رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

د. محمود الربيعى: لا نهضة ثقافية دون تعليم قومى حقيقى.. ونيل المطالب ليس بالتمنى

حوار ــ محمود القيعى

منذ نحو ربع قرن أصدر الناقد د.غالى شكرى كتابا عن الحداثة العربية وصفها فيه بأنها «حداثة شريدة » وهو يعد من أوائل الكتب التى أثارت جدلا نقديا عن المشروع الحداثى فى العالم العربي، حيث اتفق معه البعض، ونقم عليه آخرون.

فى حياتنا الثقافية يتجدد الحديث بين الحين والآخر عن الحداثة وما بعدها، ما لها وما عليها، وفى السطور التالية نحاور أحد كبار مفكرينا ونقادنا الذى تؤرقه أوضاعنا الثقافية بالليل، وتقلقه بالنهار، إنه الدكتور محمود الربيعى الذى لا يكتفى فى حواره بتشخيص الداء ونكء الجراح، ولكنه يحاول أن يضع الدواء للنهوض بثقافتنا العربية التى يراها تراجعت كثيرا، وأصبحت حصيدا كأن لم تغن بالأمس.

لماذا لم يؤت المشروع الحداثى أكله فى العالم العربى؟

أقول إن الحداثة فكر و«تجليات» ولم يكن بأيدينا سوى «التجليات» فظننا أن اقتطاف الثمرة من حديقة الغير يمكن أن يغنينا عن زرع الشجرة فى حديقتنا، وهكذا بدأ مشروع الحداثة أو التحديث لدينا مبكرًا منذ محمد على باشا، لكنه كان دائمًا يعيش على ثمار الحداثة الغربية، ولم يجتهد أصحاب هذا المشروع أبدا فى أن يؤصلوا له حداثته الخاصة، وارتاحوا إلى فكرة أن الحداثة كونية، وهو- وإن كان صحيحًا- فإنهم لم يعملوا على أن يسهم فى ذلك المشروع الكونى بعنصر إبداعى من عندنا، واقتصرت جهودهم على التحصيل. ولم يهيئوا التربة المحلية لاستقبال الثمرة الوافدة، واقتنعوا بالعيش زمنا على الفاكهة المستوردة.

ولا أنكر أن الموجة الأولى - وربما الثانية - من التحديث ورموزها فى العلوم- د. مصطفى مشرفة وأمثاله، وفى الإنسانيات طه حسين وأمثاله، كانت قوية، وذلك لأنها لم تدع إلى قطيعة معرفية مع الماضى كما ينادى بذلك الحداثيون الجدد، بل حاولت أن تطبق المنهج على مادة خام محلية «اقرأ حديث الأربعاء لطه حسين مثلا أو الديوان فى الأدب والنقد للعقاد والمازنى أو البلاغة العصرية لسلامة موسى»، ولأن هذه الحداثة لم تحم نفسها بمصداقية قوية محلية تجعل المتلقى يقتنع بأنها فى صالحه، واجهت مقاومة عنيفة، لكنها نجحت بفعل قدراتها الموضوعية، وثقافتها الذاتية الأصيلة، فعاشت عدة عقود، وازدهرت فى أوائل القرن العشرين، وحتى منتصفه. لكنها لم تجد بعد ذلك رديفا من أجيال بعد أجيال، فكان الجيل الحداثى الثانى أقصر باعا من جيل الرواد، واكتفى الثالث بالترجمات، وهى غالبًا أفكار بعيدة عن أصولها بمراحل متفاوتة، ولم ينجح ــ بل لم يحاول ــ عقد الزواج الشرعى المقبول بين الفكر الحداثى الكوكبى والثقافة المحلية التقليدية الأصيلة. والنتيجة ما نراه الآن.

كيف ترى أزمة الانتماء؟

إننى لأعجب كيف يكون الانتماء أزمة! الانتماء هو الانتماء، وهو الحل الأمثل للأزمات. وانتماؤنا كان وكائن وسيكون، لوطننا مصر، ومصر بلد عريق، وليس أهله وحدهم هم الذين يقولون ذلك، بل إن هذه شهادة أعلنها العالم لمصر منذ آلاف السنين. هذا الوطن بحدوده المعروفة، وبلغته العربية التى ارتضاها لنفسه، وانصهرت فيها عناصره جميعًا، فنطق بها كل من عاش على ترابه، وكتب بها، والخلاصة أن وطننا لا ينقصه عنصر واحد من عناصر النهضة فى هذا العالم، وإنما ينقصه وضوح رؤية بنيه، وثبات ولائهم له، والتمكين للقيم الحضارية التى عاشت آلاف السنين فى واديه، بل وصحاريه، والتمكين كذلك للسانه الذى ارتضته دساتيره جميعًا.

هل تعرضت الثقافة العربية للتغريب؟

طبعًا، الذين ارتموا- ثقافيا- فى أحضان الغرب منذ البداية، ولم يمتلكوا البصيرة التى لا تخلط بين طبيعة الأشياء وأصول الثقافات، أضروا بالثقافة العربية، وشوشوا على أذهان الناشئة. ولا أريد أن أوضح الواضح فى هذا الموضوع، لكن أقول إن منا من قال يومًا إن هذا الأمر لا يمكن أن يكون صحيحًا لأن المستشرقين لا يقولون به، فهل هذا الحكم غير المشروط الذى يسلم لطائفة باحتكار الصواب يمكن أن يكون فى مصلحة الثقافة القومية؟. كذلك أرى أن من رأى فى التحول إلى أحرف الكتابة اللاتينية خلاصا وحلا لكل مشكلات الكتابة العربية لا يمكن أن يكون قد فكر فى العواقب الوخيمة التى يمكن أن تترتب على هذه الحلول المرتجلة، فهؤلاء هم أصحاب دعوة القطيعة مع التراث، ويأتى بعد ذلك طائفة غلاة الحداثيين الذين ينادون بالقطيعة المعرفية مع التراث، وأسألهم: هل نفوا المرجعية جملة حين نادوا بهذا، واعتمدوا البداية من درجة الصفر«وهل هذا ممكن؟»، أو إن كل ما فعلوه فى الحقيقة أنهم استبدلوا بالمرجعية القومية مرجعية غربية، الذى أراه من أعمالهم أنهم لا يملون العودة إلى مرجعيات غربية، فأسأل: أين القطيعة المعرفية؟ أنتم إذن تريدون قطيعة هنا ووصلا هناك، وهذا يدمر المقولة التى يدعون لها برمتها.

قمت بالتدريس سنوات طويلة فى الجامعة الأمريكية، ما أسباب استقالتك؟ كيف يروننا؟ وهل طبيعة نظرتهم إلينا استعلائية أم ماذا؟

درّست فى الجامعة الأمريكية قرابة ربع قرن من الزمان، وخرجت بدروس كثيرة تعلمت منها، وفى الوقت نفسه ألقيت دروسا كثيرة على طلابى أرجو أن يكونوا قد تعلموا منها. وكنت حريصا على أن تكون جمهرة تلاميذى من المصريين والعرب، فأنا لم أدرس إلا لعدد قليل من الأجانب، وهم هؤلاء الذين كانوا يأتون إلى قاعات الدرس منضمين إلى طلابى الأصليين.

وتجربتى فى الجامعة الأمريكية مفيدة لى وللقارئ، وقد شرحتها شرحا مفصلاً صريحًا فى كتابى «فى صحبة السعيد بدوى»، وأقول هنا إن من جوانبها الإيجابية استغلال كل الوقت فى العام الدراسى الطويل، وإضافة فصلى الشتاء والصيف، لكن لا ننكر أبدًا أننا إذا قارنا اثنى عشر شهرًا من العمل هناك إلى عام دراسى مليء بالثقوب فى جامعاتنا، نخرج بنتيجة محزنة جدَّا.وأيضًا اللجان الفاعلة من القاع إلى القمة التى تدير دولاب العمل، وانحسار المركزية، جانب إيجابى واضح فى الجامعة الأمريكية، وأنا شخصيًا عملت فى كل هذه اللجان، ومارست حرية القول والفعل، وقدمت خبرتى وتعلمت. تبقى الرسالة التى وجدت الجامعة الأمريكية من أجلها، والتى لا شك أنها ليست تعليمية محضة، ولا يمكن أن تكون، ويبقى تهميش الثقافة العربية، ومحاولة زحزحتها من المكانة التى ينبغى لها أن تأخذها فى مؤسسة تعمل على أرض مصرية.ويبقى فوق ذلك الحس الاستعلائى الصامت الذى يوكل أداؤه إلى الحواريين من المتأمركين، ويبقى غرس الاغتراب فى نفوس الشباب، وتعميق حلم الهجرة فى نفوسهم، ورفض الوصاية الأبوية جملة. وهذه مسألة تربوية دقيقة قد يكون لها بعض فوائدها فيما يسمى التعليم الحر Liberal education لكن لها مضارها الواضحة فى إساءة استخدام الحرية «لا للحرية» التى نراها فى كثير من الطلاب بمنتهى الوضوح، ولما كان النظام الأمريكى لا يحيل أحدًا إلى التقاعد بالسن وحدها فقد رأيت أننى شربت من الكأس أكثر مما يكفى، وتقاعدت طائعا مختارًا.

لو أردنا استئناف نهضتنا الثقافية والحضارية، ماذا ينبغى علينا أن نفعل؟ ومن أين نبدأ؟

هذا سؤال صعب، والإجابة عنه أكثر صعوبة، لكنى سأعود فى شأنه إلى معتقدى، وهو«التعليم» ولا شىء غير التعليم، التعليم المبنى على المعرفة لا المعلومات، والتعليم القائم على التمكين للغة الوطن، والتعليم المنفتح على تجارب العالم، وتعليم اللغات الحية « بحقها وفى وقتها الملائم » والتعليم الذى لا يبخل على المعلم أو المتعلم، ولا يمالئ المعلم أو المتعلم، والتعليم الذى يجعل لخيال المعلمين والمتعلمين مجالا واسعًا للحركة الرشيدة ويرعى المواهب، ولا يضع سقفا منخفضا لمعنى الثقافة ويقضى« مرة واحدة» بجرة قلم على أسطورة أهل الثقة وأهل الخبرة؛ فيخرج لنا متعلمًا واحدًا هو فى آن أهل خبرة، وأهل ثقة.

لقد قرأت قليلا عما يبشرنا به وزير التعليم من أن هناك منهاجا جديدًا للتعليم يبدأ تطبيقه فى العام الدراسى الجديد، وأنا بصفتى - معلما قبل كل شئ أتطلع إلى الإحاطة بجوانب هذا المنهج، وأراه إن صح أنه كما قيل جديد المظهر والمخبر صهو الطريق الصحيح للانتقال من عالم المعلومات إلى عالم المعرفة، ومن ثم يكون هو الإجابة عن سؤالك: ماذا ينبغى علينا أن نفعل؟ ومن أين نبدأ طريق نهضة ثقافية وحضارية جديدة؟ ولنكن متفائلين، لكن المهمة ثقيلة جدًا، وتحتاج إلى حشد كل جهود الأمة لحملها، ليست الحكومة وحدها هى التى يمكن أن تضمن جودة التعليم بل البيت هو بداية التعليم الصحيح، وإيمان الآباء والأمهات بأن مصلحتهم الحقيقية فى تعليم حقيقى لأبنائهم هو بداية التعليم الصحيح، وإضعاف الرابطة التى أصبحت شبه مقدسة بين التعليم والوظيفة هو البداية الصحيحة للتعليم الصحيح، وفى بوتقة التعليم الصحيح تُصهر عناصر الأمة وتتوحد، فتصبح قادرة على الإبداع الثقافى الذى هو الطريق الطبيعى للنهضة الحضارية، وبدون كل ذلك تبقى الأحوال كلها فى نطاق التمنى، ونحن نعلم حتى من قبل أن يقول لنا ذلك أحمد شوقى أن نيل المطالب لا يتحقق أبدًا بالتمنى.

ينبغى علينا فى جميع الأحوال إذن ألا نخدع أنفسنا، وأن نثق فى تلك المعادلة التى لم نخترعها، بل تحققت أمام أعيننا لكل الشعوب المتقدمة: لا نهضة حضارية حقيقية دون نهضة ثقافية حقيقية، ولا نهضة ثقافية حقيقية دون تعليم قومى حقيقى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق