخطة كاملة، وما إن يستمع أبوها إلى الخطة ويعرف تفاصيلها، حتى يخرج عليهما من مخبئه معلنا عن نفسه، فيصاب «راداميس» بالذهول، ويتأكد من أنه خان بلاده وخان فرعون، لكن «عايدة» تستخدم دلالها، فيهدأ، وسرعان ما تفتضح خيانته، فيتم القبض عليه ويقدم للمحاكمة.

وعندما يصل إلى المعبد لمحاكمته بتهمة الخيانة العظمى للبلاد بوصفه القائد الأكبر للجيش، تخبره زوجته «أمنيريس» بأنها يمكنها التوسط لدى أبيها الفرعون للعفو عنه، شريطة أن يترك حبه للجاسوسة «عايدة»، لكن «راداميس» يرفض، ويعلن بصوت عالٍ أنه لا يمكن أن يتخلى عن حبه لـ «عايدة» حتى لو قطعوا رأسه، لأن حبه لها حب خالد، وأنه يرحب بالموت على حبه لها، ليس هذا فحسب، بل يرفض الإجابة عن كل الأسئلة التى وجهتها له المحكمة، حينئذ يقر فى وجدان قضاته أنه خائن ومعترف بخيانته، ويكون حكمهم عليه، الدفن حيا، وهو الحكم الذى يتناسب مع الخونة، فيساق إلى المقبرة وهو لا يشغله أى شىء سوى «عايدة»، يظل لآخر لحظة يفكر فيها، قبل أن تغلق عليه، هو وعايدة المقبرة.

هذه هى قصة «أوبرا عايدة»، هذه الأوبرا التى نقيم لها احتفالات مهيبة كل فترة، وندعو إليها الوفود الأجنبية والمحلية لمشاهدتها، ولم يفكر أحد، منذ عصر الخديو إسماعيل وحتى وقتنا الحالى، فى أن هذه الحكاية تمجد للخيانة، وتعلى من قيمة «الحب البشرى» فى مواجهة حب الوطن.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق