رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سيرة حياة وقصة عقل

صلاح سالم;

يكاد يمثل زكى نجيب محمود (رحل عن عالمنا قبل خمسة وعشرين عاما من اليوم) فى الفكر العربى ما يمثله نجيب محفوظ فى الأدب العربى، فكلاهما يجسد النموذج الكلاسيكى للمبدع الذى يصبغ عصره بصبغته هو فيكون عَلما عليه. وكلاهما طال به العمر وكثر إنتاجه وصاغ مدرسته على مهل وفى حكمة، على عكس آخرين لم تنطو مواهبهم على حكمة الاستمرار وملكة الانتظام فكانوا كالشهاب الخاطف سرعان ما ينطفئ.

......................................................................

وكلاهما أيضا عاش مراحل إبداعية مختلفة ومتعاقبة، إذ مر على محفوظ نزعات تاريخية، وواقعية / اجتماعية، ورمزية، بينما توالت على زكى نجيب محمود نزعات صوفية، ووضعية، وصولا إلى المرحلة «التوفيقية» التى كانت بمثابة موجة ثالثة «جدلية» فى تيار النهضة العربية، إذ مثلت دعوة للنهوض الذاتى، كما أرادت الموجة الأولى «الإصلاحية» إبان القرن التاسع عشر، كما لعبت دور الجسر إلى الآخر الغربى كما أرادت الموجة الثانية «العلموية» مطلع القرن العشرين.

بل يمكن القول إنه لعب فى الفكر العربى دور إيمانويل كانط فى الفكر الأوروبى. لقد تمكن الفيلسوف الألمانى من إعادة صياغة الثنائية الديكارتية، المضمنة فى الكوجيتو (الفكر الامتداد) التى أسست للفلسفة الحديثة قبل أن تتعرض لضغوط كبيرة أفرزتها الثورة العلمية انطلاقا من فيزياء نيوتن، كادت تُشطرها بين اتجاهات مثالية مفرطة وأخرى مادية مستغلقة، فجاء كانط ليضعها فى قالب نقدى تمثل ثنائية (الطبيعة ما بعد الطبيعة). أما زكى نجيب محمود فأعاد بناء ثنائية الإمام محمد عبده، الذى احتل فى الثقافة العربية الحديثة، موقع ديكارت، منذ قدم صياغته الرائقة للعلاقة بين العقل والنص، معطيا الأولوية للعقل على النص، الذى لا يمكن للنص أن يتناقض معه، فإذا ما تبدى تناقضا كان بالضرورة (ظاهريا)، يفرض تحكيم العقل فيه، ليس لأن ثمة خطأ فى النص ولكن لأن فهمه قد استغلق على الذهن، ومن ثم وجب التأويل بحسب قواعد اللغة العربية. وهكذا لا تبدو مركزية العقل استعلاء على النص، بل وسيلة لتجاوز ظاهره إلى باطنه، والولوج إلى قلب الحكمة منه. إنها الثنائية التى أعاد الفيلسوف الراحل صياغتها بعد أن كادت الريح العلموية تبددها، والعاصفة السلفية تبددها، واضعا لها فى قالب توفيقى يجمع بين ثنائية (الأصالة والمعاصرة).



النشأة والتكوين

عندما ولد الطفل زكى نجيب محمود عام 1905م بقرية ميت الخولى عبدالله، من أعمال مدينة المنصورة محافظة الدقهلية آنذاك ودمياط الآن، كانت الثقافة العربية لا تزال تعيش حال صدمة حضارية منذ وعى أهلوها بحقيقة تخلفهم، وضرورة تجددهم، وأدرك مبدعوها الحقيقة الملتبسة للغرب الذى طرق أبوابهم قبل القرن ونيف بمطبعة نابليون ومدفعه على السواء فتبدى لهم نورا ونارا، ولكنهم فشلوا دوما فى تحديد الطريقة التى بها يتم دفع النار قبل أن تحرقهم، من دون أن يحرموا أنفسهم من النور الذين يضىء عالمهم.

لقد حدث الكشف الثقافى ووقعت الصدمة الحضارية، وبعدها بدأ طوفان أسئلة لم يتوقف. ذهب مفكرون عرب إلى البر الغربى وعادوا. درس بعضهم بتمعن، وألقى بعضهم الآخر نظرات عابرة. بقى البعض ثابت العقل، وتهاوى جنان البعض الآخر. وطيلة القرن التاسع عشر فى البداية دارت كل خطابات النهضة العربية حول إصلاح الإسلام، لدى الطهطاوى والتونسى والألوسى والأفغانى وصولا إلى الإمام محمد عبده. وفى هذه المرحلة كان الرجل صبيا متدينا، ربما بتأثير قضائه بعض أيامه فى كتاب «الشيخ ربيع» وحفظه لبعض سور القرآن الكريم، يقول فى سيرته العقلية متذكرا: «قدمت الذاكرة إلى غلام فى الخامسة عشرة تسرى فى أوصاله المشاعر الدينية إلى حد الخشوع الذى يتصدع له الجبل». وعندما أخذ زكى نجيب محمود يمارس دوره الفكرى فى ثلاثينيات القرن العشرين كانت الخطاب النهضوى قد انشطر إلى تيارين نقيضين: أولهما سلفى انحاز إلى الأصالة الإسلامية، مؤكدا المكون الأكثر تقليدية فى الفكر النهضوى. وفى هذا السياق تندرج أعمال وأدوار رجال من قبيل محمد رشيد رضا الذى اعتبر استعادة الخلافة الإسلامية هدفا وغاية. ومحمد فريد وجدى الذى رأى الإسلام أصلا جوهريا للمدنية الحديثة. وشكيب أرسلان الذى ربط التخلف العربى بالضعف الأخلاقى، وفقدان الهمة ومن ثم دعا إلى استعادة كليهما من قلب النص القرآنى، المنبع الذى نهل منه أسلافنا الأوائل. وثانيهما هو التيار التغريبى (العلموي) الذى جسده فرح أنطون وشبلى شميل، فيما صاغ منطقه وأشاعه فى الفضاء الثقافى العام سلامة موسى. تبنى هذا التيار المرجعية الثقافية الغربية كاملة، تحت تأثير السطوة التاريخية لتجربة الحداثة، وسيطرة الغرب على العالم اقتصاديا وعسكريا وثقافيا.

وعلى هذا، وقع الشاب زكى نجيب محمود، بين تيارات فكرية متعددة تركت أثرها عليه، فهو تارة «الطالب المتدين الذى امتدت به الدراسة بمدرسة المعلمين العليا حتى عام 1930، وهو تارة أخرى المثقف الناشئ، والأديب الواعد الذى لا يزال يبحث عن نفسه بين رفوف الكتب، وأشتات الأفكار، وفى ثنايا المذاهب». وهو أيضا المتفلسف الناشئ، المنفتح على مجلة «المجلة» وصاحبها سلامة موسى، الداعى إلى «قتل» التراث من ناحية، وعلى مجلة الرسالة وناشرها هو أحمد حسن الزيات الأقرب إلى «إحياء» التراث من ناحية أخرى. وربما منحه هذا التعدد ثراء معرفيا كبيرا، ولكنه فى المقابل أعاقه عن بلورة موقف فكرى واضح، حتى السفر إلى لندن لنيل الدكتوراة فى موضوع (الجبر الذاتي) عام 1944م، وعودته منها 1947م.



الوضعية المنطقية

أصابته السنوات الثلاث التى قضاها فى جامعة لندن بصدمتين ثقافيتين كشف عنهما فى كتابه الأدبى الباكر «جنة العبيط»: الأولى صدمة الحرية. والثانية صدمة العلم. ومن ثم راح يمعن النظر فى الاتجاهات الفلسفية الغربية، القادرة على عقلنة وتحرير الشخصية العربية، ليجدها أربعة أساسية جذرها المشترك هو اتخاذ «الإنسان» فى حياته الدنيوية محورا للاهتمام: أولها هو فلسفة التحليل اللغوى (الوضعية المنطقية)، السائدة فى بريطانيا. وثانيها الفلسفة البرجماتية السائدة فى أمريكا وأساسها هو أن الفكرة تعد صحيحة إذا كانت نتائجها نافعة للإنسان، بغض النظر من أين جاءت وكيف جاءت؟. وثالثها الفلسفة الوجودية فى غرب أوروبا، ومدارها حرية الإنسان فيما يتخذه لنفسه من قرارات ليكون مسئولا عنها أخلاقيا. ورابعها فلسفة المادية الجدلية السائدة فى شرق أوروبا ومحورها هو أن الحياة الثقافية، بما فيها القيم الأخلاقية والجمالية إنما تولدت عن الحياة الاقتصادية، وأن فى مقدورنا تشكيل العلاقات الاقتصادية تشكيلا ينتهى بنا إلى إقامة حياة إنسانية تصون للإنسان حقوقه.

وقد اختار الرجل من بينها «الوضعية المنطقية»، وهى فلسفة تسعى إلى إقامة مطابقة بين اللغة والعالم، باعتبار أن اللغة هى نفسها الفكر وليست مجرد وعاء له، وأن العقلانية تفترض الاستخدام المنضبط للغة فيكون لكل ما تنطوى عليه من مفردات وعبارات شواهد وأعيان فى الواقع الخارجى، فإن لم توجد تلك الشواهد والأعيان كانت المفردات هذه محض لغو لا معنى له، ومن ثم يصبح استخدامها غير صحيح أو مشروع. تلك الصيغة، الأكثر راديكالية للعقلانية، كانت قد تبلورت فى سياق مدرسة كامبردج ثم حلقة فيينا مطلع القرن العشرين، على يد الرواد: جورج مور، برتراند رسل، رودلف كارناب، مورتز شليك، ولودفيج فتجنشتين، الذين حاولوا وضع الكون فى إطار لغوى تتضافر فى صنعه الرياضيات والمنطق، استجابة للنزعة الحتمية الموروثة عن فيزياء نيوتن، وتأكيدا للثقة المفرطة فى العلم التجريبى، وقدرته على تفسير كل جوانب الظاهرة الإنسانية.

ومنذ عودته 1947م وحتى مطلع الستينيات عاش زكى نجيب محمود كداعية للوضعية، التى رآها طريقا وحيدا لتخليص الثقافة العربية من هيمنة الميتافيزيقيا. ففى كتاب «شروق من الغرب» الصادر عام1951م بدأ تلك الدعوة. وفى كتاب «المنطق الوضعى» بجزئيه: «المنطق الصورى»، و»فلسفة العلم» 1952م، صاغ مانيفستو دعوته المنطقية على هذا النحو: «أنا مؤمن بالعلم، كافر بهذا اللغو الذى لا يجدى على أصحابه، ولا على الناس شيئا». ثم توالت أعماله طيلة الخمسينيات معبرة عن هذا الاتجاه نفسه مثل «خرافة الميتافيزيقيا عام 1953م، و»نحو فلسفة علمية» عام 1960م، فضلا عن كتابين صدرا له عامى 1956م، 1958م الأول عن فلسفة «برتراند رسل» الذى كان قد أمد الوضعية المنطقية بكثير من أدواتها التحليلية وإن لم يعلن انتماءه إليها رسميا. والثانى عن «ديفيد هيوم» الأب الأول للتيار الوضعى العام منذ القرن الثامن عشر. وقريبا منها يأتى كتاب «حياة الفكر فى العالم الجديد» مؤرخا للفلسفة الأمريكية فى تيارها «البراجماتى» والذى يبدو فرعا للأصل الوضعى، خاصة لدى وليم جيمس، وجون ديوى. وقد أفضت حماسته الوضعية إلى الهجوم عليه تحت وطأة هاجسين:

أولهما هو الإلحاد ظنا من مهاجميه بأنه مادام ينفى المعرفة الميتافيزيقية، فهو إذن ينفى وجود الله. ولم يكن ذلك صحيحا، إذ لم يتصور الرجل الوضعية المنطقية «مذهبا فلسفيا»موجبا يطرح تصورات «كلية» عن القضايا الفلسفية الكبرى من قبيل: الله، والحرية والخلود مثلا، بل رآها «منهجا» للتفكير العلمى يتوقف عند حدود العالم الطبيعى والواقع الاجتماعى، يستحيل معه إقامة البرهان التجريبى على ما بعد الطبيعة، كالوجود الإلهى. ورغم أنه نفسه يؤمن بوجوده، فإن هذا الإيمان لا يأتيه من خلال التجربة بل عبر الحدس المباشر كطريق للمعرفة أوسع وأشمل من العقل الخالص، وإن لم يكن بالضرورة مناقضا له. وبمعنى أبسط أراد القول: مات أرسطو.. عاش بيكون. غير أن هذا القول قد أفضى إلى منع كتابه «خرافة الميتافيزيقيا»، والذى عاد ليصدره، بعد أكثر من العقد، بمقدمة شارحة، وعنوان أكثر مهادنة «موقف من الميتافيزيقيا». لذا فقد اعتز كثيرًا آنذاك بوصف العقاد له (أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء)، إذ اعتبره شهادة تمكين له فى الحقل الثقافى الضاغط عليه.

أما الثاني: فهو «التغريب الثقافى»، وهنا تبدو دعاوى مهاجميه أكثر جدية؛ ذلك أن قصر دور الفلسفة على التحليل اللغوى لقضايا العلم التجريبى، استخلاصا لمبادئه وقوانينه العامة، ومن ثم نفى فاعلية الفكر الفلسفى فى بلورة المفاهيم الكبرى، إنما تعنى الخضوع لتصور أحادى عن «العقلانية» ينهض على الحتمية العلمية، ويستعيد مقولات التنوير المادى، وهو الفهم الذى كان يتراجع فى الغرب نفسه آنذاك بفعل نجاح فلاسفة علم من أمثال كارل بوبر، وتوماس كون، فى الكشف عن منطق للتطور العلمى يكرس لمفهوم الاحتمال على حساب الحتمية، وصعود تيارات فلسفية تؤسس لنفسها على ديناميكية فيزياء أينشتين بدلا من استاتيكية فيزياء نيوتن، على نحو ينفى حق الوضعية المتطرفة فى الحديث باسم العلم التجريبى، وعن العلم التجريبى، حق الحديث باسم الفكر الإنسانى، وعن الغرب المتمركز حول ذاته حق الحديث باسم الإنسانية، وعن الإنسان نفسه إمكانية اختزاله فى بعد واحد مادى، كما كان يؤكد هربرت ماركوزا باسم مدرسة فرانكفورت ما ساعد زكى نجيب محمود على تجاوز الموقف الوضعى.



الأصالة والمعاصرة

نعترف بأن كثرا سبقوا الرجل على طريق النزعة التوفيقية، غير أن دعوتهم إليها بقيت متناثرة، رهينة تعبير أدبى ما فى رواية كما كان الأمر لدى نجيب محفوظ، أو خبيئة نزعة فنية رومانسية أقرب إلى الحدس الصوفى منها إلى التحليل العقلى كما كان الأمر فى دعوى «التعادلية» لدى توفيق الحكيم فى كتابه الموجز تحت العنوان نفسه، ولم تتجاوز الطرح العابر لتستقر فى مشروع كبير يمتد بعمر صاحبه كما استقرت لدى الفيلسوف الراحل الذى تمكن من صوغ منطقها بدأب وحذق كبيرين. يبدأ المشروع بكتاب «تجديد الفكر العربى» الذى صدر فى عام 1970م، وينتهى تماما بسيرته الذاتية «حصاد السنين» 1993م، وإن كان قد اكتمل موضوعيا بكتاب «عربى بين ثقافتين» 1992م الذى رسم فيه الملامح النهائية لإنسان عربى يجمع بين ثقافة العصر العلمية، والوجدان القومى الخالص، أى بين «الأصالة والمعاصرة». لكن المهم الآن هو كيف يتم استيعاب التراث فى العصر؟ لا شك فى ضرورة الفرز والانتقاء، ثم إعادة البناء والتركيب، وهى ملامح الإستراتيجية التوفيقية التى تنهض لدى الرجل على محورين:

الأول: أفقى حيث يتجول فى مكونات الثقافة الإنسانية ليميز داخلها بين أربعة أنساق أساسية: الديني/ الاعتقادى، ثم الأدبي/ الفنى ثم الفكري/ القيمى، وأخيرا العلمي/ التجريبى، تختلف نسب الأصالة والمعاصرة فيما بينها بحسب درجة التباين فى معايير صدق كل منها على مؤشر يتحرك من صفر إلى واحد صحيح. فعلى سبيل المثال يمثل الدين، كمكون اعتقادى، وسيلة إدراكه هى الكتاب المقدس و»الوجدان» الحد الأقصى للأصالة والذاتية، ومن ثم يحق للعقل العربى أن يتمسك إزاءه بأصالته الكاملة إذ لا سبيل هنا إلى معاصرة اللهم سوى فى كيفية قراءة النصوص، والقدرة على تأويلها حيث يمكن الاستفادة بالمعارف اللغوية واللسانية والبلاغية الحديثة فى الكشف عن باطن النص ومغزاه. أما العلم الطبيعى، فعلى العكس من الدين، يمثل الحد الأقصى من المعاصرة، فوسيلة إدراكه «العقل» أى النسق الأكثر كونية، ومن ثم يتعين الاندراج فى مساره دونما اكتراث بدعوات الحرص على الهوية من قبيل أسلمة العلوم. وفيما بين الدين والعلم ثمة نسقان وسيطان: الفكر باعتباره ذلك الفضاء الذى اتسع عبر محاولة العقل البشرى التصدى لأسئلة الواقع فانطوت إجاباته إما على مفاهيم وقيم «كونية» كالحرية والعقلانية والعدالة، اندرجت فيها جهود كل المجتمعات المتمدينة، أو على مبادئ أخلاقية استقتها تلك المجتمعات المتمدينة من نصوصها الدينية أو حتى من تجربتها التاريخية ومن ثم ففيها قدر من الذاتية، يجعلها تحتل موقعا تاليا للعلم الطبيعى فى سلم المعاصرة. وأخيرا يأتى مركب الأدب والفن تاليا للدين على مؤشر الأصالة، كونه ينبعث من ذائقة (ثقافية) تنغرس فى التجربة الحضارية لجماعة قومية ما، وإن تشاركت فى الخبرة الجمالية مع جماعات أخرى من الإنسانية، فالعربى قد يفضل الغناء على إيقاع الموسيقى أكثر من الموسيقى المجردة «الكلاسيكية»، بينما يميل الغربى إلى الأخيرة أكثر ولكن ذلك لا يصلح مؤشرا لاتهام هذا الطرف أو ذاك بتدنى ذائقه الفنية، فالخبرة الجمالية نسبية وليست معيارية. وعلى هذا تصبح الهوية العربية منفتحة وتاريخية، جامعة للأصالة والمعاصرة، تصنعها حصيلة اجتهادنا الذاتى فى فهم الدين، ومستوى إبداعنا الجمالى فى الفن والأدب، ومدى إسهامنا الفكرى فى التطور الإنسانى، ومحض مشاركاتنا فى النشاط العلمى الكوكبى.

أما الثانى فرأسى، حيث تجول الرجل فى طبقات تراثنا، مثبتا الوقفات العقلانية فيه؛ لأنها تجسد منهج للنظر يبقى صالحا للعصر، ونافيا الوقفات اللاعقلانية التى تجافى روح العصر. فعلى صعيد النفى يرفض أولا «أن يكون صاحب السلطان السياسى هو فى الوقت نفسه، وبسبب سلطانه السياسى، صاحب «الرأى» لا أن يكون مجرد صاحب «رأى»، لا يمنع رأيه هذا أن يكون لغيره من الناس آرائهم، حيث طال هذا القيد كثيرين، منهم بشار بن برد لشعر أنشده لم يعجب الخليفة المهدى فقتله، والحلاج فى مأساته الشهيرة حين أمر الوزير العباسى على بن عيسى بضربه ألف سوط، ثم بقطع يديه، قبل أن يحرقه فى النار لقوله بمذهب الحلول. وكذلك الإمام أحمد بن حنبل وما لاقاه من تعذيب فيما عرف بـ «محنة القرآن» لقوله إن القرآن «أزلى» مع أزلية الله عز وجل، ضد ما كان المعتزلة يعتقدون فى كونه «مخلوقا». وهو يرفض ثانيا انسداد باب الاجتهاد، وانغلاق أفق الإبداع عندما «يكون للسلف كل هذا الضغط الفكرى علينا فنميل إلى الدوران فيما قالوه وما أعادوه ألف ألف مرة. ويرفض ثالثا خضوع المنهج العلمى للخرافة حيث «الإيمان بقدرة الإنسان/ الولي/ صاحب المقام على تعطيل قوانين الطبيعة، فليست الأحداث لدينا مرهونة بأسبابها الطبيعية إلا ونحن فى قاعات الدرس بالمدارس والجامعات، حتى إذا ما انصرف كل منا إلى حياته الخاصة، أفسح صدره لكل خرافة على وجه الأرض.

وعلى صعيد الإثبات يؤكد الكثير من الرؤى النقدية المؤسسة لنزعات عقلانية وتحررية ابتداء من المعتزلة فى القرن الثانى الهجرى، وبالذات فيما يتعلق بمسألة «الفعل الإنسانى». وعند رسائل «إخوان الصف وخلان الوفا» يؤكد موقفهم النقدى من الشريعة التى «دنستها الجهالات, واختلطت بالضلالات, ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة..». ولدى أبى حيان التوحيدى تفريقه بين العقل والحس, حيث الأول ثابت والثانى متغير «أن العقل يوصف بشهادة الحس, وكذلك الحس يوصف بشهادة العقل، إلا أن شهادة الحس للعقل شهادة العبد للمولي, وشهادة العقل للحس شهادة المولى للعبد»، قبل أن يختتم وقفته بابن رشد أحد أبرز رواد العقلانية العربية فى نهاية القرن السادس الهجرى، والذى أثبت مبدأ السببية الطبيعية، ضد إنكار الغزالى لها، ورده على كتاب الغزالى «تهافت الفلاسفة» بكتابه «تهافت التهافت»، فيما جسد إحدى أبرز المعارك الفكرية بين العقل والنقل فى التاريخ العربى.



النزعة النقدية والمركزية الأوروبية

إذ نؤمن بأن أفضل طريقة لإحياء الفكر هى الجدل معه، أخذاً منه وإضافة إليه، نسعى هنا إلى مساءلة الرائد الكبير: لماذا أحجم عن تقديم نقد حقيقى للمركزية الغربية، لم يكن فقط هو الأقدر عليه، بل الأحوج إليه، طالما كانت الثقافة الغربية بكل تياراتها الفلسفية، هى مدار اهتمامه وأفق وعيه فى مسعاه إلى تجديد الثقافة العربية. كانت الحاجة إلى مثل هذا النقد ضرورية فى مواجهة تيار غربى أخذ ينمو منذ القرن الثامن عشر، مستندا إلى نتاج المعارف الحديثة فى حقلى الأنثروبولوجيا، واللغات، ليقدم نظريات ذات منحى عنصرى واضح حاولت تبرير وجود حدود «عرقية» بين الغرب والآخرين كما دعا أرثر دو جوبينو، مثلا. وقد أضاف إليها نيتشه، وهيجل طبقات فلسفية، كما أضاف اليها أشبنجلر طبقات حضارية، زادها أرنست رينان بطبقات لغوية، فتعالت الحدود حتى شكلت أيديولوجيا متكاملة ادعت بسمو الغرب ووحدته واستمراريته منذ بداية تاريخه بالمعجزة الفلسفية اليونانية وحتى الآن.

واعتبر هذا التيار أن طاليس الأيونى هو لحظة الميلاد الحقيقى للفلسفة اليونانية، وتلك بدورها الجذر الحقيقى للفلسفة الإنسانية. وهنا رتبت الممارسات اللاحقة جميعها انتهاء بالفلسفة الغربية الحديثة على أنها نسيج حى متصل يغذى بعضه بعضاً، ويهمل المعطيات والوقائع التى تتمرد على معاييره حتى يتحقق له التماسك والاضطراد. وحتى إذا وجد لدى بعض أطراف هذا التيار بعض الإنصاف، الذى يمنعه من إهمال دور الفكر الشرقى القديم على مستوى الحكمة والدين، والذى بات معروفا كم تأثر به أفلاطون نفسه، وأيضا الدور العربى الإسلامى فى نقل وترجمة الفلسفة اليونانية نفسها أو شرحها والتعليق عليها كما تجلى فى ظاهرة الرشدية اللاتينية، فإنه سوف يعدها «استثناءات هامشية» لا تمنع اطراد الوعى الغربى من أثينا إلى روما إلى عواصم الغرب الحديث.

وبدلا من أن يقوم المفكر العربى الكبير بنقد نرجسية الغرب هذه لينقل إلينا عقلانيته خالصة فيتعمق حضورها ضد معارضيها الذين برروا موقفهم بسوءات الغرب أو «جاهليته»، اكتفى الرجل بتوجيه إصبعه من بعيد وهو بمعرض الحديث عن صعوبة إمساك الثقافة العربية بطرفى ثنائية: العلم الدين، قائلا: «لقد فشل الغرب نفسه فى أن يقيم مثل هذا اللقاء بين الطرفين، فكان له العلم ولكنه فقد الإنسان.. ويكفى أن نتتبع الأدب فى أوروبا وأمريكا اليـوم لنرى ما يحسه الناس هناك فى دخائل صدورهم من ملل، وسأم، وضيق، وحيرة، وضياع.

إن الإنسان هناك يساير عقله العلمى فى مقتضياته، لكنه لا يجد الفراغ ليخلو إلى نفسه ويصغى إليها، كأنما كل فرد هو «فاوست» وقد أغراه الشيطان بأن يبيع نفسه من أجل علم يحصله، أو مال يكسبه، أو قوة يستبد بها أو يطغى». فى هذا السياق، يشير الرائد الكبير إلى ما يمكن تسميته بـ «النقد الداخلى» لتناقضات الحداثة داخل مجتمعاتها، وهو جانب مهم، غير أن النقد الخارجى لعدوانيتها ضد الآخرين، واستعلائها عليهم، يبقى هو الأهم وذلك على النحو الذى قدمته، ولا تزال تقدمه مدرسة «ما بعد الاستعمار» منذ السبعينيات على الأقل، سواء من داخل ثقافات عالم ثالثية، أو حتى غربية، على منوال إدوارد سعيد فى «الثقافة والإمبريالية»، أو نعوم شومسكى ضد النرجسية الأمريكية التى تسعى إلى وراثة المركزية الأوروبية فى أعمال من قبيل «إعاقة الديمقراطية» أو روجيه جارودى فى نزعته الإنسانية الجامعة ضد «الإرهاب الغربى»، وهوارد زن فى نقده لآليات تشكيل وبناء الرواية المثالية/ الفوقية/ المتحيزة للتاريخ الأمريكى، وصولا إلى يورجن هابرماس فى نقده الأعمق لمشروع الحداثة الأوروبى، الذى ساقته نرجسيته الشديدة، إلى الوقوع فى أسر تناقضات لا محدودة، داعيا إلى بناء حداثة جديدة أكثر قدرة على «التواصل» مع مبادئها التأسيسية. بل يمكن الادعاء أن الرائد الكبير وقع «جزئيا» فى أسر هذه النزعة النرجسية وذلك فى كتابه «الشرق الفنان» بترويجه لتلك الصورة النمطية عن شرق أقصى موحد روحانى أقرب الى التصوف، وغرب عقلانى علمى أقرب إلى المادية، وبينهما الشرق العربى الإسلامى كوسط يجمع بين الضدين، حيث تجاوز ذلك التنوع اللا متناهى فى تواريخ كل طرف لغة ودينا وثقافة، مثلما تجاوز مراحل صعوده وهبوطه، ما يعنى أنه وقع فى أسر الصياغات «الشمولية» التى تؤكد وجود حواجز أبدية عرقية/ دينية/ لغوية بين العالمين، وهو ما يشكل جوهر نزعة التمركز الغربى. وكان ممكنا تبرير إحجام الرجل عن نقد المركزية الغربية لو كان يكتب بداية القرن العشرين، فى ظل سطوتها المطلقة، وهو الوقت الذى كتب فيه شبلى شميل واسماعيل مظهر وفرح انطون تقريبا.

أو كان قد تبنى مواقفهم العدمية من الحداثة الغربية، لكن أما وأنه قد كتب من موقف توفيقى يتجاوزهم جميعا، وفى حقبة تاريخية تلت عصر التحرر الوطنى، فلم يكن له أن يحجم عن تقديم هذا النقد، كما لا يجب أن يكون تلك الكوة الصغيرة، مبررا لإهمال مشروعه الكبير الذى دفع بالثقافة العربية خطوة مهمة على طريق النقد الذاتى، مثلما فعل فى موازاته المفكر المغربى عبدالله العروى، وبعده بقليل العلامة محمد عابد الجابرى ود. محمد أركون، وأخيرا د. حسن حنفى، فليتغمدك الله برحمته الواسعة أيها الفيلسوف البارز والمفكر الكبير.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق