رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«بنات الحور»..
قمع السكر.. معالى زايد

محمد محمد مستجاب

معالى زايد: الشهية كقرص طعمية ساخن فى صباح شتوى، الخجلة كتلميذه تتلقى أول رسالة من ابن الجيران، الجميلة كأحلام اليقظة، الحانية كأمهاتنا، الطيبة كبدايات الشهر، المراوغة كالقمر، الماكرة كالصحراء، القوية كالأطفال، الحارة كقميص امرأة منهوكة.

هكذا زاب وتحلل « قمع السكر» وفاض علينا، جاء لنا ساخنا وشهيا وحلو المذاق، يقدم لنا الوجه المضطرب والعيون المظلمة والشفاه المرتعشة فى قلق قديم وعميق فى عمق تراثنا العربى لامرأة تربت فى كنف رجل ولا تستطيع أن تبتعد عنه، إنها تشمه، تتحسسه فى ملابسه الملقاة، فى عرقه، فى كفاحه وتعبه، تجمعه كل ليلة فى فراشها كجدتها إيزيس لتكتشف مع أول شعاع للشمس إنه ليس حبيبها أو رجلها المطلوب رغم وجوده بجوارها، فتعاود البحث وجمع الأجزاء مرة أخرى، تراه بعيونها المدفونة داخل قلبها، تقول عيونها الصامته أكثر ما تقوله كلمات الحوار على شفتيها؟، تتفجر بقلق دائم على زوجها، حبيبها؟، إنها المرادف التام للأنثى عندما تقلق فى تلك الحياة، فقلبها القلق يظهر على كل تقسيمات وجهها، تساعدها يديها وهى تقوم بتقطيع أرغفة الخبز كى تعبر عن حيرتها الدائمة، ولينضح وجهها بحبات العرق القلقة بحثًا عن الزوج الحبيب.

هكذا أطلت علينا «فاطمة» فى «دموع فى عيون وقحة»، لتقدم لنا نموذجا جديدا للأنثى، فلا يعوق أى أنثى شيء عن تحقيق حلمها، وهو الدخول فى حضن الحبيب – الزوج، سواء كان عجزًا كفقد البصر أو مرضًا كعجز الزوج، فبهذا الأمل العاجز جذبتنا « سلوى» فى فيلم « للحب قصة أخيرة» وهى تدخل الجزيرة المعلونة لتضع الطقوس بحثًا عن علاج زوجها.

إنها قنديل بفتيل ذابل لفنارة الجزيرة، تلك الفنارة التى لم تر شيئًا أمامها من كثرة الضباب والخرافات والدجل، لكنها تريد أن تؤمن أو تؤمّن لزوجها امتدادًا بذرية رغم مرضه.

فتظهر لنا بوجهها تلك الجزيرة الغامضة، لنشاهد تناقض العلاقات الإنسانية، إنها سكر الحب ضد ملح الكراهية، فكل شيء فى هذه الجزيرة واضح لدرجة الغموض، وكل شيء صادق حتى يستولى عليه الزيف، فلم يفلح ضوؤها فى تفتيت الخرافة، فيموت الزوج فى الختام.

لكن هذا القلق والعجز تحولان إلى الحرمان الكامل الذى تفجره «كريمة» فى فيلم « الشقة من حق الزوجة»، تلك الزوجة التى لم تعى وتفهم معنى البيت وبالتالى انهار بسبب سيرها خلف والدتها، لكن أثناء هذا التهور الأنثوى المعروف، ينهشها الحرمان كأنثى وكأم، فتلتقى مع زوجها، طليقها – رغم إنهما أغراب ويعيشان تحت سقف واحد، نرى الحرمان وهى تقبل ملابسه، تتحسس فرشته، تبحث عنه ولا يفصل بينهما إلا جدار من الغباء والعناد.

لقد جاء هذا اللقاء وهى تخرج من الحمام شبة عارية ومبتله على صراخ طفلتها الرضيعة - وكأنه جرس إنذار يدك مسامعنا، فتجد الزوج يحمل طفلته، يلتقى الاثنان، بشوق بركان يريد أن ينفجر، وبعطش أنثى تتفتت ذرات جسدها كل ليلة لآن فرشتها خاليه من زوجها.

فتلقى بكل ذلك عندما تجده أمامها، تتحول الرعشة القلقة إلى رعشة شبقة، فماذا تفعل القوانين عندما يطلق رجل زوجته بينما القلوب لا تعرف هذا الطلاق، والأجساد لا يسد طريقها أى مانع لانها تحمل كل هذا الشوق.

هنا أخرجت معالى كل أنوثتها المصرية لتعبر لنا عن قمع السكر الذى يريد أن يذوب، والذوبان لا يأتى بالماء بل بحرارة اللقاء، وحرارة العودة، وحرارة الشوق المدفون.

ولقدرة قمع السكر على التحلل والتجمع كيفما يشاء، تقوم معالى بعملية طبية لتحولها إلى رجل، يرتدى النظارة الطبية وملابس الرجال، ولتخبرنا فى فيلم «السادة الرجال» بأنها رجل حقيقى ليس فى الملابس أو قصة الشعر بل فى التصرفات الذكورية التى تبدأ فى فرضها على زوجها السابق، لكن هذه الذكورية الناقصة تفضح داخلها الحقيقى أى الأنثى، رغم حدتها فى كثير من المشاهد، لتخبرنا بأن الأنثى أنثى والرجل رجل، ويعبر عن هذا عندما تغار على زوجها السابق، أو عندما تجد زوجها عاجزًا عن رعاية الطفل.

إن الأنثى الطاغية التى حملتها عالى زايد بداخلها جعلتها تتشكل وتتلون فى كثير من الأدوار، بل أننا نراها قلب البيضة التى تتفتت ليس على حجر بل على حبيبات الحب، وهذا ما وضعته فى فيلم «البيضة والحجر»، فبينما نرى إمرأة سليطة اللسان لا تطاق، فقيرة وجاهلة وبائسة، تخاف من الحسد والأعمال السحرية، وتلقى خلف كل جملة مثلا شعبيا، تتحول إلى امراة كاملة فى الختام، فقد جاء وجهها حاملا الحب وليس شيئا آخر.

هذا الحب الذى يتلألأ فى عيونها كلما هرب من بين جوانب قلبها، فالحب لا يعرف الفرق بين جاهل أو غنى أو رئيس، فشخصية «زنوبة» فى مسلسل «بين القصرين»، ورغم أن هذا الدور قد قدم من قبل كخادمة الراقصة « السلطانة زبيدة – قامت بالدور نعمت مختار – خادمة مها صبري- إلا أن معالى زايد أزابت فى هذا الدور مزيدًا من السكر، بل أشعلت أسفله كثيرًا من الحطب، ليظل هذا الدور مشتعلا فى صدورنا، فقد جاءت بغنج ودلال ودلع بعيدًا عن أى إسفاف أو تهاون، بل قدمته كأنثى تبحث عن زوج وتريد أن ترتبط برجل ينتشلها من هذه البئر الماجنة حتى ولو كانت مياه البئر هى مياه المحاياة.

أى انه بداخلها تلك الآثنى التى ستدلك على السكة وتفتح لك الباب فى منتصف الليل كى تتلقى منها قبلة ساخنة لا تنسى.

إن السمار المصرى القديم الذى حملته بشرة معالى زايد وتناسق قوامها وجرأة نظرات عيونها وطبقات صوتها المتعددة، وكأنها تذكرنا بجذورنا وهويتنا، فهى رائحة محببة لأنوفنا، كرغيف خبز حام يسد فما جائعا أو دقة طرشى تفتح الشهية لوجبة دسمة، أو فحل بصل يجعلنا نبتلع اللقمة الفقيرة، إنها ملاية لف تهتز وتتراقص فى دلالال وهى تسير بين أروقة وشوارع السيدة زينب والناصرية وشارع السد، عيناها تتقافز على المحلات والبشر والمسجد العتيق، تتشاكس وتمرح وتتعارك، وأحيانا يناديها الشوق فتهرع إلى عتبات المقام الطاهر لتدعوا لنفسها بالزوج ولأفراد أسرتها بالستر ولأعدائها بأشد المصاب.

إنها صاحبة الوجه الذى يكره الماكياج، فوجهها يستطيع أن يتحول لأنثى تتلقى أول شعاع للشمس، ثم تلميذة تحتضن حقيبتها فى منتصف النهار، ثم موظفة أو عالمة فى العصر، بعدها تتحول لمتسولة فى غروب الشمس، وعندما يبدأ القمر فى الظهور تتحول إلى راقصة أو خادمة، ثم تعود لأمومتها مع أول شعاع للشمس مرة اخرى.

إنها الأنثى التى ظللنا نبحث عنها كى نستريح فى «الليلة الموعودة» على فراشها، ولكن هذه الليلة لم تأت ابدًا، لتخبرنا على لسان والدها « ضياع العمر» فى البحث عن حبات السكر وفشلنا الدائم فى صنع قمع سكر يقوم بتحلية أيامنا المرة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق