رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فيلسوف مصر

محمد شمروخ;

فى المرحلة الثانية من تطوره الفكرى، تحول زكى نجيب محمود من مجرد دارس نهم للفلسفة يتدرج فى مدرجات الجامعة وقاعاتها طالبا وباحثا وأستاذا، إلى دور المفكر القومى الذى يطلق كلمته فتطير فى الآفاق وتسهم بدور ملحوظ فى تكوين صورة العقل الجمعى، وهو دور لا يلعبه إلا من نفذ بفكره إلى أعماق الشخصية العامة للمجتمع واستطاع أن يفهم غوامض خلفياتها ويعى بالقدرات الخاصة الظاهرة والكامنة التى ربما لا يشعر بها المجتمع ذاته حتى يأتى من يوقظه من كبار العلماء والمبدعين فى المجالات المختلفة لاسيما الثقافية، ذلك لأن ثقافة المجتمع هى المحصلة العامة الناتجة عن نشاطاته المادية والروحية.

.....................................................

.كانت المرحلة الأولى التى سبقت - ويذهب البعض إلى تقسيمها إلى مرحلتين- هى التى كان قد تأثر فيها الدكتور زكى نجيب محمود بدراسته للمنطق الوضعى وعند عودته من لندن، التى سافر إليها للحصول على الدكتوراه فى الفلسفة، بدأت دعوته فى أربعينيات القرن العشرين إلى الأخذ بأسباب التقدم والحضارة ومبادئ التفكير العلمى كأى عائد من مناطق متقدمة حضاريا إلى بلده النامى الذى يحاول جاهدا اللحاق بالركب الحضارى.

ولقد أخرج زكى نجيب محمود كتبا كثيرة فى هذا المضمار، لعل أشهرها كتاب «خرافة الميتافيزيقا» ولعل إعادة طبعه لهذا الكتاب بعنوان «موقف من الميتافيزيقا» دون أن يتطرق إلى إحداث أى تغيير فى متن الكتاب ولعل ذلك كان إيذانا بمراجعة ضرورية تجاه ذلك الموقف الحاد الذى سبق أن اتخذه من التراث، فقد كان ينظر إليه بارتياب يصل إلى حدود الاستنكار.

وقد حمل نجيب محمود هذا التراث - مثل كثيرين من المفكرين والكتاب والأدباء والمثقفين - مسئولية تخلف المجتمع العربى وهو ما تراجع عنه الدكتور زكى نجيب فيما بعد مثل كثيرين كذلك، ممن يتسرعون فى اتخاذ موقف سلبى تجاه التراث معتقدين أن هذا التراث السبب الوحيد للتخلف وهى نظرة أثبت زكى نجيب محمود نفسه أنها قاصرة وقال عبارته الشهيرة «إن ترك التراث كله انتحار حضارى».

وبدأنا نقرأ عناوين جديدة على أغلفة كتبه، مثل «قيم من التراث» و«الشرق الفنان» و«ثقافتنا فى مواجهة العصر» و«تجديد الفكر العربى» و«رؤية إسلامية» وغيرها من الكتب التى كانت تأصيلا لفكر جديد لواحد من المفكرين اتخذ مكانا مميزا بين أساطين الفكر العربى المعاصر.

كما أن تغيير موقف المفكر الكبير تجاه التراث أفاد التراث نفسه، إذ أن دراسته على يد مفكر استحق بين قلائل أن يحمل لقب «فيلسوف» كانت شهادة عظيمة لتاريخ مفعم بتجارب علماء وفلاسفة وشعراء ومتصوفين وفقهاء وأطباء قدموا للإنسانية تراثا هائلا، أخرج منه فيلسوفنا الكبير دررا اختبأت وراء غبار السنين، لقد كان انتقال مفكر بحجم هذا الرجل من المعسكر المضاد للتراث إلى معسكر المدافعين عن القيم العلمية المستمدة منه، له دلالة كبرى على مقدار عظمة هذه العقلية الجبارة التى لم تستنكف الاعتراف بقيم التراث العربى والدفاع عنه.

وأحد جوانب عظمة هذا المفكر الكبير هو طرح القضايا الكبرى التى دأب الأكاديميون وكثير من المفكرين على طرحها فيما بينهم داخل دوائر ضيقة فى قاعات الجامعات أو المنتديات ذات الصبغة المتعالية، باستخدام لغة مغرقة فى التخصص متجاهلين الجماهير ربما تجاهلا عن عمد أو غير عمد، لكن زكى نجيب محمود خاطب الجماهير مباشرة عبر الكتب التى لم يقصرها على الدارسين وتوجه بها إلى المثقف فى الشارع ليجدها متاحة فى المكتبات ليطالع على صفحاتها أكثر القضايا التجريدية بأسلوب بسيط لا يخلو من العمق برع فيه المؤلف وهو يأخذ بيد قارئه ليناقش معه ويجعله متلقيا ومتفاعلا فى الوقت نفسه، فأسلوب التلقين هو أكثر الأساليب فشلا فى رأيه وتناوله بسخرية لاذعة فى كتابه «مجتمع جديد أو الكارثة» الذى كتبه سنة 1978 ووضح فيه إعجابه بنهج محمد عبده الذى دعاه بـ «إمامنا» كما تبنى رؤية الباكستانى محمد إقبال بأن الإسلام كان آخر الديانات لأنه جعل التحكيم للعقل، ولعل هذا الكتاب يعد مثلا على كيفية الولوغ فى أشد القضايا الفكرية عتيا بأسلوب يجذب القارئ ويمتعه بالقراءة حتى الصفحة الأخيرة.

فعلى هذا المنوال كانت مقالات فيلسوفنا الكبير فى الأهرام والتى كان يتابعها الناس أسبوعيا كما يتابعون حلقات المسلسلات، فيتسابقون إلى شراء الجريدة لمطالعة ما كتبه مفكرنا العظيم.

إن نموذج المفكر المجدد الشجاع قد تحقق فى شخص وعقل الدكتور زكى نجيب محمود الذى تميز بأسلوب يحدثك فيه كصديق مقرب وكأنه يعرفك شخصيا ويحترم عقلك ووعيك ولا يتعالى بعلمه ولا بمكانته، فاستحق بهذا أن يصبح فيلسوف مصر الأخير.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق