رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة يكتبه: أحمد البرى..
المنعطف الخطير!

بريد الجمعة

تلقيت فى بريدى هذا الأسبوع ثلاث رسائل تتناول موقف الأهل من تزويج بناتهم، وتناقش كل منها جانبا مهما من هذه القضية الخطيرة، فتعالوا نتعرف على ما قالته كاتباتها، ثم نتوقف عند أهم ما جاء بها.

..........................

الأولى: أنا سيدة عمرى أربعة وأربعون عاما، نشأت فى أسرة متوسطة لأم عظيمة مهذبة وطيبة لأقصى درجة، وأب عكسها فى كل شىء، إلى جانب حدة طباعه، وكان موظفا بسيطا بإحدى شركات وسط الدلتا بالوجه البحرى، وكانت والدتنا تريد له عزوة كما يقولون، لأنه وحيد أمه، ولذلك أنجبت له تسعة أبناء «سبع بنات وولدين»، وأعتقد أنه كان يكره إنجاب البنات، ولذلك أهاننا نحن بناته منذ صغرنا، فلقد رأينا رجلا صعب التعامل معه، وكنا نخافه جدا لدرجة أننا كنا فى موعد رجوعه إلى البيت نرتجف هلعا دون أن نرتكب ما يثير الغضب، فنظرته كانت ترعبنا فنجرى للإختباء تحت السرير، ولا يسمع لنا صوتا، ولا نتحرك من أماكننا إلا بعد خروجه إلى عمله فى اليوم التالى، وجرت بنا الحياة حتى بدأ العرسان يطرقون بابنا وهو يوافق على أى عريس دون تحفظ، وتزوجت أختى الكبرى من رجل عربى لا توجد أوجه للشبه بينهما إطلاقا، وتزوجت أختى الثانية من إنسان سيئ الأخلاق، وتزوجت باقى أخواتى واحدة تلو الأخرى زيجات غير سوية، وجاء دورى، وتقدم لى صاحب أخى، وكان مستواه أكثر من رائع، وأحببت كل «حاجة» فيه إلا أمه فهى تتدخل فى كل تصرفاته، وكل أمره بيديها، وكلامها لا رجعة فيه، ولم تعجبنى شخصيته، فلم أوافق على الزواج منه رغم موافقة أبى.

وجاء العريس الثانى، وهو رجل متزوج، وزوجته موافقة على ارتباطه بأخرى، فسألته لماذا؟، فقال: لأسباب شخصية رفض الحديث عنها، وقال إنها قريبته، ولا يمكن أن يستغنى عنها، ولديهما ثلاثة أولاد، وبالطبع وافق أبى عليه لأنه يرى أنى «عانس»، لكنى رفضته أيضا، وبعد فترة اتفق أبى وأخى على تزويجى لمهندس غنى، فطلبت منه طلبا واحدا هو شقة باسمى، فرفض بشدة، وقال: «لمّا أموت ابقى اورثى حقك»، وحاولت أن أتقبله رغم فارق السن والعقل، إذ كنت طفلة بالنسبة له فى ذلك الوقت وكنا مختلفين اختلافا جذريا، ولمّا تقصيت عنه عرفت أن له علاقات مشبوهة كثيرة، ويريد أن يحبسنى بعد الزواج، إذ قال بوضوح: «لا هتروحى ولا هتيجى.. الست ليها البيت بعد الزواج»، فقلت له: «ممكن أشتغل معاك»، لكنه رفض أيضا بحجة أن «الناس هتبصلك».. المهم استمر هذا الموضوع سنة واختلفنا، وتركنى دون أن يحضر لى ولا حتى كيلو جراما من الفاكهة، مع أنه صاحب شركة معروفة فى تركيب المصاعد.

وجاء العريس الثالث وهو «طبيب مليونير»، وصاحب أبى، ووافقت عليه لأنه سيأخذنى معه إلى البلد الخليجى الذى يعمل به، ولا حب ولا غيره، وقرأنا الفاتحة وبعث لى حوالات خاصة بى، وعندما فاتحته فى السفر معه، تغيّر صوته، وتحجج بحجج غريبة أولها أنه دائما مع زوجته الدكتورة، وأن شخصيتها قوية عليه، وأنه كتب لها الفيلا والسيارة وأرصدته فى البنوك، وأبلغنى إننى سأعيش بمفردى فى فيلا بالمناطق الجديدة، وإنه سيشترى لى سيارة أتحرك بها، وسيعطينى مصروفى الشهرى، وأهم ما يريده هو أن ننجب ولدا لكى لا يرث اخوته فيه بعد رحيله، وهنا طلبت منه إما أن يأخذنى معه إلى الخارج، أو أن يفسخ الخطبة، ويبحث عن غيرى، فينجب منها الولد ويسافر معه، أما أنا فلا أصلح لهذه المهمة، فطلب كل ما أعطانى إياه، وفسخنا الخطبة، ثم ظهر فى حياتى شاب أحببته لكن أبى لم يوافق عليه، فقررت أن أتزوجه وأضع أهلى أمام الأمر الواقع، فإذا بى أكتشف أننى تزوجت رجلا لا يعرف معنى الكرامة والإنسانية، حيث ارتبط بى لأن معى بعض المال والذهب، وبعد أن أخذ منى كل شىء طلقنى، ثم جاءنى باكيا راجيا أن يعيدنى إلى عصمته من جديد، ولأنى أحبه وأريد أن يكون هو زوجى وأبا أولادى، عدت إليه.. ومرت الحياة بمشكلاتها ومتاعبها، وأنجبت خمسة أبناء، وللأسف فإن زوجي، وهو الشخص الوحيد الذى أحببته، لا يعترف بوجودي، فأنا بالنسبة له خيال ولا وجود لى.. ولا مصروف ولا يستجيب لطلباتنا.. إننى فى حاجة إلى أب يحتوينى، وأولادى كذلك، حيث تفنن زوجى فى حرمانى من الحياة حتى أصبحت أشتهى الموت بعد أن صرت مكسورة ومجروحة، بلا سند فى الحياة، وأجدنى قد سلكت الطريق الخاطئ، ولا أدرى كيف ستمضى بنا الحياة، ونحن نلاطم الأمواج من كل اتجاه؟.

......................

الثانية: أنهيت للتو رسالتى للدكتوراه، بعد رحلة بحثية عميقة فى دلالتها مهمة فى الأطر المنهجية والنمطية لما احتوته من اتجاهات فكرية تطلبت قدرا هائلا من المثابرة ومداومة التعاطى مع جميع أمور ما انطوت عليه الرسالة التى حازت قبولا بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، وربما جاءت على هدى تفرغى وتطلعى دائما إلى البحوث السياسية والاقتصادية التى تتصل بغلبة الحالة الذهنية، والتى تطمح إلى ازدياد معدلات ما تطوق إليه معالم الحاجة للتزود بالعديد من الموضوعات ذات الصلة بالأحداث التى تحيط بنا وكم هى مثيرة وتبعث على الدهشة والحيرة.

إن عقليتى تتسم بالموضوعية، وأتطلع إلى الجديد فى العديد من العلوم خصوصا الإنسانية التى ترتقى دائما بآفاق العلاقات الاجتماعية بما يسهم فى تعظيم دائرة تلك العلاقات مما يجعلها على نحو يحقق معادلة التعاطى وزخم الحياة، وأتوق دائما إلى أن أرتقى السلم الوظيفى بنسق فكرى يجعلنى فى الصدارة دائما، فأنا أنتمى لأسرة متوسطة الحال، وإذا كنت قد فقدت والدتى منذ خمسة أعوام، فإن والدى عوّضنى عنها بشغف أحترمه وأقدر فيه معنى الوفاء والعطاء، فهو يدرك ما بين السطور بشكل يجعلنى أتوق للوهلة الأولى إلى أن أتطلع إلى معرفة رأيه إزاء العديد من القضايا التى غالبا ما تكون محل اهتمام مشترك، ولى ثلاث شقيقات تعلمن فى الجامعة، وقد أشارت علىّ شقيقتى التى تكبرنى مباشرة بأن أتعرف على شقيق زوجها عسى أن تمس مشاعره أحاسيسى، ولم يشأ والدى إلا أن يضع تحفظه فى الكتمان على هذا اللقاء الذى يعتبره غير موات لعدم توافر معايير وتوازنات تتصل بوضعية كل منا، فهو شاب حاصل على مؤهل عال وحسب، وأنا بوضعيتى الأدبية والعلمية والنمطية أكاد أرى أن الفارق ليس حائلا فى تقديرى بالقياس إلى ما اعتبرته مناسبا عند أول لقاء تم بيننا، وأحسست أنه الحب الأول بعيدا عما اعتراه من ملابسات تذهب كلها إلى حد اعتبار أنه حب خال من ثمة ما يجعله جادا قادرا على تجاوز أى تحوط قد ينال من مقداره أو جدواه، حيث أحببت فيه تواضعه واستعداده لخوض تجربة حب أراها تحتاج إلى مزيد من الرعاية لتستمر وتسمو وتزدهر لتصل إلى تحقيق هدفها، لكن والدى الذى ناهز سبعين عاما رأى أن هذا الحب مجرد لقاء عفوى وحسب، وناقشنى وحاورنى طالبا منى أن أنهى هذه العلاقة غير متكافئة الأوصال، وأرانى غير مستعدة لذلك إلا فى ظل ما يجعلنى اقتنع بجدوى عدم ملاءمة هذه العلاقة، إذ ما بين عقليتى ومشاعرى تقف جدلية العلاقة بين مفردات عواطفى، ومعطيات شاب أراه مناسبا ببساطة، وإن ظلت محاذير والدى تقف لى بالمرصاد، فبصراحة شديدة أتوق دائما إلى ما يراه والدى من أمور قد تصل فى غالبية الأحيان لما ترمز إليه الحقائق المجردة التى يرى أنها تمثل الفيصل بين الجدية والهزل، والواقع والخيال.. ماذا عساى أن أفعل إزاء أوضاع قلبى الذى ارتبط عاطفيا بشاب أراه مستعدا لبذل المزيد من الجهد ليعوض المسافة بين المعطيات التى ترتبها وظيفتى كمدرس مساعد بإحدى جامعات وسط الدلتا، واعتبارات شاب حاصل على مؤهل عال ولا يعمل حتى فى نطاق تخصصه كبقية جيل درج على تجاوز اعتبارات المؤهل وحسب؟ وهل ثمة جدلية بين عقلية بحثية شاركت على مدى سنوات عمرها الذى تجاوز الثلاثين بقليل فى إعداد العديد من البحوث الميدانية التى تتسم بإشكاليات القدرة على محاكاة الواقع الذى صار يمثل المنعطف الخطير فى حياة كل شاب وفتاة، وما بين تلك العقلية ومشاعرى التى ذهبت إلى حيز عميق المغزى إزاء رابطة عاطفية أحترمها وأقدرها بعيدا عن محاذير والدى التى غالبا ما اعتبرها تمثل إنهاء لكل ما أحاط تجربة حب أول صادف مشاعرى بكل ما أملك من مودة وعرفان إزاءه؟ والحقيقة أننى لم أجد بدا من أن أطلب مشورتك نحو حب يصادف القلب ومحاذير تصادف التوازنات التى تكفل توافقا من وجهة نظر والدى فى الرؤى والنجاح فى الحياة الزوجية، فبماذا تشير علىّ؟.

.....................................................

الثالثة: أنا فتاة عمرى أربعة وثلاثون عاما، ولى شقيقة متزوجة منذ ست سنوات ولديها ولد وبنت، ووالدتى مدير عام بإحدى المؤسسات التعليمية، وقاربت على سن الستين، وكان والدى مديرا عاما بهيئة حكومية، وقد شهدت حياتهما بؤسا وشقاء وجفاء وشجارا دائما منذ بداية زواجهما حتى طلاقهما منذ عشر سنوات رغم أنها ارتبطت به بإرادتها واختيارها قبل موافقة والديها، وقد رحل أبى عن الحياة بعد انفصالهما بخمس سنوات، والحقيقة أن سلوك والدتى يتسم بالعصبية الشديدة والاندفاع وعدم الاتزان وفقدان القدرة على التحكم فى انفعالاتها، والتشبث برأيها وبذاءة ألفاظها، وباختصار شديد فإنها معقدة ومستفزة ومتسلطة، وهذا هو السبب فى اضطرار أبى رحمه الله إلى تطليقها، والزواج بأخرى رغم أنها أقل منها جمالا ومؤهلا، ولكنها بحق تتمتع بخلق حميد، أما انا فأعمل بإحدى الشركات وحاصلة على مؤهل عال، ومنتسبة لإحدى الكليات النظرية الصعبة وبالسنة الثالثة حاليا، وحصلت على تقدير جيد جدا بالسنتين الأولى والثانية، وملتزمة دينيا وأخلاقيا وعلى قدر من الجمال البدنى والروحى بشهادة الجميع، وتكمن المشكلة التى أعانيها ـ وتعانيها الكثيرات ممن هن فى مثل سنى تقريبا ـ فى نظرة المجتمع الشرقى الدونية أو المتسمة بالشفقة لمن تأخر بهن قطار الزواج إلى حد مطالبتهم لنا «نحن العانسات» ــ كما يسموننا ــ بالتنازل عن كل أو بعض الشروط أو المواصفات التى كنا نرغب أو نحلم بتوافرها فى الزوج المرتقب قبل عشر سنوات، وذلك إعمالا للمثل القائل «ضل راجل ولا ضل حيطة».

والمثير للدهشة والغرابة أن هذه الأفكار والتقاليد البالية تعتنقها والدتى ـ بكل أسف ـ رغم أنها حاصلة على ليسانس آداب قسم علم النفس، الذى ترتكز دراسته على تحليل المشكلات وتشخيصها ومعرفة أسبابها ووسائل علاجها بالأساليب العلمية، مما يجعلنى أتعجب وأردد دائما بينى وبين نفسى أن والدتى ظاهرة فريدة تستحق الدراسة، وإجراء «كونسلتو طبى» ونفسى واجتماعى حولها، فهى شخصية غريبة تعانى تناقضا بين ما تلقته من «علوم نفسية» وسلوكها العدوانى والعشوائى، ولم تستفد مما درسته سواء فى نطاق حياتها الشخصية أو العامة أو فى الحكم على الأمور، ولم تفلح على الأقل فى تقويم سلوكها الشخصى مما جعلها منبوذة من الجميع سواء الجيران أو الأهل أو محيط عملها، وبدلا من أن تكون هى المعالجة للمشكلات والخلافات الأسرية، تجدها على العكس تماما هى المسببة لها، والأدهى أنها تفتعل دائما المشكلات بلا أى مبرر، وصارت مثل المرأة الأمية، بل إن الكثيرات من الأميات يتمتعن بالعقل والحكمة وحسن تقدير الأمور.. لقد ألحّت وأصرّت إصرارا شديدا على قبولى أحد الأشخاص الثلاثة الذين تقدموا للارتباط بى رغم عدم اقتناعى بأى منهم، فأحدهم ضعيف الشخصية وابن أمه كما يقولون، والثانى «تافه» لا همّ له إلا مشاهدة الأفلام والمسلسلات وصحبة الأصدقاء، والثالث غير ملتزم دينيا ويمقت العلم والثقافة، بل ويعمل فى وظيفة لا تتناسب مع مؤهله العالى «المزعوم» وعمره أربعون عاما، ورفضته الكثيرات قبلى، ولكن والدتى ـ سامحها الله ـ تتمسك به لسبب وحيد وهو أن لديه «شقة على النيل» ورثها عن والده، وبلغ الأمر بها إلى حد أنها قاطعتنى، وقالت إنها ستظل فى حالة خصام معى إلى أن أرجع فى «قرارى الخائب» ـ على حد قولها، ثم كانت الصدمة التى لم أفق منها بعد عندما هددتنى بأنها ستأتى إلى مقر عملى لتلويث سمعتى وشرفى إن لم أوافق على هذا الشخص!.. إننى أرجو منك ـ رجاء شديدا وملحا ـ أن توجه كلمة أو نصيحة إليها وإلى مثيلاتها ممن يمارسن الضغط على بناتهن من أجل الزواج من أشخاص غير مناسبين لهن بأن يتوقفن عن الزج ببناتهن إلى مصير مجهول، إذ يتركز اهتمامهن ـ بكل أسف ـ على الإمكانات المادية فقط دون أدنى اعتبار أو مراعاة للجوانب الشخصية الدينية والأخلاقية والعلمية والثقافية والمهنية، وتوافق الطباع والتكافؤ الاجتماعى والثقافى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

< ولكاتبات الرسائل الثلاث أقول:

تؤكد تجارب الحياة أن كل زواج لم تصاحبه رغبة قوية من طرفى العلاقة الزوجية فى الارتباط انتهى بالفشل، وبرغم ذلك لا يكف الآباء والأمهات عن التدخل للتأثير على قرار ابنتهم التى ستتزوج وتذوق طعم السعادة لو أحسنت الاختيار، أو تعيش فى عذاب وبؤس لا ينقطعان لو تسرعت وارتبطت بإنسان سيئ الخلق، أو غريب الطباع، فالعلاقة الزوجية من المستحيل أن يكتب لها النجاح بين طرفين متنافرين، لا يقبل أحدهما الآخر، ولا يستطيع التواؤم معه.

وبصراحة شديدة فإن إكراه أى أب وأم ابنتهما على الزواج من رجل لا تريده، أو التأثير فى قرارها دون أسباب موضوعية تكون له نتائج وخيمة فيما بعد، كما أن إصرارها على الزواج من شخص عليه ملاحظات سلبية من أبويها أمر محفوف بالمخاطر لما قد يترتب عليه من آثار مدمرة على الزيجة برمتها فيما بعد، كما حدث مع كاتبة الرسالة الأولى، فالحوار الأسرى ينير الطريق أمام الفتاة، ولابد أن يكون هادئاً ومعتمدا على وسائل إقناع حقيقية بعيدا عن المبالغات والأوهام والتوقعات التى تستهدف تخويف الفتاة من الارتباط بشاب تريده وترى فيه فارس أحلامها، دون وجود أدلة وبراهين مقنعة على أنه غير مناسب لها، ففى غياب هذا الحوار يظهر تسلط الوالدين وتجاوزهما حدود مسئولياتهما الشرعية فى التعامل مع ابنتهما ومصادرة حقها، ومن ثمّ تتكون حواجز نفسية بينهم، وينعدم التفاهم والثقة الواجب تبادلهما، وينتهى الأمر، إما برضوخ البنت لهما، أو بأن تتزوج وهى مكرهة، وهنا قد يكون الضحية هو من تقدم للزواج منها، كما تدخل هى الأخرى فى مشكلات لا حصر لها.

إن الحواجز النفسية بين البنت ووالديها تعقد الأمور، كما أن الثقة المتبادلة بينهم تسهم فى تقريب وجهات نظرهم، وتساعد فى اقتناع الأب والأم برأى ابنتهما، أو إقناعها بموقفهما، فهما بالتأكيد حريصان على مصلحتها واستقرار حياتها فى بيت زوجها، ولو شعرت بذلك لأنصتت لنصائحهما وتوجيهاتهما، فإجبارها على الزواج ممن لا ترغب فيه يحرمها من السعادة الزوجية التى تقوم على الرضا والمودة والرحمة ولا يمكن أن تبدأ زيجة وتستمر بالإكراه، ومن هنا يتعين على الآباء والأمهات أن يستمعوا إلى بناتهم جيداً، وأن يتحاوروا معهن حول هذا القرار المصيري، فالحوار الهادئ العقلانى سيؤدى حتماً إلى نتيجة مناسبة برضاء كل الأطراف.

إن الحق فى اختيار الزوج هو أول حق أثبته الإسلام للفتاة فى إنشاء الحياة الزوجية، فارتباطها كرها برجل لا تريده، زواج باطل، فالزواج حياة مشتركة وعلاقة فيها مقصد الدوام، وليس لقاء عابراً ولا نزوة طارئة، ومن الضرورى أن يوازن الفرد فى اختياره شريك حياته بين متطلبات العقل والعاطفة على ألا يطغى متطلب على آخر، والحد الأدنى للاختيار بالعاطفة هو القبول وعدم النفور، حيث تتدرج العاطفة إلى الميل والرغبة فى الارتباط، وقد تصل إلى الحب المتبادل، أما الاختيار بالعقل، فيعنى تحقق التكافؤ بين الطرفين من النواحى النفسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والشكلية والدينية، وعند هذا الاختيار يجب الانتباه إلى أن الشخص كامل الأوصاف غير موجود، وأن على الفتاة تحديد أولوياتها، وترتيبها حسب ما تحتاجه من شريك حياتها، وأيضا حصر الأشياء التى تقبل التنازل عنها فى بنود التكافؤ بينهما لحساب بنود أخرى.

والحقيقة أن الاعتقاد بأن الفتاة غير مؤهلة لاتخاذ قراراتها بنفسها، وأنه لابد لولى الأمر أن يختار لها من يناسبها، اعتقاد خاطئ، وينتزع هويتها، فتتحول من إنسانة لها حقوق إلى أخرى بلا صلاحيات فى اتخاذ أخطر قرارات حياتها، ومن ثمّ تعانى ضغوطا نفسية وعصبية وجسدية شديدة، ومعظم هذه الحالات تبدأ فى رحلة طويلة مع الأمراض النفسية التى ربما تتحول إلى أمراض جسدية، خصوصا إذا لم تستطع التكيف مع هذا الزواج، كما أنها حينئذ لن تهتم بتعليم أولادها كيف يتخذون القرارات المتعلقة بالقضايا المصيرية فى حياتهم.

إن الحوار بين ولى الأمر والفتاة فى أمر الزواج يصل بالأسرة إلى اتخاذ القرار الصحيح الذى يحقق مصلحة كل الأطراف، فأول شروط الزواج هو الإيجاب والقبول بين الراغبين فى الزواج، فلا يكفى أن يوافق ولى الفتاة سواء أكان أباً أو أخاً انطلاقاً من حساباته الخاصة، ولا يكفى أن ترى الأسرة فيمن يتقدم للزواج من ابنتهم ما تتمناه، بل لابد أن تشاركها الفتاة الرأى، وأن تبدأ الموافقة منها، فدور الأسرة تقديم النصيحة لها انطلاقاً من خبرتها الواسعة فى الحياة، لأن خبرة الفتاة مهما تكن محدودة، ثم بعد ذلك يكون القرار لها، وأحيانا تكون الفتاة عاقلة ورشيدة، وأعرف بمصالحها من أبيها لأن لها فى الرجال نظرة تختلف عن نظرته، وهى تريد من زوجها غير ما يريده أبوها منه، وبالطبع فإن عليها ألا تترك لمشاعرها العنان فتتخذ قراراً متهوراً يهوى بها إلى قاع سحيق، ولا بد من تفعيل العقل قبل العاطفة، والخبرة فوق التهور، والوعى فوق الخداع .

إن معايير اختيار شريك الحياة المتعارف عليها ترتبط بعوامل اقتصادية، وثقافية، واجتماعية، ونفسية، ولكن يبقى العامل النفسى من أهم العوامل، فالزواج مع عدم قبول نفسى قد يؤدى إلى زيادة الاضطرابات والمشكلات بين الطرفين، والوقوف على كل صغيرة وكبيرة, كما أن ندرة التعبير عن المشاعر، قد تؤدى إلى إهمال الزوجة زوجها أو العكس، وعدم أداء كل منهما الحقوق الشرعية للآخر فيفتقدان إعفافا لازما لتماسك العلاقة بينهما والكيان الأسرى كله، كما أن عدم القبول النفسى أيضا قد يؤدى إلى انهيار جانب الصراحة بينهما، وتجنب المناقشات أو فتح الموضوعات وعدم الترحيب بالحوار، وتأخر المصالحة عند حدوث أى شقاق مما يزيد الحواجز والشعور بغربة كل طرف عن الآخر، فالقبول قد يساعدهما على التغاضى عن أى سلوك أو تصرف يغضب أحدهما من شريكه، وهو سبب فى سهولة التصالح بعد الغضب، ودافع للشوق عند البعد، ويفتح الباب للمودة واستمرار الانسجام بين الزوجين، وأما من لم يوفق فى هذا الأمر، وتزوج على غير قبول نفسى فلا ييأس من تحسين أحواله، وليبحث عن الوسائل والأساليب الحسنة والأفكار الطيبة ليتقرب من زوجته أو تتقرب هى منه، فالقلوب تتأثر بالكلام الحسن والرفق والهدية والاهتمام، والعطاء، وحسن الخلق، ومن هذا المنطلق أقول لكاتبة الرسالة الأولى: لقد ضللت الطريق الصحيح منذ البداية، ووقف الطمع المادى حائلا دون سعادتك، سواء فيمن حاول أبوك تزويجك إياهم، أو من اخترته بدعوى الحب، فإذا بك تجدينه طامعا فيك، فاستنزف مالك ثم طلقك، ثمّ ردك إلى عصمته على غير أساس، فأنجبت منه خمسة أبناء، فأى تفكير هذا؟.. لقد كان ما كان ولا بديل أمامك سوى أن تحاولى التأقلم مع حياتك وزوجك الذى أحببته، وعليه أن يقدر حبك له، وتضحيتك من أجله، وسهرك على راحته، وراحة أبنائك، ولتفتحا صفحة جديدة خالية من المتاعب والمنغصات، وأما كاتبة الرسالة الثانية، فإننى أرجو من أبيك الموافقة على خطبتك لمن ترينه فتى أحلامك، فهو حاصل على مؤهل عال وقادر على مجاراتك من الناحية الثقافية، وليس معنى أنك حاصلة على الدكتوراه أنه غير مناسب لك، فأبوك جانبه الصواب فى نظرته إلى الفارق الثقافى بينكما، وليعلم أنه سوف يندم على رفضه زواجك منه بعد فوات الأوان.. هكذا تقول تجارب الحياة، وأما كاتبة الرسالة الثالثة فأقول لها: لديك الحق فى أن تختارى من هو كفء لك، وعلى أمك أن تعى أن إجبارها إياك على الزواج ممن ترشحه لك، يعنى ببساطة أنها تلقى بك إلى الهلاك، وما عليها إلا أن تبين لك وجهة نظرها، وأسباب اندفاعها نحو تزويجك على غير رغبتك، ثم تترك القرار النهائى لك.

إننى أحذر جميع الآباء والأمهات من التدخل العنيف فى حياة أبنائهم وبناتهم خاصة فى القرارات المصيرية، فإجبار الفتاة على الزواج من شاب بعينه لا ترضاه ولا ترتاح له، أمر مرفوض تماما لأن نتيجته كارثية على مستقبل حياتها، فالزواج من الأمور التى ينبغى إتمامها بالتراضى والقبول ولابد أن تصحبه رغبة واضحة من الطرفين خاصة البنت لأنها هى التى ستعاشر الزوج وتعيش معه، وبالتالى يجب أن تكون راضية، ولا يصلح أسلوب القهر لعلاج مثل هذه المواقف، وعندما تصر الفتاة على الزواج من شخص معين فعلى أبويها أن يقدما لها النصيحة، ويظهرا عيوب هذا الإنسان ومبررات رفضه، فإن وجدا منها إصراراً، فعليهما عدم إكراهها على اختياره، ولينتظرا إلى أن يأتيها من ترضاه شريكا لها، والله المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق