رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشرق الفنان

د.دعاء قرنى;

العالم عبارة عن طرفين مختلفين ووسط من حيث النظرة إليّ الوجود احدهما يتمثل فى « الشرق الأقصى « الصين والهند وما يجاورهما والآخر هو « الغرب» أوروبا وأمريكا ووسط الطرفين الشرق الأوسط الذى يجمع بين طابعيهما.

هذه فكرة كتاب «الشرق الفنان» للدكتور زكى نجيب محمود.. حيث قدم فيلسوفنا دراسة مقارنة بين طابع كل من الشرق والغرب والشرق الأوسط، وصف طابع الشرق الأقصى بالنظر إلى الوجود الخارجى ببصيرة ونظرة تعتمد على اللمسة الذاتية المباشرة، بينما الطابع الغربى ينظر إلى الوجود بعقل منطقى تحليلى. وأكد مفكرنا أن هذه التفرقة تجعل من الشرقى فناناً يدرك الحقيقة بذوقه ومن الغربى عالماً يدرك الحقائق بالمشاهدة والتجربة والتحليل، ولكن كل هذا لا يمنع من وجود علماء فى الشرق ووجود رجال فن ودين فى الغرب وقد استنبط هذا التحليل مما هو شائع من وصف الشرق بالروحانية ووصف الغرب بالمادية.

أما الشرق الأوسط فقال: إن الطرفين التقيا فيه طوال عصوره التاريخية فقد تجاور الدين والعلم فى حضاراته القديمة وكذلك الفن والصناعة إليّ جانب أن الله سبحانه وتعالى جعله مهبطاً لجميع الديانات السماوية وهكذا جعل أهل الشرق الأوسط ينظرون للوجود بالنظرتين معاً الروحانية والعقلية المنطقية.

وأكد المؤلف استخدامه كلمة «الفن» بأوسع معانيها؛ ويقصد بها أن ينظر الإنسان إلى الوجود الخارجى كأنه خطرة من خطرات نفسه أو نبضة من نبضات قلبه هذا بخلاف العلم النظرى الذى تتم نظرته للعالم فى خطوتين الأولى انطباع حواسه به انطباعاً مباشراً وفى الثانية يستخلص من معطياته الحسية نظريات وقوانين يصور بها الظواهر والأحداث!

فالوجود بالنسبة للدكتور زكى نجيب محمود له نظرتان مختلفتان: نظرة الفنان الذى يمس الكائنات بروحه ونظرة العالم النظرى الذى يقيم بينه وبين الكائنات حاجزا من قوانينه ونظرياته وكما قال «أن الله سبحانه وتعالى أراد للإنسان أن تكون له النظرتان معاً فبالنظرة العلمية إلى الأشياء ينتفع وبالنظرة الفنية ينعم.. وقد تسود إحداهما شعبا والأخرى تسود شعباً آخر أو قد تشيع إحداهما عصراً بينما تشيع الأخرى فى عصر آخر «.

وفى تحليله لاسم «الشرق» أوضح أنه ليس بالبلد الصغير بل هو أقطار متباعدة وتفصل بينها آنا شم الجبال وكذلك الصحارى والبحار.. وأن التشابه ليس ظاهراً بين أهل الشرق الأوسط وأهل الهند وأهل الصين واليابان وما يسمى « المدنية الشرقية» فى حقيقته هو بناء مركب كثير التفاصيل معقد العناصر متشعب الأصول والفروع.

كما شبه الفرق بين ثقافة الغرب وثقافة الشرق التقليديين بذات الفرق بين الرأس والقلب والعقل والوجدان وبين الحياة توصف لغير صاحبها والحياة التى يحياها صاحبه.. واسترسل الكاتب خلال تقسيمات الكتاب فتناول مصر القديمة مبيناً أن الدين لديهم هو عماد الحياة ومحور الأدب والفن وأساس النظام الاجتماعى كله.. فمصدر الحياة مقدس نباتاً كان أو حيوانات وعقيدة المصرى تتمثل فى الخلود والنيل الذى يفيض ثم يفيض بالحياة و يحيا معه النبات فى الربيع والصيف بعد أن مات بالخريف والشتاء وكيف لا يكون الخلود أيضاً للإنسان الذى يعود للحياة بعد موت ليعيش حياة الخلود فى فردوس السماء بشرط ألا يكون قد اقترف فى حياته من الإثم ما يستلزم بقاء جسده فى قبره ظمانا جائعا.. وأضاف أن المصرى القديم بلغ من نظرته الروحانية الفنية ذروتها فى شخص « أخناتون» الذى ربما كان أول إنسان فى الوجود أدرك الوحدانية بالبصيرة لا بالبصر وبالروح لا بالبدن.

أما فى الهند فوحدة الوجود بادية فى كل كلمة ينطق بها الهندى وفى كل نفس يتنفسه نراها فى دينه وأدبه فالهندى يمزج نفسه بمحيطه الطبيعى مزجاً فيؤاخى بينه وبين الحيوان كأنهما أسرة واحدة هى أسرة الحياة على حد تعبيره.. والعالم الخارجى عند الهندى دار تعج بالأرواح الكثيرة التى تستكن فى الصخور وتدب فى الحيوان وتسرى فى الأشجار وتعمر الجبال والنجوم فحتى الثعابين والأفاعى مقدسات لأنها آيات ناطقة بالحياة المقدسة فأقدم آلهة ذكرتها « أسفار الفيدا» هى السماء والشمس والأرض والنار والضوء والرياح والماء وجعلوا السماء أباً والأرض أماً والنبات كان ثمرة التقائهما بواسطة المطر!!

ثم انتقل إلى ثقافة الصين حيث رأى أن اللغة الصينية لها من الخصائص ما يدل على طابع الشرق كله فهى لغة مثقلة بمضمونها الفنى بالإضافة إلى كونها رموزاً تشير إلى مسمياتها ولذلك فهذه اللغة تشير إلى جزيئات العالم الخارجى المحسوس وليس إلى خواطر المتكلم.. وهذا هو ذلك الطابع الذى يميز كتابات « كونفوشيوس « حكيم الصين فعباراته تنساب انسياباً مرسلاً وكان يتحدث بما تقتضيه المناسبات لا بما تحتمه مبادئ المنطق الصورى ولهذا فلا تتوقع أن تجد فى أقواله تعميمات نظرية مجردة كما عند أصحاب النظرية العلمية.

وفى الجزء الأخير من الكتاب استخلص أن روح الشرق وسره هما فى إدراك الجوهر الكونى الواحد المتصل الذى لا تجزئة فيه ولا تباين وان المذهبين الشرقى والغربى يسيران فى طريق واحد من الإنكار والنفى وإذا كان بوذا فى الشرق وباركلى فى الغرب كلاهما قد جعل الحقيقة ذاتية.

وأخيراً يعتقد كاتبنا العظيم أن التفكير الفلسفى فى أمة من الأمم مفتاح مهم لفهم طبيعتها فليس من المصادفة أن نرى الفلسفة الفرنسية والفلسفة الإنجليزية تجريبية حسية والفلسفة الألمانية ميتافيزيقية مثالية والفلسفة الأمريكية براجماتية عملية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق