رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ارجوحة وشجرة صبار

إنتصار عبدالمنعم

تعلو الأصوات فى الشارع، الظلام لم يذهب بعد، الخطوات تتتابع أسفل النافذة، بين الحين والآخر يدق أحدهم على الباب، أو يضغط الجرس كى نصحو لصلاة العيد. بالأمس، أحضرت لى زينب قميصا جديدا، وكذلك لأيمن، ووعدتنا بأنها قريبا ستحضر لنا بناطيل وأحذية جديدة أيضا. لم أنتظر أيمن، وخرجت مسرعا لألحق بصلاة العيد من بدايتها فى مسجد الهداية، كى أتمكن من الصلاة فى الصفوف الأولى، وأحظى بهدية من هدايا العيد التى يوزعونها بعد الصلاة كل عام، ولا تكفى جميع الأولاد الذين يتصايحون ويتعاركون للحصول على واحدة فلا يصل منها إلى من يصلون فى المؤخرة أى شىء.

يتحدث خطيب المسجد عن فرحة العيد، وإدخال السعادة على قلوب الناس، لم يقل لى الشيخ من سيدخل السرور على قلبي؟ أليس من المفيد أن يحدد الشيخ لكل رجل فى المسجد مجموعة أطفال يدخل عليهم السعادة فى هذا اليوم، فيتركوننا نصلى إلى جوارهم بالصفوف الأولى، بدلا من نهرنا وزجرنا هكذا؟ الأولاد، ممن جاءوا بصحبة آبائهم، يحتمون بهم ويقفون إلى جوارهم بالأمام، أما من هم مثلى، يدفعهم الواقفون بالصف الأول إلى الصف الثانى، ومن بالصف الثانى يدفعونهم إلى الثالث، وهكذا إلى أن يجدوا أنفسهم يزاحمون الأحذية المتراصة عند مدخل المسجد. لم ألحق هدية كالمعتاد، وارتفعت البالونات فى أيدى الأولاد وهم يخرجون من المسجد، ومع الكثير منهم سيارات سباق، وطائرات صغيرة، وجنود بلاستيكية فى حجم الأصبع.

وحدى أراقب الجميع، هكذا منذ أعياد مرت، أكتفى بالمراقبة، أحتفظ فى ذهنى بنسائل مشاهد غير واضحة المعالم، كنت فيها على كتف أبى إبراهيم، أرى العالم من شاهق، كتف إبراهيم كان السماء التى أطل منها على الجموع المتدافعة بعد الانتهاء من الصلاة. يتزاحمون حول خيمة الأراجوز، القليل منهم يدخل، والكثير مثلنا، نقف بالقرب من الخيمة، تصلنا أصوات الغناء والضحكات من الداخل، يرفعنى إبراهيم لأعلى لألقى نظرة من أعلى باب الخيمة، فأرى عرائس تتحرك على مسرح صغير، فأصفق فرحا منتصرا لأنى تمكنت من رؤية الأراجوز بينما الجميع وسط الزحام ينتظرون دورهم فى الدخول بعد خروج من بالخيمة. واليوم أنا محشور فى الزحام، لا أستطيع رؤية الأرض أسفل قدمى، تدفعنى أقدام الصغار الذين يحملهم الأهل على أكتافهم، تصطدم أحذيتهم بوجهى أحيانا، وبكتفى دون قصد منهم، فجميعهم منشغلون برؤية العالم من فوق، والتصفيق فرحا لرؤية الأراجوز قبل غيرهم.

حركة الجموع تدفعنى لمسايرة حركتها، يسيرون فأسير، يتوقفون، فأتوقف. يتحلقون حول بائعى الترمس، والحلبة الخضراء، وحب العزيز، وساندويتشات الكبدة ومسدسات الماء وسيوف المقاتلين الأوائل. كان لى ذات عيد سيف بتار، أقسم به صفحات الهواء نصفين وأقساما عديدة، وأنا أرتدى بذلة الضابط، وأسير إلى جوار إبراهيم أشعر بالزهو بملابسى الجديدة التى تجعلنى مميزا وسط الزحام.. تصطف الأراجيح الخشبية بقواربها بمحاذاة سور الجبانة، وعلى مسافة كافية منها، تقف بمفردها الأرجوحة الحديدية الهيكل، متميزة عن غيرها بهيكلها الصلب الذى لا يدخل فيه الخشب، حتى القارب الذى نركب فيه من الحديد أيضا، وعلى عكس غيرها من الأراجيح الخشبية فهى تلف حول نفسها لفة مكتملة تجعل الرأس بالأسفل والأرجل بالأعلى، ولا يفعل ذلك غير بضعة أولاد جسورين، ما إن نراهم قادمين حتى نسرع لحجز مكان بالمقدمة يسمح لنا بتشجيعهم وإحصاء عدد الدفعات التى قاموا بها قبل أن تدور بهم الأرجوحة رأسا على عقب.

يركب ولدان، ولد بالمقدمة على أقصى نقطة فى حافة المركب، والآخر يفعل المثل على الطرف الآخر للمركب. بدأ أحدهما يدفع، الآخر يرد الدفعة، الصيحات المشجعة تعلو هاتفة بالولدين كى يدفعا أكثر، صرخات الفرح تعلو كلما ارتفعت الأرجوحة عاليا، وعندما وصلت لأعلى القائم الذى يتوسطها، رأيت أرجل الولدين بالأعلى أخيرا ورأسيهما بالأسفل. توقفت الأرجوحة للحظة فى الوضع القائم، ثم اندفعت هابطة وسط صراخ الجميع الذين تدافعوا معجبين بقوة أجساد الولدين. كنت أتمنى ركوب الأرجوحة الحديدية، وأدور بها فى دائرة كاملة، ولكن أيمن لم يحضر، وكل ولد لديه رفيق يركب معه، أنا بمفردى أتلفت حولى، أبحث عن وجه أعرفه لعله يقبل أن أسير إلى جواره، أو ربما يمسك بكفى يحمينى من تدافع الأولاد، وحدى دوما يا إبراهيم منذ أن تركتنى...

الزحام يدفعنى لأن أتحرك معه هذه المرة متجاوزين الأرجوحة الحديدية، وخيمة الأراجوز، متجهين إلى مدخل الجبانة. ندخل المقابر جميعا، وما أن نتجاوز البوابة، يتفرق الجميع. كل واحد منهم يعرف مكان من أتى لزيارته.

وأنت وحدك يا يوسف، تتلفت يمينا ويسارا. تقرأ أسماء أفراد العائلة المنقوشة على شواهد البيوت الأرضية، تفتش عن بيت إبراهيم، تريد أن تزرع فوقه شتلة صبار خضراء، ترويها كل يوم جمعة وفى الأعياد مثلما يفعل الأولاد من حولك، تريد أن تستكمل مراسم وطقوس العيد فلا تجد لوالدك وجودا بين الحاضرين فى غيابهم، وتظل واقفا فى مكانك تراقب الأولاد وهم يتنقلون بين القبور متقافزين لا يهمهم إزعاج النائمين فى نومتهم الأبدية، يعلمون أنهم بالأسفل يأنسون بصراخهم فى هذا اليوم، يكسرون به رتابة سكون الموات. تتنحى جانبا، بجوار قبر جدك حسن، تجلس أمامه، تتخيله يحدثك ويربت على كتفك كما فعل فى آخر زيارة شاهدته فيها وهو على فراش الموت، كان يحدث أناسا، لا تراهم، ويبتسم وهو يشير إلى الفراغ رافعا يده اليمنى، وبيده اليسرى يقبض على مسبحته الكهرمان التى لا تفارقه، عندما رأيتها فى يده لأول مرة، وكان الليل، كانت تشع ضوءا فى يده، فجريت على أمك تخبرها أن الجد حسن يضيء فى الظلام. بعدها كلما رآك الجد حسن، كان يناديك يوسف أبو النور.. تعود إلى زينب، تسألها عن بيت أبيك الأرضى، تريد أن تقرأ له الفاتحة، أن تجلس بجواره تستأنس به ويستأنس بك مثلما يفعل الجميع.

تصمتين، مشدوهة أنت يا زينب، حائرة مثل حيرة صاحبة القلادة، أبوها النبى، وزوجها الأسير، وقلبها بين كفى الأسير، ولكن من يرق لك يا أم يوسف مثلما رقت القلوب لبنت النبى التى افتدت زوجها بالقلادة؟ يعاود يوسف السؤال، فأنت يا زينب أخبرته من قبل أن إبراهيم شهيد فى السماء، ولكنه يعرف أن من يصعد إلى السماء يترك جسده على الأرض فى بيت عليه اسمه ليعرفه عندما يأتى زائرا، فأين بيت إبراهيم اليوم يا زينب؟

تنظر زينب إلى الماء المتدفق من صنبور المياه فى حوض المطبخ، تدفن رأسها فى الأوانى التى تغسلها، تتحايل على دموعها التى بدت وشيكة الفيضان، تكاد تهتف بيوسف أن مثل هذا الماء قد صارالآن بيت إبراهيم الأبدى، تجاهد دموعها، وتستدير إليك يا يوسف، تهصر جسدك بين ذراعيها، تستبعد أنت الحصول على إجابة من زينب، ولكنك لن تنسى السؤال أبدا...

ينضج الألم، ويتوالد الحزن فى كل يوم يشب فيه يوسف. يأتى عيد يتلوه ثان، وثالث، ويتوقف يوسف عن العد. وفى كل عيد، يزور الأولاد قبور أحبائهم، ويذهب يوسف معهم، لا يجد مكانا لإبراهيم كالعادة، يعود إلى المنزل، يحمل حلمه بين جنبيه، يحتفظ بشجرة الصبار فى أصيص فى الشرفة، يرويها كل يوم جمعة، وفى أول يوم للعيد، يهمس لها أنها صبارة إبراهيم، وعند اكتمال القمر، ينير ضوء الشرفة، لعل إبراهيم يتعرف على صبارته، فيأتى لزيارتهم.

فصل من رواية «جوكات/حكايا الدار الحمراء» قيد الطباعة

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق