رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشىء المفقود

بريد;

أنا فتاة فى مقتبل العمر عشت طفولتى وجميع من حولى يحيطوننى بكل أنواع الحب والحنان، فلقد شاءت الأقدار أن أحرم من عطف وحنان أبى وكانت والدتى وكل أهلى يحاولون تعويضى فقدانه بكل الوسائل الممكنة، وبرغم هذا الحب المتدفق من الجميع, كنت أشعر بأن شيئا ما ينقصنى، ولم أكن أدركه فى صغرى، وهو الأبوة الحانية التى تجسدت مع زميلاتى وقريناتي، حيث كنت أراهن يجلسن فى أحضان آبائهن, وأشعر بما يمثله ذلك من حماية وأمان لهن, أما أنا فلم أجد هذه الحماية ولا ذاك الحنان, وظللت كثيرا أبحث فى وجوه من حولى عسانى أجدها مع أحدهم, فكنت اندفع إلى أحضان جدى أو خالي، لكننى لم أصل أبدا إلى درجة الأمان التى تشعر بها قريناتى، فليس هذا الحضن الذى أريده، وليست تلك القبلة هى التى تشعرنى بالأبوة.

أما المشهد الذى لا يفارق خيالى فهو أنه حينما يريد جدى وخالى الإنصراف فإنهما يصطحبان أبناءهما, ويتركاننى وحيدة لا أجد حضنا دافئا سوى حضن أمى فأسرع وارتمى إليه, فتنام أمى وهى تحتضنى ولكن تأبى عيناى أن تناما وأظل أفكر وأحاول أن أجد نهاية لهذه المعاناة فيغلبنى النعاس, لكن الهواجس والأحلام تظل دائرة فى رأسى باحثة عن هذا الشىء المفقود, وعندما أصحو فى الصباح ابحث عنه آملة أن اجده، ولكن للأسف لا أعثر عليه، ولما كبرت وأدركت أن الذى ابحث عنه لم يكن سوى أبى فكنت بطبيعة الحال أسأل عنه فكانت أمى تقول لى انه مسافر, فأتساءل بينى وبين نفسى: ولماذا لا يتصل بنا؟.. ولما كنت أرى كل مسافر يرجع إلى بيته وأهله إلا أبي، فقد تأكدت أننى عشت وسأعيش ما تبقى من عمرى دون أب ليس لأنه توفى فلو توفاه الله لكنت قد سلمت الأمر لصاحب الأمر, ولكان ذلك أهون عندى من أى خبر مفزع آخر, فالكارثة التى زادتنى اضطرابا وأسى أن أبى حى يرزق لكنه ميت القلب، واعذرونى لهذا التشبيه فلقد ارتكب جريمة بشعة وهى أنه لم يسع طوال عمرى أن يرانى أو حتى يتصل بى أو يسأل عني, وليت الأب سلعة تشترى أو تستعار، فبرغم محاولات الجميع تعويضى عن هذه الأبوة المفقودة، فإننى استمررت فى البحث عمن أحمل اسمه وجئت من صلبه، ولقد روت لى أمى بعد محاولات الهروب من الاجابة عن سؤالى الملح والمتكرر، أن والدى تركها وأنا فى أحشائها ولم يسع أبدا للسؤال عنى من قريب أو بعيد، وكنت أتعجب كيف لهذا الأب أن يترك أمى وهى الانسانة الوديعة التى يشهد لها الجميع بالأدب وحسن الخلق، وكنت ازداد عجبا حينما أرى معالم الأبوة عنده تنطمس، فلا يحاول السؤال عن ابنته التى تحمل اسمه تاركا إياها تواجه أعاصير الحياة وحدها فى كنف سيدة ضعيفة تحاول بما أوتيت من قوة ألا تشعرنى بهذا الحرمان، ومكتفيا بإرسال بضعة جنيهات فى نهاية كل شهر، وهو يعلم أن هذه الجنيهات لن تعوضنى أبدا عن جزء من الحرمان الذى عانيته، ولم أكن يوما انتظر منه شيئا سوى أن يصحو قلبه ليتذكر أن له ابنة تنتظر حقها فى الأبوة لكنه أبدا لم يفعل!

ووسط هذا الاحساس المرير تجاه أبى فإننى أخاف على أمى خوفا كبيرا، وأخاف أن أفقدها هى الأخرى، حيث ابكى حينما أراها حزينة، وأغضب حينما يحاول أحد إغضابها، واشعر بمرارة حينما اجدها الوحيدة المطلقة، وتواجه مصاعب الحياة فى شجاعة تحسد عليها، لكنها لا تستطيع أن تحقق لى أمنيتى فى أن تصطحبنى إلى الأماكن التى يذهب إليها أصحابي، وتشعر بضيق شديد حينما تعجز عن تلبية إحدى رغباتي، فأزداد حنقا على أبى واسأل نفسى: هل يستحق مثل هذا الرجل أن يحمل صفة أب، وهو لم يقم أبدا بدوره مثل كل الآباء بل تسبب فى حرمان ابنته من حقها فى أبوة حانية؟، وتأتى الاجابة دائما بأن هذا الشخص لا يستحق أبدا هذا اللقب، فهو لقب مقصور على شهادة الميلاد التى احمل اسمه فيها، ولو كان الأمر بيدى لمحوت اسمه منها.

إننى نتيجة لهذه المعاناة، أصبت بعقدة نفسية تجاه الرجال, فحينما ظهرت على جسدى معالم الأنوثة، والتحقت بالجامعة أصبحت أكره الرجال لأننى أرى كل رجل صورة من أبى فكنت أتجنب الحديث أو التعامل مع الشباب، ولم ابحث عن حل لهذه المشكلة فلقد آمنت أن الله قد عوضنى خيرا عما عانيته بما منحنى من حب أصحابى ومن حولى، ولكننى أتساءل: لماذا لا تحاكم الدولة هؤلاء المجرمين، إذ ان هناك حالات كثيرة مثلى حرمت من حنان الأباء بنفس طريقتي؟ ولذلك فإننى أطالب الحكومة بأن تبحث عن كيفية عقاب الآباء المستهترين الذين فقدوا الرحمة والحنان، وكانوا سببا رئيسيا فى معاناة وتعاسة أبنائهم، وهذا أيضا نداء من فتاة مكلومة فى أبيها إلى الذين ماتت قلوبهم: لا تتركوا أبناءكم دون رعاية.. اسألوا عنهم.. إنهم لا يريدون منكم شيئا سوى جرعة من الحب والحنان.

< ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

لا أدرى كيف ينصرف بعض الآباء إلى دنياهم الخاصة تاركين أبناءهم يواجهون رياح الحياة العاتية وحدهم بلا سند ولا معين: فأمثال هؤلاء بلا قلب ولا ضمير.. بلا قلب يخشى على فلذات أكباده من غوائل الزمن، ويحنو عليهم ويحميهم من الأخطار التى تتربص بهم.. وبلا ضمير يراعى الله فيهم, ويدرك صاحبه أنه سوف يخضع للحساب يوم العرض عليه سبحانه وتعالي.. والمؤسف أن أباك وأمثاله يتفرغون لملذاتهم وأهوائهم, ويتصورون أنه بمجرد إرسالهم بضعة جنيهات الى أبنائهم يكونون قد أدوا ما عليهم، وقدموا ما هو مطلوب منهم.. وهذه هى آفة بعض الرجال الذين لا يتعلمون الدرس دائما إلا بعد فوات الأوان.

إننى أقدر لهفتك على أبيك وسؤالك المستمر عنه, لكن هل يستحق من قسى قلبه عليك, وصار كالحجارة، أو أشد قسوة، أن يشغل تفكيرك لحظة واحدة, وأن تذرفى دموعك على غيابه عنك؟

إننى لا أناقش هنا الظروف التى أدت إلى انفصاله عن والدتك, ولا الأسباب التى دفعته إلى الحياة بعيدا عنكم, لكننى أتوقف عند قضية أخرى تتعلق بترك الأبناء للغير لكى يربوهم, وأسأل أباك: كيف طاوعك قلبك على أن تترك ابنتك بلا متابعة, ولم تشعرها بحنانك، ولم تسأل عنها، ولم تضمها إليك, وتحرص على الجلوس معها, فتنهل من حبك وحنانك مثل كل البنات اللاتى يعشن فى كنف آباء أسوياء لا يغرهم لهو الدنيا, ولا ينتظرون منها إلا أبناء صالحين بعد أن يؤدوا تجاههم رسالتهم التى أمر بها الله عز وجل؟

وأعود فأسأله أيضا: ألم تشعر يوما بالذنب تجاه ابنتك التى كان الغرباء أحن عليها منك؟، ثم ألا تخشى عليها مما قد ينتابها من إحساس بالظلم والقهر, أو أن تصاب بعقدة نفسية قد يترتب عليها ما لا تحمد عقباه.. تلك العقدة التى تتمثل بوادرها فى كرهها الرجال الذين ترى فيهم صورتك السيئة, والخوف من أن تفقد أمها وتظل وحدها فى هذه الدنيا.

إنها مسئوليتك كأب قبل أن تكون مسألة نفسية، والحديث الشريف يوضح لنا ذلك فى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته.. الرجل راع فى بيته، ومسئول عن رعيته.. إلى آخر الحديث، فإذا كانت الانسانية والرحمة والحب قد فارقت قلبك الميت, فلا أقل من أن تتولى مسئوليتك وتؤدى مهمتك تجاه أبنائك.

أما عن محاكمة الرجال المستهترين, فإن أى قانون فى الدنيا لا يستطيع أن ينتزع الحب من صدور الناس, حتى وإن انتزع الحقوق منهم, لكنى على يقين دائما من أن الله يمهل ولا يهمل, وسيأتى اليوم الذى يندم فيه كل أب جاحد على خطيئته فى حق أبنائه.. وإننى أطلق صرخة تحذير إلى هؤلاء من المصير المؤلم الذى ينتظرهم، وأرجو أن تواصلى سعيك ودأبك وتفوقك الدراسى الذى ألمسه بين ثنايا سطور رسالتك القوية والمؤثرة, وأحيى والدتك الحنون وأبشرها بما أعده الله للصابرين.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 2
    د.سعيد الصادق
    2018/08/24 11:56
    0-
    0+

    قلوبنا معك
    الى صاحبة الرسالة قلبى معك واقدر مشاعرك ولكن اود ان اخفف عنك بعض ماتشعرين به فقط اريدك ان تعلمى ان هناك من هو او هى اسوا حظا واتعس حالا منك فانت لك ام معلومة تعمل على راحتك فى حين هناك من كبر ولا يعلم له اب او ام ولم يحظ ولو للحظة واحدة بحنان ايا منهم اقصد الاب او الام وعليك ان تجدى فى رسولنا الكريم العبرة فقد عاش معظم حياته يتيم الاب والام وكانت حياته سلسلة من الالم فقد كان الله عز وجل يعده للرسالة العظيمة التى اختاره لها كلام الاستاذ احمد البدرى خارطة طريق فاعملى بها والله معك
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 1
    ^^HR
    2018/08/24 11:40
    0-
    0+

    أرى أنه لا عيب قط من الذهاب الى طبيب او معالج نفسى
    فهذه الابنة تحتاج الى معالج نفسى يعيد لها اطمئنانها النفسى والاقبال على الحياة بتفاؤل وحب لأننى اراها تجتر وتختلق مسببات الحزن إختلاقا...هذا فضلا عن تناقضها من خلال إعترافها بأنها محاطة بجميع انواع الرعاية والحب والحنان والانفاق من اقاربها الاقربين فلا تجد ما تضخم به احزانها سوى انصرافهم ليلا ،،، يا بنيتى فطالما وجدت هذا الكم من الحنان من الخال والجد فأعتبريهم بمثابة الاب الذى يعمل فى وردية ليلية او مدينة بعيدة او دولة خارجية
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق