رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

محمد عبد المنعم.. جنرال الصحافة يتذكر أيام الحرب: سر السلاح المصري الرهيب الذي لم توقفه إلا الطائرات الأسرع من الصوت 

أنور عبداللطيف

فهمى ومبارك تعهدا لأحمد إسماعيل برقبتيهما أو الانتصار فى الحرب

ألكسندر هيج قال «لا بديل للمنطقة عن قوة مصر».. فأطيح به من الخارجية..


 

هو فعلا من جنرالات الصحافة الكبار، فقد وصل فى الصحافة إلى قمة الرتب رئيسا لمجلس إدارة ورئيسا لتحرير مؤسسة روز اليوسف بعد أن عمل كاتبا ومحللا عسكريا ورئيسا للقسم العسكرى بالأهرام لأكثر من 20 سنة، وكان قريبا من المطبخ السياسى لمصر وعقلها لمدة ست سنوات شغل فيها منصب مستشار إعلامى لرئيس الجمهورية الأسبق محمد حسنى مبارك، كما كان قريبا من المطبخ العسكرى فى بداية حياته حين كان عضوا فى مركز عمليات قوات الدفاع الجوى، شاهدا على نماذج إنسانية فذة صنعت الفارق فى قواتنا المسلحة فتحقق لها النصر فى أكتوبر 1973، وشارك فى حرب الاستنزاف ثم عاد «للأهرام»، ثم استدعى للخدمة ليشارك برتبة رائد فى حرب أكتوبر التى يرى أنها لم تنته بعد رغم الانتصار العسكرى المبهر واستعادة أرضنا بالكامل. وبحكم عقليته المرتبة والدقيقة التى لا تقبل التفريط أو العوج أو الالتفاف أو التنازل أطلقنا عليه فى صبانا الأهرامى أحب الألقاب إلى عقله وهو لقب «جنرال» الذى ظل مرتبطا به حتى بعد اعتزاله، وحين ذهبت إليه بمناسبة حرب أكتوبر العظيم وناديته بالجنرال الصامت وجدته أكثر حضورا من بعض الحضور مهموما بالسياسة ومهنة الصحافة حتى بعد أن وصل الثمانين.

.........................

سألت (الجنرال) الأستاذ محمد عبد المنعم عن أسرار وأبطال غرفة عمليات حرب أكتوبر المهيبة التى أدى جانبا من مهمته داخلها فلم يكشف لى مكانها ولا تحصيناتها ولا البحر ولا الجبل الذى يأويها فما زالت سرا رهيبا بعد 45 سنة حتى على من دخلوها، وقال: إن لفظ غرفة خطأ، و الصحيح هو مركز عمليات، وهناك مراكز متعددة لكل سلاح ومركز القوات الجوية ومركز القوات البحرية بمنطقة كذا، وبالنسبة للدفاع الجوى فمركز العمليات هو العقل الخاص بكل قطاع، فى كل منطقة، ذراعه اليمنى المقاتلات الاعتراضية وذراعه اليسرى المدفعية المضادة للطائرات وقواعد الصواريخ، وهو المسئول عن حماية المجال الجوى لمصر بأكملها، هذا المخ كان نقطة الضعف فى حرب 1967، أما فى حرب أكتوبر 1973 فقد ثبت عسكريا أن الدفاع الجوى المصرى كان أقوى دفاع جوى فى العالم وحقق إنجازا عبقريا بقطع ذراع إسرائيل الطويلة و مازالت مراكز الأبحاث تدرس خفاياه.

> كيف؟

سأكشف لك عن بصيص من نماذج البطولة فى هذا السلاح التى لم يتوقعها العدو، إبداع مصرى خالص ولدته الحاجة لشل أداء الطيران المنخفض الذى حيرنا فى 1967، فهناك دائما مثلث على سطح الأرض يعجز الرادار عن كشفه، واستغل طيران العدو هذه الفجوة فى ضرب قواعدنا ومطاراتنا فى 5 يونيو، بعيدا عن الترددات التى يرسلها الرادار، أما فى حرب 1973 فقد عالجنا هذه المشكلة بـ (شبكة مراقبة بالنظر) فى جميع محافظات ومناطق الجمهورية، ناس قاعدة فى الليل وفى النهار وفى الجبال والصحراء وفى الحقول والمزارع والوديان فى المطر وفى الحر فى مناطق نائية، مع الذئاب والثعابين والحشرات والجوع والعطش أحيانا، مهمتهم فقط عندما يشاهد الواحد منهم الطائرة قادمة على بعد يصل إلى 5 كيلومترات يبلغ. وهذا السلاح الجديد كان مفاجأة حيث ألغى تماما المساحة التى كان يستغلها طيران العدو، ففى كل سلاح كانت هناك إبداعات وبصمات مصرية وكان ذلك وقتها إعجازا.

> من أين هذه الروح الجديدة؟

بحكم عملى كضابط بالجيش مررت على هؤلاء الجنود، وجدتهم كلهم فى الحفر وبجوار كل جندى لوحة مكتوب عليها: (عينان لا تمسهما النار يوم القيامة.. عين بكت من خشية الله.. وعين باتت تحرس فى سبيل الله) هذه العقيدة القتالية تعنى أن الروح الدينية كانت متغلغلة ومازالت فى نفس وعقل الجندى المصرى، وهذه اللوحة يضعها بجواره الجندى المسلم والجندى المسيحى، ومراكز العمليات التى تتلقى البلاغات الفورية وكلما وحدت مجهودهم الذى تمرنوا عليه كان النصر حليفك، واستمر الدور الحاسم لهذه الشبكة حتى قرب نهاية الحرب، وبالممارسة عرفوا أنواع الطائرات فيبلغون عن النوع.. وكنا نواجه هذه الطائرات المغيرة بالطائرات المقاتلة أو الصواريخ الأرضية. معظم هؤلاء الجنود كان عندهم ثأر مما حصل فى 1967 وكل بنى آدم من هؤلاء كان يعتبر كرامة مصر وأمنها من كرامته هو الشخصية وأمنه!

هذا الإعداد للمقاتل صنع الفارق، فلو حصرت الأسلحة التى كانت موجودة عند مصر وسوريا والأسلحة التى كانت عند الإسرائيليين تجد هناك فرقا كبيرا جدا لصالح إسرائيل، هذا الفرق صنعه الأمريكان وحتى اليوم لأن إسرائيل هى الابن المدلل عندهم بكل تأكيد، لكننا تغلبنا عليه بالبشر وبإرادة الجنود، لكن وللأمانة فى نهاية الحرب (عندما بدا للجميع أن مصر انتصرت وفشل الطيران الإسرائيلى فى الأسابيع الأولى فى تحقيق أهدافه بسبب مجموعات الاستطلاع بالنظر بعد أن فشل معنا الفانتوم والاسكاى هوك التى كانت كلها تسقط بفعل الدفاع الجوى وسلاحنا الجوى بمساعدة فرق الاستطلاع بالنظر) فوجئنا بطائرات تمرق كلمح البصر لم تكن معروفة فى البداية، البعض اعتبرها صاروخا، لكن الدارسين عرفوها؛ إنها الطائرات الأسرع من الصوت (إس آر71) التى كانت تمرح فى أجواء الاتحاد السوفيتى حتى أسقط منها طائرة «باورز» المشهورة الوحيدة.. شعرنا وقتها أن أمريكا دخلت بثقلها، وكان هذا صعبا على قواتنا ولكن لم يكن أبداعا منها!

> هل كانت هى الطائرات التى تحدث فرقعة شديدة عند إقتحام مجالنا الجوى؟

المدنيون كانوا يعرفونها من خلال الفرقعة الضخمة فى سماء القاهرة بعد أن تحقق أهدافها. ويشرح الجنرال: كنت قد عدت إلى «الأهرام» وقتها فى إجازة سريعة، ووجدت هذه الظاهرة شغلت الناس وأصابت البعض بالارتباك فكتبت تحليلا عنوانه سر الفرقعة فى سماء القاهرة، هذه الطائرة لا يحددها إلا الرادار، لا كان عندنا صواريخ تحصلها ولا طائرات تضاهيها أو تلاحقها، فكان الحل الوحيد وقتها حين ظهرت هو تحصين جبهتنا وأهدافنا الحيوية، واتضح للجميع أن أمريكا لم تسكت.. فدخلت بهذه الطائرات الأسرع من الصوت فى الأيام الأخيرة عندما (غلب حمارهم)، وحتى الآن من يفكر أن الأمريكان يفضلون أمننا على أمن الإسرائيليين فهو أكيد بيخرف!

> نعود للبدايات قليلا، كيف انتقلت من العسكرية إلى «الأهرام»؟

ـ فى يناير 68 بعد حصولى على ليسانس آداب إنجليزى، تقدمت للعمل بالقسم الخارجى بالأهرام، كان رئيسه محمد حقى، ورئيس قسم الترجمة أحمد عادل يرحمهما الله، طلب منهما الأستاذ على الجمال أن يختبرانى، فأعطانى أحمد عادل خبرا عن رحلات الفضاء وهبوط المركبة أبوللو على القمر، وكان مليئا بالمصطلحات الجوية والفضائية والعلمية، وترجمت الخبر بسرعة وبدقة وأضفت الخلفيات المطلوبة وأعطيته لأحمد عادل فطلب فورا من حقى أن (نتمسك بهذا الرجل).. والفضل كان لخبرتى التى اكتسبتها فى الدفاع الجوى. وعندما انتهت حرب الاستنزاف كانت الجبهة الداخلية مزعزعة، ومن مظاهرها أننى دخلت كافتيريا الأهرام فوجدت زملائى يتكلمون عن البيانات المتكررة التى تخرج من الجيش وفيها عبارة، (وقد تصدت لها دفاعاتنا الجوية وأسقطت للعدو طائرة شوهدت وهى تسقط شرقا.. أى فى سيناء)، فكان من لا يعرف يضحك على البيانات.. فكلمة شرقا تعنى فى سيناء طبعا، حيث لا يوجد صور ولا معدات ولا مصادر غير كلمة (وشوهدت تسقط شرقا) على أساس أنها استمرار لبيانات الفرقعة فى 1967، اتغظت طبعا وشرحت لهم بمعلومات حقيقة الظاهرة وسمعنى الأستاذ صلاح هلال فطلب منى أن أكتب ما قلته فى ورقتين، وهكذا كتبت أول مقال لى بالأهرام عن ملحمة الدفاع الجوى.. ولماذا تسقط طائرات العدو شرقا؟ وشرحت كيف أن الطائرة عندما تُضرب بصاروخ وليست بحجر سيسقط فى مكانه، لأنه بمجرد إصابتها، يوجه الطيار أنف الطائرة جهة الأرض لابد أن تأخذ مسافة حسب سرعتها ووزنها ودقة الإصابة فى اتجاه ميلان السقوط.

كان الأستاذ جلال الحماصى مسئولا عن كتابة التقرير اليومى عن السلبيات الموجودة فى كل عدد وكان منها تكرار عبارة (شوهدت الطائرات تسقط شرقا)، لكن فى هذا اليوم الذى كتبت فيه هذا التحليل، والشرح، كتب بالنص (يود المركز أن يشيد بالتحليل المنشور فى صفحة 3 اليوم وكان من أنجح ما نشر فى الأهرام فى الفترة الأخيرة وقد وُفق الأهرام فى الاستعانة بخبراء عسكريين من الخارج لشرح وتوضيح ما يجرى على الجبهة للرأى العام). فرحت نصف فرح، فقد كان هذا التحقيق الأول لى، ووجدت هيكل ينادينى ويبلغنى اهتمام الرئيس عبد الناصر بما كتبته فى الأهرام، وسألنى عن الخبير الذى حصلت منه على معلوماتى، قلت له: إننى كنت ضابطا فى الدفاع الجوى قبل أن أعين فى الأهرام، قال: انت بتشتغل فين؟ قلت فى القسم الخارجى، قال لا.. شيل شنطتك من القسم الخارجى فأنا أحتاجك تمسك القسم العسكرى، وكانت هذه هى البداية!

> لكن ماهى حكاية خلافك مع الأستاذ هيكل بسبب صور الطائرات؟

> انت فاكر؟

ـ الناس لا يعرفون الخلفيات.

ـ كانت وكالات الأنباء الغربية مثل «الأسوشيتدبرس» و«رويترز» قد أرسلت صورا لطائرات وهى تضرب مواقعنا غرب القناة ودفاعاتنا الجوية وهى تتصدى لها، طبعا الغرب يصدر لنا الهزيمة باستمرار من يومه، فأرسلت الوكالات صور الطائرات وهى تضرب ولم ترسل صور طائرات العدو التى تسقط، ووصلت الصور إلى الدسك المركزى فى الأهرام، وقالوا إن هذه طائرات فانتوم، فقلت لا طبعا هذه ليست فانتوم، وقبل أن أكمل كلامى شعرت بضرب تحت الترابيزة ينبهنى أن أتوقف لأن الأستاذ هيكل قال إنها فانتوم، فاستمريت بصوت أعلى، وقلت من قال ذلك غلطان، فأخرج الأستاذ رأسه من الورق وسألني: إذن ما نوعها يا ناصح؟ فقلت له «اسكاى هوك» يا فندم، فقال: وعرفت ازاي؟ فشرحت بأسلوب علمى دقيق عن الشكل الخارجى والفرق بين النوعين، فقال لى على الفور: أنت صح يا محمد، ثم رفع صوته فى مرة نادرة، وقال للجميع لو حصل خلاف فى معلومة عسكرية بينى وبين محمد عبد المنعم تعتمدوا على كلام محمد عبد المنعم!

وبعد شهور من تعيينى فى الأهرام، استدعيت عام 1968 للخدمة بالجيش فى مركز العمليات الرئيسى فى الدفاع الجوى، ثم عدت مرة أخرى إلى الأهرام، وقبل حرب أكتوبر بعشرة أيام استدعوا كل الاحتياطى وعدت إلى الخدمة، وفوجئت بلقطة ذكية، فقد استدعانى مدير شئون الضباط.. كان اسمه «سامى الشيخ»، وكانت رتبتى « رائد». قال لى أنت لك أصحاب من المراسلين الأجانب فى الصحف والوكالات الغربية؟ فقلت طبعا، وبيزورونى فى الأهرام وبنتغدى ونسهر معا، فقال لي: إحنا لا نريدك عندنا الآن، والمطلوب منك أن تخلع الأفرول وتلبس ملكى وتذهب فى نفس المكان الذى اعتدتم أن تسهروا فيه أو تتقابلوا فى الأهرام أو خارج الأهرام، وتمارس عملك الصحفى بملابسك المدنية بشكل طبيعى، وعندما تسمع أن الحرب قامت والخبر يذاع فى الراديو ارتدى ملابسك العسكرية، وسلم نفسك، وسمعت الكلام وخلعت الأفرول ولبست قميص ملكى على البنطلون الكاكى، ودخلت على الأستاذ هيكل، قال جرى إيه انتهى الاستدعاء؟ فقلت: لا مفيش حاجة.. أنا موجود تحت أمرك زى ما حضرتك شايف.. لو حصل حاجة سأخلع القميص وألبس السترة ولو ما حصلش حاجة سأخلع البنطلون وألبس.. فقاطعنى مداعبا: لا.. لا.. ما تخلعش البنطلون أرجوك!

> هل قلت للأستاذ على حكاية المراسلين الأجانب؟

ـ طبعا ما ينفعش، لكن فيه مواقف كانت فى خطة الخداع الإستراتيجى وكان هو يلقطها بذكائه، وغالبا يكون عارفها

مثل ماذا؟

لو تفتكر خبر موافقة الفريق أحمد إسماعيل على سفر الضباط لأداء العمرة.. لقد أرسلوه من الجيش للنشر فى الصفحة الأولى بالأهرام، فقلت لهم: لا يصلح للصفحة الأولى، بل ينشر فى صفحة الدولة الداخلية، فوصل الأمر للفريق أحمد إسماعيل فاستدعانى، وذهبت، فقال إيه حكايتك؟ فقلت لو نشر فى الصفحة الأولى سيظهر أنه خبر غير طبيعى، ثم إن الأستاذ هيكل لازم يعرف حتى أضمن أن يستمر ثلاث طبعات، فاتصل بالرئيس السادات، فقال له طبعا هيكل راجل بتاعنا وهو عارف القواعد والخبر ينشر فى الصفحة الداخلية زى ما قال الولد. أنا كنت صحفى عارف كيف يتم تقدير الأخبار. وعندما عدت للأستاذ هيكل وقبل أن أتكلم قال لى: لو قلت كلمة زيادة ستجد هذا الخبر على القهاوى فى بيروت، أترك الخبر وراقب من بعيد ولا توصى عليه أحدا، لكن اسهر حتى إرسال الطبعة الثالثة، ويطمئن قلبك من بعيد لبعيد لو منشور خلاص، ولو حذف لا تتكلم، اتصل بى لو فى الفجر!

> وكانت أول مرة تسهر على خبر فى خمسة سطور!

ـ هذا الخبر الخمس سطور هز إسرائيل، كما عُزل بسببه مدير المخابرات الإسرائيلى، لدرجة أنه قابلنى أثناء مباحثات اللجنة العسكرية بين مصر وإسرائيل، (التى كانت تجتمع مرة فى مصر ومرة فى إسرائيل وكنت أذهب لتغطيتها بصفتى صحفيا)، وسألنى مدير المخابرات المعزول: هل كنت تعرف أن هذا الخبر غير مضبوط، قلت طبعا، فسأل: وهل قلت للأستاذ هيكل؟ فقلت طبعا أى خبر لابد أن يعرفه ويعرف أبعاده حتى لو لم أقل له، ثم ذكرنى بعدد كبير من الأخبار التى كنا ننشرها فتنعقد حولها لجان فى الموساد وتتعدد حولها التكهنات وتنقلب بسببها الدنيا!

> نعود لغرفة العمليات.. وأسأل محمد عبد المنعم: وأثناء الحرب هل كنت موجودا فى غرفة العمليات العسكرية وتشاهد القائد الأعلى الرئيس السادات وقادة الجيش والصورة الشهيرة فى قاعة الخرائط؟

ـ مازالت غرفة العمليات موجودة حتى الآن فى مكان ما.. لكن قبل الحرب ذهبت فى مهمة أثناء اجتماع القادة الكبار، وشعرت أن الحرب وشيكة عندما شاهت مداولات جانبية خارج الغرفة بين الفريق أحمد إسماعيل والفريق محمد على فهمى قائد الدفاع الجوى والفريق حسنى مبارك قائد القوات الجوية، كنت أجلس على جنب أدخن سيجارة بعد أن انتهت نوباتجيتى، خرجوا الثلاثة كأنهم يؤدون القسم، لم أسمع ماذا يقولون لكنى شاهدت وزير الحربية يشير بأصبعه بتأكيدات وتحذيرات فيرد كل واحد من الإثنين بثقته فى نجاح هذا الأمر، وشاهدت حسنى مبارك قائد القوات الجوية يضع يده على رقبته وكأنه يقول ان رقبته سدادة لو فشلنا فى هذه العملية، وكذلك فعل الفريق فهمى أمام وزير الحربية،ً وطبعا القوات الجوية كانت بتنضرب كل مرة حتى 1967، أما قوات الدفاع الجوى، فقد كانت هدف الذراع الطويلة الإسرائيلية.. ونجاح السلاحين معناه بتر الذراع الطويلة لإسرائيل تماما طبقا للتوجيه الإستراتيجى الصادر من القائد الأعلى للقوات المسلحة.

> عندما تقارن بين قوات مصر وسوريا وبين إسرائيل تكتشف حجم الفارق فى الإمكانات وحجم المعجزة التى تمّت؟

نعم ومازالت هناك أسرار وأسرار.. تظهر كل فترة بحساب شديد لظروف استراتيجية بحتة، منها طبعا خراطيم النابالم، ومضخات المياه للعبقرى باقى ذكى يوسف وغيره، والتى ظهرت بعد الحرب بسنوات، لم أعرفه إلا من المشير أبو غزالة حفاظا على الأمن القومى وحفاظا على سلامة مخترعيها ولاعتبارات عسكرية، ففى كل صراعاتنا مع إسرائيل لا يوجد غير حرب أكتوبر أبهرنا بها العالم وفى الوقوف على رجلينا وعدم الانبطاح.

> على ذكر البطولات هناك بطولات لم يكشف عنها بعد وهناك بطولات تعشش فى ذاكرتك لم تفرج عنها، لكن سجلتها فى روايتك ذئب فى قرص الشمس؟

ـ أغمض الجنرال عينيه وكأنه يعود بنظره إلى بعيد، وقال آآآه.. آآآه.. هذه قصة حقيقية أشعر بمرارة حزنى على فقدهما وإعجابى بشجاعتهما حتى الآن.. «وعندئذ نهض الجنرال وسحبنى من يدى إلى غرفتين فى منزله، وقال: هذا متحفى، بنيته ليحتضن أبطال حياتى، وهذا هو حائط الذكريات، وأشار إلى الصور المعلقة: هذا سامح مرعى وبجواره حطام أول طائرة فانتوم نسقطها، هو الذى طاردها وأسقطها، كانت فى حرب الاستنزاف، وهذه صورة أحمد نور، وهذا أنا مع سامح مرعى، وهذه الصورة لى عندما كنت طالبا فى الكلية الجوية، وبعدين.. مبارك.. ومبارك.. ومبارك، ومحمد على فهمى وأبو غزالة والجمسى.. وهذه لى مع محمد على فهمى، وأحمد بدوى وكمال حسن على وأحمد إسماعيل هؤلاء أبطالى وحكاية عمرى.

ثم شرح محمد عبد المنعم: أحمد نور بطل الرواية الحقيقية التى كتبتها بعد الحرب بعنوان «ذئب فى قرص الشمس»أسقط طائرتين فى حرب الاستنزاف فطاردوه غرب خليج السويس، طارده طيران العدو حتى انتهى الوقود فنط بالبراشوت ولم يعثر عليه أحد، وبعد فترة اكتشفنا رفاته فى حفرة بين جبلين..، أما سامح فقد أقسم أثناء حرب الاستنزاف أنه لن يتوقف عن الطيران إلا إذا انتهت كل طائرات الفانتوم الإسرائيلية، فنفذ أكثر من عشرين طلعة جوية وأسقط العديد من الطائرات قبل أن يستشهد، وهذا أحمد عاطف عندما استلمنا طائرات الفانتوم وأثناء احتفال تسليمها صافحه الرئيس السادات ومعه النائب حسنى مبارك، الذى قال للرئيس السادات: هذا الطيار اسمه f.f.k.: أى (فرست فانتوم كيللرfIRST FANTOM kLLER) أى أول قاتل للفانتوم، إنه الطيار أحمد عاطف، فضحك الرئيس السادات. كيف ننسى هؤلاء الناس، الخلاصة أننا عندما أبطال يظهرون عبقرياتهم وقت الشدائد فالمصرى عندما يضع رأسه فى مهمة لابد يستجيب القدر وننتصر!

> هل تتفاءل بقرب انتصارنا فى حرب الإرهاب كما انتصرنا فى حرب التحرير؟

ـ الحرب على الإرهاب بسبب انتصار مصر فى حرب أكتوبر.

> اشرح

ـ وراءها الفلوس، وما حدث فى 25يناير فلوس وتمويل لإنهاك مصر ووضعها دائما تحت ضغط، أذكر قائدا عسكريا فى حرب فيتنام اسمه ألكسندر هيج عينوه أمينا عاما لحلف الأطلنطى، وبعد ذلك وزيرا للخارجية وقال تصريحا غريبا عن مصر وبعده تم عزله.. ثم فجأة مات.

> ماذا قال؟

ـ قال «لا بديل عن أن تكون مصر قوية». هذا الرجل الذى كوفئ لبطولاته العسكرية قال إن الحل ومصلحة أمريكا أن تكون مصر قوية، وبسبب هذه المقولة عُزل ومات لربما بسببها، لأن الهدف ألا تنتصر مصر. وهكذا عندما انتصرنا فى الحرب العسكرية أدخلونا فى حرب الإرهاب بهدف إنهاك جيش مصر ووضع مصر دائما فى حالة ضغط، وسد النهضة نفسه يدخل فى مسلسل تركيع وإنهاك مصر.. أما المشكلة التى من صنع أيدينا فهى الانفجار السكانى الذى لابد من وقفه فورا!

> والانفجار الصحفى فى الخطاب الإعلامى هل تتابعه، وكيف تراه الآن؟

ـ أتابع أحوال الصحافة بدقة، ومسلسل تدنى الصحافة بدأ بقرار الرئيس السادات عزل هيكل عام 1974، بهذا القرار وضع سابقة خطيرة أن يعزل الأكفأ ويضع مكانه الأقل كفاءة أو غير المناسب، ولكن بعزل هيكل عزل أيضا موسى صبرى وكل رؤساء الصحف الآخرى، ولو نظرت لكل الصحف تستعجب لماذا عُزل إبراهيم سعدة وكان من أنجح الكفاءات الصحفية ويعاقب الآن ويصارع المرض، تجد أن المستويات والبدائل كانت فى النازل من يومها!

> كل هذا بدأ بقرار عزل هيكل؟!

ـ طالما شغال وقيمة سيبه يا أخى، كتبوا عنه فى النيوزويك أنه أقوى رئيس تحرير فى العالم، أنا مختلف مع هيكل، لكن فى المهنة أرفع له القبعة، كانت النتيجة إقرار مبدأ «شيل الأكفأ» حتى وصلنا إلى صحافة «السفروت» و«العكروت»!

غريبة يا أستاذ محمد أن تقول ذلك وأنت من محبى الرئيس السادات؟

ـ السادات بطل عظيم وخاض حربا مقدسة وانتصر، لكنه ليس إلها بل بشرا، عندما يكون رئيسا لابد أن توضع قراراته تحت الميزان ولو بعد حين!

> ما زلت أذكر عنوان مقالك الذى دافعت فيه عن السادات بعد سنوات ووصفته بـ «الرجل الذى هزمته انتصاراته»؟

ـ هذا المقال فيه رد على سؤالك، كتبته فى الأهرام تقريبا عام 1991 وأحدث ضجة ورد فعل شديدين، كان أول من اتصل بى أنيس منصور..وغيره.. وغيره.. لأنى أنصفت الرجل وشجاعته لكن قلت ان انتصاره العظيم جعله يتخذ بعض القرارات التى استغلها الخصوم ضده فى مجال الاقتصاد والحريات، والدليل مثلا أننا بعد هيكل عانينا من فترة اضطراب ومدد طويلة لتعويض الكفاءة.

ـ تقول إن المدد الطويلة مشكلة.. لكن الرئيس مبارك الذى عملت معه أكثر من ست سنوات مستشارا إعلاميا كسر هذه القاعدة!

ـ لقد كنت قريبا من الرئيس مبارك، وأقسم لك أنه كان ينوى أن يترك الحكم بعد الفترة الثانية، لكن فى كل مرة كانت تنفجر عملية هنا أو هناك فيخشى أن يضيع البلد، وفى عام 93 قرر أن يمشى بالفعل فحدثت مذبحة بالأقصر.

ثم كرر محمد عبد المنعم: اقسم لك بالله من تانى فترة كان ماشى، وكنت فى الرئاسة يومها، وعندما سمعت ذلك قلت انه أفضل قرار اتخذه، لكنى لا أعرف ماذا جرى، ولا من لعب فى الدماغ؟ وطبعا كان لا يمكن أن يترك البلد بعد بشاعة العمليات الإرهابية.

> وأخيرا أريد سماع الوصفة السحرية للانتصار فى معركة الصحافة؟

يقول جنرال الصحافة: الشغل والتواضع والترفع.

شكرا يا جنرال كل سنة وأنت طيب.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق