رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عبد الناصر 100 عام من الحياة..
فى محكمة نجيب محفوظ

أقام كاتبنا الراحل الكبير نجيب محفوظ محكمة تاريخية لحكام وزعماء مصر البارزين منذ الملك مينا حتى الرئيس أنور السادات.عقد صاحب نوبل المحكمة بكامل هيئتها المقدسة طبقا لروايته «أمام العرش» فى قاعة العدل بجدرانها العالية المنقوشة بالرموز الإلهية وسقفها المذهب تسبح فى سمائه أحلام البشر وتتكون المحكمة من أوزوريس فى الصدر على عرشه الذهبى، إلى يمينه إيزيس على عرشها، وإلى يساره حورس على عرشه، وعلى مبعدة يسيرة من قدميه تربع تحوت كاتب الألهة مسندا على ساقيه المشتبكتين الكتاب الجامع وعلى جانبى القاعة صفت الكراسى المكسوة بقشرة من الذهب الخالص تنتظر من سيكتب لهم الخلاص من القادمين.

وقال أوزوريس: قضى على البشر منذ القدم بأن تمضى حياتهم على الأرض معهم عند عبور عتبة الموت كالظل تتبعهم حاملة الأفعال والنيات وتتجسد فوق أجسامهم العارية. وعقب حوار طويل اتفقت الكلمة على أن هذه الساعة هى الساعة الفاصلة وها هى المحكمة تنعقد من أجل سباحة طويلة فى الزمن.

وبعد أن يحاكم نجيب محفوظ العديد من الحكام والعظماء فى تاريخ مصر مثل خوفو ورمسيس وتحتمس وعمر مكرم ومحمد على وأحمد عرابى ومصطفى كامل وسعد زغلول ومصطفى النحاس، يصل إلى عبدالناصر.



يهتف حورس:

ـ جمال عبدالناصر.

فدخل رجل طويل القامة واضح الملامح، عظيم الشخصية، ومضى فى سيره حتى وقف أمام العرش.

ودعاه أوزوريس إلى الكلام فقال:

ـ أنتمى إلى قرية بنى مر من أعماق أسيوط، ونشأت فى أسرة فقيرة من أبناء الشعب فكابدت مرارة العيش وشظفه، وتخرجت فى الكلية الحربية عام 1938، واشتركت فى حرب فلسطين، وحوصرت مع من حوصر فى الفالوجا، وقد هالتنى الهزيمة، وهالتنى أكثر جذورها الممتدة فى أعماق الوطن، فخطر لى أن أنقل المعركة إلى الداخل، حيث يكمن أعداء البلاد الحقيقيون، وأنشأت فى حذر وسرية تنظيم الضباط الأحرار، ورصدت الأحداث انتظاراً للحظة المناسبة للانقضاض على النظام القائم، وقد حققت هدفى فى 23 يوليو 1952، ثم تتابعت إنجازات الثورة مثل إلغاء النظام الملكى، وإستكمال استقلال البلاد بالجلاء التام، والقضاء على الإقطاع بإصدار قانون الإصلاح الزراعى، وتمصير الاقتصاد، والتخطيط لإصلاح شامل فى الزراعة والصناعة يستهدف خير الشعب وتذويب الفروق الطبقية، وبنينا السد العالى وأنشأنا القطاع العام متجهين نحو الاشتراكية، وكونا جيشا حديثاً قوياً، ونشرنا الدعوة للوحدة العربية، وساندنا كل ثورة عربية أو افريقية، وأممنا قناة السويس فكنا منارة وقدوة للعالم الثالث كله فى نضاله ضد الاستعمار الخارجى والاستغلال الداخلى، وحظى الشعب الكادح فى عهدى بعزة وقوة لم يعرفهما من قبل، ولأول مرة يشق طريقه إلى المجالس التشريعية والجامعات ويشعر بأن الأرض أرضه والوطن وطنه. وقد تربصت بى قوى الاستعمار حتى أنزلت بى هزيمة منكرة فى 5 يونيو 1976فزلزلت العمل العظيم من جذوره وقضت عليّ بما يشبه الموت قبل موافاة الأجل بثلاثة أعوام، وقد عشت مصريا عربيا مخلصا ومت مصريا عربيا شهيداً.

وتكلم الملك رمسيس الثانى فقال:

ـ دعنى أعرب لك عن عظيم حبى وإعجابى، وما حبى لك إلا امتداد لحبى لذاتى فما أكثر أوجه الشبه التى تجمع بيننا، كلانا يشع عظمة تملأ الوطن وتتجاوز حدوده، وكلانا جعل من هزيمته نصراً فاق كل نصر وكلانا لم يقنع بأعماله المجيدة الخالدة فأغار على أعمال الآخرين ممن سبقوه، وقد ساندنى الحظ بأن توليت عرش مصر وهى سيدة الأمم، أما أنت فحكمتها وهى أمة صغيرة وسط عمالقة، وقد وهبتنى الألهة طولا فى العمر وقوة فى الروح والجسد وضنت عليك إلا بالقليل فعاجلك الأجل قبل الأوان.

وتكلم الملك مينا فقال:

ـ ولكن اهتمامك بالوحدة العربية فاق اهتمامك بالوحدة المصرية فحتى اسم مصر الخالد شطبته بجرة قلم، وإضطررت العديد من أبناء مصر إلى الهجرة التى لم يمارسوها إلا فى فترات قهر عابرة!

فقال جمال عبدالناصر:

ـ ليس الذنب ذنبى إذا توهم بعض المصريين ان الوحدة العربية تعنى الضياع لهم، وليس الذنب ذنبى إذا تحققت أعمال مجيدة على يدى بعد أن عجز السابقون عن تحقيقها، فالحق أن تاريخ مصر الحقيقى بدأ مع 23 يوليو 1952.

وسرت همهمة بين الجالسين مضت تشتد حتى هتف أوزوريس:

ـ النظام والهدوء أيها السادة، افسحوا صدوركم لأى قول يقال..

قال أبنوم:

ـ اسمح لى أن أحييك بوصفى أول ثائر من فقراء مصر، وإنى لأشهد لك بأن الفقراء لم ينعموا بالأمان والأمل فى عهد بعد عهدى كما نعموا فى عهدكم، ولا مأخذ لى عليك إلا إصرارك على أن تكون ثورتك بيضاء على حين كان يجب أن تجرى الدماء فيها أنهاراً!

فتساءل الملك خوفو محتجاً:

ـ ماذا يقول هذا السفاح؟!

فقال أوزوريس بحدة:

ـ تذكر أنك لست على عرشك، أعتذر.

فقال خوفو بخشوع:

ـ معذرة..

وقال الملك تحتمس الثالث:

ـ على الرغم من نشأتك العسكرية فقد أثبت قدرة فائقة فى كثير من المجالات إلا العسكرية، بل إنك لم تكن قائدا ذا شأن بأى حال من الأحوال!

فقال جمال عبدالناصر:

ـ تعذر عليّ النصر على جيش متفوق فى التسليح ومؤيد بأقوى دولة على سطح الأرض!

فقال أمحتب وزير الملك زوسر:

ـ كان واجبك أن تتجنب الحرب وأن تكف عن استفزاز الدول الكبرى..

فقال جمال عبدالناصر:

كان ذلك يتناقض مع أهدافى وقد خدعت أكثر من مرة.

فقال الحكيم بتاح حتب:

ـ إنه عذر أقبح من الذنب.

وقال سعد زغلول:

ـ لقد حاولت أن تمحو اسمى من الوجود كما محوت اسم مصر، وقلت عنى إننى أعتليت الموجة الثورية عام 1919، فدعنى أحدثك عن معنى الزعامة، الزعامة هبة ربانية وغريزة شعبية، لا تلحق بإنسان مصادفة ولا كضربة حظ أعمى، والزعيم المصرى هو الذى يبايعه المصريون على اختلاف اديانهم وإلا لم يكن زعيماً مصريا ابدا، إن جاز أن يكون زعيما عربيا أو إسلاميا، بيد اننى رغم ذلك لم أضمر لك الرفض، واعتبرت تجنيك عليّ نزوة شباب يمكن التسامح معها نظير ما قدمت من خدمات جليلة، لقد قامت الثورة العرابية فناضلت نضالا كريما واحبطت إحباطا أليما، وقامت ثورة 1919 فحققت من المآثر ما شهد به التاريخ ولكن تكاثر أعداؤها حتى أجتاحها حريق القاهرة، ثم جاءت ثورتك فتخلصت من الاعداء وأتمت رسالة الثورتين السابقتين وبالرغم من أنها بدأت كانقلاب عسكرى إلا أن الشعب باركها ومنحها تأييده، وكان بوسعك أن تجعل من الشعب قاعدتها وأن تقيم حكما ديمقراطيا رشيدا، ولكن اندفاعك المضلل فى الطريق الاستبدادى هو المسئول عن جميع ما حل بحكمك من سلبيات ونكبات..

فقال جمال عبدالناصر:

ـ كان يلزمنا فترة انتقال لتحقيق الأسس الثورية..

فقال مصطفى النحاس:

ـ حجة دكتاتورية واهية طالما سمعناها من أعداء الأمة، كان بين يديك قاعدة وفدية شعبية أنهلت عليها بدباباتك وعجزت عن إقامة بديل عنها فظلت البلاد تعانى الفراغ ومددت يدك إلى المنبوذين من الأمة فوقعت فى تناقض مؤسف بين عمل إصلاحى يعتبر فى روحه امتدادا لروح الوفد وأسلوب حكم يعتبر امتدادا لحكم الملك والأقليات، حتى قضى أسلوب الحكم على جميع النيات الطيبة!

فقال عبدالناصر:

ـ الديمقراطية الحقيقية كانت تعنى عندى تحرير المصرى من الاستعمار والاستغلال والفقر..

فقال مصطفى النحاس:

ـ وأغفلت الحرية وحقوق الانسان، ولا أنكر أنك كنت أمانا للفقراء ولكنك كنت وبالا على أهل الرأى والمثقفين وهم طليعة أبناء الأمة، أنهلت عليهم اعتقالا وسجنا وشنقا وقتلا حتى أذللت كرامتهم وأهنت إنسانيتهم ومحقت إيجابيتهم وخربت بناء شخصياتهم والله وحده يعلم متى يعاد بناؤه، أولئك الذين جعلت منهم ثورة 1919 أهل المبادرة والإبداع فى شتى المناشط السياسية والاقتصادية والثقافية، بل أفسد الاستبداد عليك أجمل قراراتك، انظر كيف فسد التعليم وتفسخ القطاع العام، وكيف قادك التحدى للقوى العالمية إلى الهزائم المخجلة الفادحة ولم تفد من الرأى الآخر ولم تتعظ بتجربة محمد على، وماذا كانت النتيجة؟.. دوى وجلجلة وأساطير فارغة تقوم على تل من الخرائب..

فقال عبدالناصر:

ـ لقد نقلت وطنى من حال إلى حال كما نقلت العرب وسائر الأمم المغلوبة على أمرها، وسوف تعالج السلبيات حتى تزول وينساها الزمن ويبقى ما ينفع الناس، وعند ذاك يقر الناس بعظمتى الحقيقية..

فقال مصطفى النحاس:

ـ ليتك تواضعت فى طموحك، ليتك عكفت على إصلاح وطنك وفتح نوافذ التقدم له فى شتى مجالات الحضارة. إن تنمية القرية المصرية أهم من تبنى ثورات العالم، إن تشجيع البحث العلمى أهم من حملة اليمن، ومكافحة الأمية أهم من مكافحة الامبريالية العالمية، واأسفاه لقد ضيعت على الوطن فرصة لم تتح له من قبل، فلأول مرة يحكم ابن وطنى من أبناء البلاد دون مناوئ من ملك أو مستعمر، ولكنه بدلا من مداواة ابن وطنه المريض دفع به إلى مباراة البطولة العالمية وهو ينوء بأمراضه فكانت النتيجة أن خسر البطولة وخسر نفسه..

وهنا قالت إيزيس:

ـ إن فرحتى برجوع العرش إلى أحد أبنائى لا تقدر، وإن أعماله الجليلة لتحتاج إلى جميع جدران المعابد لتسجيلها، أما الأخطاء فلا أدرى كيف أدافع عنها..

فقال أوزوريس:

ـ لو كانت محكمتنا هى صاحبة الكلمة الأخيرة فى الحكم عليك لاقتضانا العدل تأملا وعناء طويلين، فقليلون من قدموا لبلادهم مثلما قدمت من خدمات، وقليلون من أنزلوا بها مثلما أنزلت من إساءات، ولكن بالنسبة لأنك أول من يجلس على عرشها من أبنائها، وأول من يخص الكادحين برعايته، فإننا نسمح لك بالجلوس بين الخالدين لحين انتهاء المحكمة، وستذهب بعد ذلك إلى محكمتك مؤيدا بتزكية مناسبة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق