رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حلم الضابط الامريكى

قصة: جبار ياسين ترجمة: عاطف محمد عبد المجيد

كان يمكن أن تكون هذه الواقعة عادية، لو لم تكن توجد هناك نبوءة. بدأ كل شىء بحلم منذ وقت طويل، فى مكان آخر قَصيّ.لم يُرَ فى الحلم لا وجه ولا رُتْبة، كما لو كان كل شىء يُرى من بعيد. كانت رأس الضابط الأمريكى تظهر وسط الأشجار، كانت هيئتها تذكّر بهيئة ممثلى سينما الخمسينيات.كان اللقاء فى حديقة غامضة، أشجارها ضخمة، ترسم ظلالاً على أرض خضراء، اُعْتنيَ بها جيدًا، وتمتد إلى ما لا نهاية.كان كل شيء رماديًّا محْمرًّا كأنه كان وقت هبوط الغسق. كنت أرانى واقفًا، لا أزال شابًّا، أكتسى بالأسود. كانت بقايا المحادثات تدور حول حرائق معامل تكرير بغداد، وبعض التلميحات عن كهوف ما قبل التاريخ.


فجأة توارى وجه الضابط، فوجدتنى وسط ميدان دائرى، تحيط بى منازل خاوية على عروشها.كان صوت صفارات الإنذار يُدوّى، وراحت السماء تُظلم، وبعض الطائرات القاصفة تمر وهى تشعل السماء.صرختُ:

- معامل تكرير بغداد تحترق!

والتففت بغبار الميدان الخاوى.

..................................

بعد ذلك بسنوات، كنت أجرجر قدميَّ وسط الأنقاض، كنت أعبر الشوارع التى احترقت واجهات منازلها، وحيث كانت السماء تضطرم جراء ذهاب وإياب الطائرات وطائرات الهليكوبتر. مارًّا بالميدان الدائرى، كنت أشم رائحة الحرب وصيحات السكان الذين يصفون رحيل الأدخنة التى تجعل السماء حالكة السواد.

عدت إلى بغداد عام 2003، ذات ظهيرة، عَقب غياب دام لسبعة وعشرين عامًا.المكان الذى كنت فيه كان حقيقيًّا، وللمرة الأولى، كنت أرى دوريات الجنود الأمريكان تتبع أقدامى التى كنت أعتقد أنها طاهرة.

رأيت عائلتى، وبعض الأقارب، وهكذا انقضى أسبوع. اجتاحتنى الرغبة فى رؤية البيت الذى ولدت فيه مرة أخرى فى الأسبوع الثانى.كنت أعلم أن البيت كان قد هُدّم، يوم أن كنت فى الرابعة من عمرى.كنت أحتفظ بأمواج من ذكريات الجرافات الصفراء التى كانت تشبه حيوانات ما قبل التاريخ وهى تلتهم الجدران.كانت تُحْدث صخبًا فظيعًا، وأنا أتخيل تنفس هذه الوحوش. كان لزامًا إذن الذهاب إلى ما صار بعد دخول الأمريكان، « المنطقة الخضراء «.كان هذا مستحيلاً، لقد حظر الجنود الأمريكان دخول أى شخص لا يرفع شارة النجاة التى منحتها مصلحتهم الإدارية. أصبح وجود المنطقة ملموسًا، أكثر مما كانت عليه حتى فى عهد صدام حسين.كان مراسلون من التليفزيون الفرنسى يرافقوننى كى يصوروا معى فيلمًا تسجيليًّا فى هذا المكان، حيثما ولدت منذ سبعة وأربعين عامًا.كانت هذه آنذاك منطقة متواضعة، كانت بساتين الخضراوات تفصل ما بين البيوت التى كانت تحاذى نهر دجلة.

شرحت هذا للضابط الأمريكى الذى لم تكن لديه نية لأن يسمع شيئًا. مواجهة دامت بينه وبينى لعدة لحظات.

- لقد ولد هنا، وله الحق فى أن يرى هذا المكان مرة أخرى! احتج أحد المراسليْن، لكن من دون طائل.

بعد عدة أيام، قابلت ديفيد جروس، مصور أمريكى، لطيف وفضولى فى الوقت ذاته.تعرفت إليه فى فندق الحمراء، معسكر تجمّع الصحفيين من كل أنحاء العالم.بسرعة صرنا صديقين، تناولنا القهوة معًا، دعانى إلى نزهة إلى القصر الرئاسى.حتى إننا ذهبنا إليه بعد الظهر.كنا متلازمين بامتداد الشارع الرئاسى الذى كان أيضًا نظيفًا تحفّه الأشجار.الحق يُقال إننا دخلنا دون صعوبة. فيما كان ديفيد يثرثر مع ضابط، كنت أسير رويدًا رويدًا كأننى أريد أن أستعيد كل لحظة من لحظات سنواتى الأربع التى عشتها فى هذا المكان. كنت أعلم أن البيت لم يعد كائنًا هناك، ولم أكن قادرًا على تحديد المكان الدقيق حيث كان يوجد البيت. غير أنى كنت أدرك أننى على مقربة من المكان الذى كنت ألعب فيه فيما مضى، مُرتبًّا القراميد بعضها فوق بعضها الآخر، متخيلاً نفسى مهندسًا معماريًّا.

كان الجنود الأمريكان ينجزون عملهم الرتيب فى ذهاب وإياب الدوريات، كانوا يتوقفون من وقت لآخر وينظرون دون أن يوجهوا سؤالاً.

آنذاك كان ديفيد جروس بمفرده، بعد أن انفصل عن الضابط، ليس بعيدًا عنى، وبينما كان هو يلتقط بعض الصور لأشياء صغيرة مبعثرة أرضًا، رحت أنا أُحصى عددًا من الذكريات.

- ذات يوم، كنت على وشك الغرق فى النهر.. كنت أسبح مع أبى، حين انغرزت فى الماء.منذ ذاك صار نهر دجلة يخيفنى.

ابتسم ديفيد، توقف ليتحدث مع جنود ملامحهم آسيوية. كان أحدهم يصلى بجوار سيارة ﭽيب.

..................................

حين وصلنا إلى المدخل الرئيسى للقصر، توقفنا أمام التماثيل الأربعة الضخمة لصدام حسين، التى كانت تشير إلى الجهات الأربع. لم نتمالك أنفسنا من الضحك. كان الهدوء يعم المكان، كما لو أن الحرب لم تمر من هناك. حتى إن الجنود كان يبدو عليهم كأنهم خارجين من قيلولة.

اقتربنا من جندييْن أسودين كانا جالسين فى نقطة تفتيش مغطاة بشبكة للتمويه. لوحت بإشارة مادًّا يدى اليمنى، فردّ أحدهما عليّ محركًا رأسه، ثم دخلنا نطاق القصر.

كان كل شيء منظمًا.كانت الأرض خضراء، وكان العديد من صفوف أشجار الورد من كل الألوان مُزْهر.عدة نافورات هنا وهناك تروى العشب تحت الشمس نهايةَ هذه الظهيرة.

- كان البيت فى مكان ما هنا، فى هذه الحديقة الكبيرة. قلتها لديفيد.

- ربما هناك.

وأشرت بسبّابتى إلى صف ورد دائرى. ابتسمنا.بعيدًا، وبجوار النهر، كان هناك العديد من الكراسى الطويلة المتناثرة، وكان رجال عراة النصف العلوى يتمددون بجانب الثلاجات.تمر امرأة شقراء ترتدى فستانًا أزرق مكشوف الصدر، تحمل بعض الملفات بين يديها، تُلقى علينا نظرة خاطفة، ومرافقى يرسل إليها ابتسامة. كنت أقول لديفيد جروس إنهم تقريبًا كانوا فى إجازة، فرد عليّ:

- تقريبًا، لأن الحرب لم تبدأ بعد.

منذ أن التقيته فى الفندق ونحن متفقان معًا، فى أن الحرب لم تبدأ بعد، درجة أنها كانت أسرع من كونها حربًا.

كنا قد توغلنا فى الحديقة معجبين بأشجارها القصيرة، ومبانيها الملحقة بالقصر، والتى بُنيت بالأحجار البيضاء على الطراز الشرقى، لحظة أن قابَلَنا رجلا عسكريا عارى النصف العلوى. كان يسير مسرعًا، ناظرًا فى الأرض، له شارب كثٌّ كممثلى السينما الصامتة، وذقن حليق تمامًا، حاملاً فى يده كأسًا ومسقاة صفراء.فجأة توقف محيّيًا إيانا بالإنجليزية. قدّمنى له مُرافقى.رحنا نتبادل النظر صامتين.

بدأ المساء يلوح فى أفق السماء، وأنا أتفرس الرجل الذى أمامى، عاودنى الحلم.كأن الآخر أمسك بخيط أفكارى، نظر إليّ، دعانا للشراب. تقدم هو دون أن ينتظرنا، ونحن تبعناه. مررنا بين صفوف من الأشجار القصيرة، طلب منا أن ننتظر برهة.اختفى داخل مبنًى ثم عاد يكسوه قميص عسكرى، تُزيّنه قلنسوة. كان يحمل ثلاث زجاجات جعة، قادنا نحو طاولة بيضاء داخل الحديقة.

- لقد ولد هنا، قبل أن يُشيّد القصر. كان بيته هنا، فى مكان ما. قالها ديفيد.

- أصحيح هذا؟

- نعم.. وفق الأسطورة. رددتُ.

- لكن أيّة أسطورة؟

- أنت تعرف هذا.. لكل منا أسطورته الخاصة. ولدتُ هنا منذ سبعة وأربعين عامًا، فى منطقة متواضعة، لم تعد موجودة الآن. كان هذا تمامًا قبل إقامة القصر.

- نعم.. سمعت من يقول إنه كان قصر الملك السابق.

- نعم كان هذا هو القصر الملكى، ثم القصر الجمهورى، وبعدها قصر صدام.أنا على علم بالفترتين الأولى والثانية.حينما استولى صدام على هذا القصر، كنت أنا منفيًّا فى فرنسا. يومها كان عمرى واحدًا وعشرين عامًا.

راح ديفيد يشرب جعته لحظة أن دعانى الضابط الأمريكى للشراب، فاضًّا غطاء زجاجته.

- أيمكنك أن تحضر لى كأسًا؟ أنا لا أجيد شراب الجعة هكذا.

- من أجل هذا بالضبط جُعِلتْ الجعة!

- أعرف, لكنى لا أعرف كيف أشرب بطريقة أخرى.

نهض وراح يبحث عن كأس فى جراب وُضع إلى جوار ثلاجة مهجورة. عاد ثانية.كنا قد أخذنا فى الشراب على مهل, وهو ينظر إلينا. حكى ديفيد حياتى وفق ما سمعه أثناء الظهيرة، فى حين أن الضابط لم يرفع عينه عنى. بلغ أزيز طائرة هليكوبتر كانت تطير فوق رصيف مرتفع، حيثما كنا.

نهض الضابط, نظر خلف صف الأشجار القصيرة, ثم عاد إلى مكانه معتذرًا.

- بلدك فى غاية الجمال, قطعة من التوراة. قالها باحترام.

- وهو كذلك بعيد جدًّا.

راح يضحك, فيما يضيف ديفيد أننا أبعد ما نكون عن أمريكا.

- حلمٌ أن أكون هنا.

- لكن كل شىء هنا حلم. أجبت.

- منذ ثلاثة أشهر وأنا أتقدم فى هذا البلد، ببطء. وقت أن توقفنا فى الكويت, كنت أعتقد أن هذه ليست هى العراق.

- أنت تعرف, أن هذا هو الشىء نفسه بالنسبة لى.بعد سبعة وعشرين عامًا, كل شىء مختلف, وبعد سبعة وأربعين عامًا, أكون على مقربة من بيتى الذى ولدتُ فيه, ولست قادرًا على تحديد المكان الذى كان يوجد فيه بالضبط.حين نكون بعيدين, تنقصنا الدقة.

- أدرك هذا, أجابنى بنبرة غريبة.

عمّ الصمت المكان, ثم راح ديفيد يحكى رحلة تجواله إلى جانب أفواج أمريكية.غير أن الضابط قاطعهُ متوجهًا نحوى.

- وأنت, ما رأيك فى هذا؟ أنا، أنا لا أفهم ما الذى يجرى فى هذا البلد.

إنه الهرج والمرج.. ستة آلاف عام من التاريخ تلك التى تراها ممتزجة هنا.. ليس سهلاً عليك أن تستوعب هذا.

- نعم، معك حق.غير أنى طويتُ أكثر من ستمائة كيلومتر من الجنوب

حتى بغداد. تقدمنا كثيرًا لكننا لم نوفّق فى أن نفهم.

- أنت طويت قرنين هنا، فى أمريكا، لا تزال تلزمك ثمانية وخمسون قرنًا كى تفهم.

ونحن نجوب الشارع الرئاسى، فهمت الكثير من الأشياء عن حياتى.. لكن ليس كلها بعد.

- هل تتحدث بجدية؟

- نعم. أحتاج إلى وقت كى أفهم.حتى إنى لست متأكدًا.

- لست متأكدًا من ماذا؟

- أن يمكنك الذهاب إلى ما هو أبعد.أنت فى حدود الإمبراطورية، حيث تختلط كل الأشياء، وحيث نتخيل الظلال أجسادًا.

مرة أخرى عم الصمت المكان.يُخرج ديفيد كاميرا فوتوغرافية من حقيبته، ومشعلاً.شرع فى التقاط صور لأيدينا الموضوعة على الطاولة.راح المساء يهبط أكثر فأكثر، وامتلأت الحدائق من حولنا بجنود كانوا يتحدثون بصوت عالٍ.

راح الضابط يتحدث.

- حينما كنت شابًا، رأيت حلمًا.كنت فى حديقة كبيرة فى بغداد، حيث كانت هناك سيدات يرقصن، وسحرة يتنزهون.كانت هناك قوافل من الإبل تمر، وملك فوق عرش يُظهر ساعات يد قارئًا المستقبل فى كتاب ضخم مفتوح أمامه. ومنذ ذلك الحين وأنا تسكننى رغبة المجيء إلى بغداد. لكنى لم أكن أعتقد أننى سأجيء كضابط فى جيش الولايات المتحدة الأمريكية.هذا شىء غريب.

رتّل الجملة الأخيرة كأنه كان يقرأ صفحاتٍ من كتاب مفتوح أمامه. كان مشعل ديفيد جروس يومض فوق أيدينا المرفوعة، أو بالأحرى الموضوعة على الطاولة.

- أرى أنك يجب أن تعود مرة أخرى.قالها كما لو كان يستيقظ من حلمه، مضيفًا:

- سأستدعى لك جنديًّا ليرافقك حتى الخروج من المنطقة الخضراء.

اختفى ثم عاد ومعه جندى شاب.كف ديفيد عن اللعب بالضوء الأزرق وبالكاميرا الفوتوغرافية. كان الوقت ليلاً، وكان هناك القليل من النجوم فى سماء بغداد المغطاة بالغبار فى تلك الليلة.قبل مغادرة الأماكن، ألقيت نظرة على الضابط الذى كان ينظر إليّ وكأنه يحاول أن يتبيّن وجهى من بين تلك الوجوه التى رآها فى حلمه.

--------------------------------


جبار يس

جابر ياسين

.. كاتب وروائى عراقى، يكتب، بالفرنسية وبالعربية، ويقيم فى فرنسا منذ ما يزيد على أربعين عامًا.له العديد من الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية، ترجمت أعماله إلى لغات كثيرة كالإسبانية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية والهندية وغيرها.مُنح جوائز أدبية أوروبية عديدة.فى إيطاليا يرى بعض النقاد، وبقوة، أحقيته فى الفوز بجائزة نوبل.وقد تُرجمت هذه القصة إلى لغات عديدة ولاقت صدًى واسعًا تمثل فى كتابة عدة مقالات عنها فى الصحافة العالمية، خاصة أنها كانت نبوءة لحرب الخليج، إذ كتبت القصة قبل العدوان الأمريكى على العراق.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق