رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صلاح سالم يناظر المفكر الراحل د. سمير أمين حول الفلسفة والسياسة وتغيير العالم..
لماذا تبقى القوى الأخلاقية دائما على هامش التاريخ الذى تصنعه؟
قوى الهيمنة؟

مفكر مصرى مرموق، عاش جل عمره الثمانينى متجولا بين بور سعيد حيث ولد لأب مصرى وأم فرنسية (عام 1931م)، والقاهرة، ثم فرنسا حيث درس عشر سنوات لنيل درجة الدكتوراه فى الاقتصاد، وأخيرا بعض الدول الإفريقية خصوصا السنغال حيث عمل وأقام سنوات طوال. اتسم نشاطه بالتجوال بين الفكر والنضال، فتراه تارة منظرا لمدرسة التبعية ذات الباع الكبير في نقد الرأسمالية من منظور اشتراكى عالمثالثى طيلة السبعينات عندما كتب «التراكم على الصعيد العالمى»، «التبادل غير المتكافئ وقانون القيمة»، «قانون القيمة والمادية التاريخية».

كما تراه تارة أخرى حركيا يسهم في بناء المؤسسات، ويقود المنتديات والتجمعات خصوصا في بلدان إفريقيا، حيث عمل مستشارا اقتصاديا في مالي والكونغو برازافيل ومدغشقر، ومديرا لمعهد الأمم المتحدة للتخطيط الاقتصادى بداكار طوال السبعينيات، وشارك في تأسيس المجلس الإفريقى لتنمية البحوث الاجتماعية والاقتصادية (كوديسريا) ومنتدى العالم الثالث، فمنتدى البدائل، الذي ترأسه أخيرا.

قرأت له فاختلفت معه حول تفسيره لأزمة المجتمع العربى الذي اختصرها في ضعف قوى اليسار، ولكن استمتعت بنقده للمركزية الأوروبية ونرجسية الوعى الغربى، أما الذى دفعنى لمحاورته فهو إسهاماته الرائدة في نظرية التبعية التي قدمت النقد الأبرز لنموذج التطور الرأسمالى من داخل العالم الثالث نفسه، والتى درستها ضمن مادة التنمية السياسية وأنا طالب بكلية الاقتصاد عام 1992م. ولعل ما أثار فخرى، كمصري، أن وجدته مواكبا لروادها الكبار بجانب المنظرين البرازيلين دوس سانتوس، وفرناندو كاردوسو الذي بلغ سدة الرئاسة في بلده بعد ذلك، وقبل الرئيس السابق أيضا دا سيلفا. إنه المفكر الماركسى د. سمير أمين، الذى غادرنا لتوه عن عمر يناهز السابعة والثمانين، والذي كنت محظوظا بهذا الحوار التناظرى معه (أحد حوارين أجريتهما فى حياتى) فى شقته على نيل الزمالك الهادئ، لثلاث ساعات كاملة بدأت بعد ترحيب حار وحفات بمشاغبات فكرية شيقة، حول السياسة والفلسفة ودورهما فى تغيير العالم.


> فى حوار حول تغيير العالم ربما يفضل البعض أن يبدأ من العالم منطلقا نحو ذاته، وقد يفضل البعض الآخر أن يبدأ من ذاته منطلقا نحو العالم فأيهما تفضل؟ وهل هناك فارق كبير؟

يتوقف الأمر على طبيعة المفكر، فهناك مفكر مثالى يرى العالم من داخل ذاته، وآخر واقعى يرى نفسه فى سياق العالم.

> فهل نبدأ من سمير أمين?

ـ كيفما شئت.

> تبدو فترة دراستكم بفرنسا لنيل درجة الدكتوراه بين عامى 1947، 1957 أشبه بفترة تكوين شخصى.. كما كانت فترة تكوين لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذى ساد القرن العشرين.. هل كان لديكم آنذاك وعى بعمق ما يجرى من تغيير فى العالم؟.

ـ نعم ففى عام 1950 كان عمرى 20 سنة، وكنت أراقب ما يجرى من موقعى كمصرى، وأيضا كباحث علمى، وكنت قد بدأت بالنشاط السياسى مصاحبا للنشاط الفكرى، فأنا لا أفصل النشاط الفكرى عن المواقف السياسية.

> كيف رأيت إذن من موقفك المستقل هذا عملية صياغة العالم الجديد؟

النظام العالمى الذى ساد القرن العشرين ولد فى الحرب العالمية الثانية ولا يزال قائما حتى الآن. فما حدث من تغيير فى العالم منذ تلك الحرب وحتى الآن تم عبر مرحلتين ولكن داخل الموجة التاريخية نفسها: المرحلة الأولى تبدأ من 1950 حتى 1989م وهى مرحلة كان لها سمات مستقرة. والثانية تبدأ من 1989م وحتى الآن، وبالتحديد حتى أزمة النظام الرأسمالى التى تفجرت منذ عام 2008م وهى مرحلة انتقال لم يبدو فيها الجديد. فى المرحلة الأولى كان الشئ المميز هو المبادرات المستقلة مما يسمى ببلاد الجنوب التى أفضل تسميتها تخوم المنظومة الرأسمالية العالمية. أما الآن فنحن نعيش داخل منظومة عالمية رأسمالية استعمارية الطابع لأنها تعيد إنتاج الاستقطاب أو الفجوة المتزايدة بين البعض والبعض الآخر، لصالح مركز رأسمالي، أسميه بالاستعمار الثلاثى (الولايات المتحدة، غرب أوروبا، اليابان) على حساب الباقى وهو التخوم.

> ولكن مدرسة التبعية، والتى تنتمى إليها، كانت تسمى التخوم بالأطراف خلال السبعينيات ألا يوجد فارق بين تخوم اليوم وأطراف السبعينيات؟

لا هى مشكلة لغوية فقط لأن الأطراف وقتها كانت هى المصطلح الدارج.

> ولكن لدى شخصيا تصور أجد فيه دورا للتخوم وللأطراف معا؟

ما هو تصورك؟

أتصور أن وصف التخوم يتناسب مع المناطق التى كانت فى وضع تماس مع المراكز الرأسمالية، ومن خلاله تمكنت من إحداث نهضة صناعية جديدة مثل الهند والبرازيل والأرجنتين والمكسيك مجموعة النمور الآسيوية، أو غيرها من المناطق التى حققت طفرات فى النمو الاقتصادى تكاد تقترب بها ولو بشكل ما من مناطق الشمال، فى حين تبقى الأطراف الحقيقية بعيدة عن تلك العملية على منوال العالم العربى، وإفريقيا جنوب الصحراء مثلا.

ـ إننى استعملت كثيرا مصطلح «التخوم المهمشة» لتسمية الأطراف البعيدة عن عمل المراكز الرأسمالية، والتمييز بينها وبين التخوم المتداخلة مع هذه المراكز والمؤثرة فى حركتها، وكان يشاركنى تلك التسمية د. إسماعيل صبرى عبد الله، ولكن ليس لدى مانع فى استخدام المصطلحين معا، فيبقى وصف الأطراف بديلا عن التخوم المهمشة خصوصا وإننى لا أحب استخدام كلمة المهمشة.

> فى رأيك ما هو الفارق بين العولمة بعد 1990 والرأسمالية قبل 1990؟

للعولمة وجود قديم وإن اتخذ أشكالا مختلفة، فالعولمة أولا هى نتاج لحركة الكشوف الجغرافية التى قامت منذ القرن السادس عشر بغزو أمريكا، وثانيا للاستعمار التقليدى أوائل القرن التاسع عشر والذى قام بغزو آسيا وإفريقيا. ثم تلى ذلك مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وهو نمط آخر من العولمة قائم على قيام دول التخوم بمبادرات مستقلة. وأما فى المرحلة الممتدة من1990 – 2008م فشهدت تفجر التناقضات بين التخوم نفسها، فما حدث فى بعض التخوم كان مختلفا جداً عن التخوم الأخرى المهمشة أو عن الأطراف بتعبيرك أنت، فهناك بلاد دخلت فى هذه العولمة الاستعمارية وأنجزت معدلات نمو مرتفعة كالصين والهند وماليزيا وكوريا وبعض البلاد حققت معدلات متوسطة وبعضها لم تحقق أى شئ رغم كونها بلاد كبيرة.

دعوى نهاية التاريخ لغو فارغ..

والأزمة العالمية ستهزم الحداثة الرأسمالية

> فى بداية الخمسينيات وضع هـ. ستيوارت هيوز مصطلح «نهاية الايدولوجيا السياسية» قاصدا الشيوعية بنهاية عهد ستالين، وهو ما كذبته الأحداث فى العقدين التاليين. ثم ادعى منظرى الرأسمالية بنهاية التاريخ بعد إخفاق التجربة السوفيتية فعليا حتى كانت الأزمة الرأسمالية العالمية.. برأيك هل غيرت تلك الأزمة بعض القناعات، وهل تتصور حدوث تحورات هيكلية على بنية النموذج الرأسمالى مستقبلا؟.

ـ هذه الأزمة أنهت فعليا المرحلة القصيرة للهيمنة الليبرالية التى بدأت 1990 وانهارت 2008 أى أنها استمرت فقط لنحو 18 سنة وهذه مرحلة قصيرة جداً ، وأما الكلام الذى قيل فى بداية التسعينيات عن نهاية التاريخ لصالح الرأسمالية، ثم اختصر الرأسمالية فى جناحها الغربى وحده بعد الأزمة المالية لدول شرق أسيا وجنوبها نهاية التسعينيات، فهو لغو فارغ، فلا يوجد شئ فى التاريخ مكتمل، وليس هناك ما يسمى نهاية التاريخ.

> أحد مظاهر العولمة هو تكثيف عملية إعادة إنتاج التفاوت بين الشعوب، فالمفكر الأرجنتينى إنريك داسل، مثلا، يؤكد على وصول هذا التفاوت إلى حد التفجر. وهناك كتابات مهمة مثل «الدولة فى القلب» لـ بيير كالام وآندريه تالمان» تؤكد على وجود أزمات عالمية مستحكمة على مستوى علاقتنا جميعا كبشر بالبيئة، وعلاقة الدول والمجتمعات ببعضها البعض، وعلاقتنا كأفراد وطبقات داخل المجتمع الواحد. ما يعنى أن العولمة أعادت صياغة التناقض على مستوى كونى شامل، فما كان تناقضاً محدوداً أصبح تناقضاً شاملاً؟.

ـ لم أتابع عمل داسل جيدا، ولكن كالام وتالمان باحثان شهيران فى فرنسا، وتحذيراتهما هذه فى محلها تماما، فهما يدعوان إلى حماية الدولة من تغول العولمة، ما لن تسمح بها المراكز الرأسمالية رغم شعورها بالأزمة الراهنة، فالمواجهة الحقيقية مع هذه الأزمات الثلاث لن تكون ناجحة إلا عندما تتوقف شعوب التخوم والأطراف عن أن تكون مجرد أسواق مفتوحة لمزيد من الغزو الرأسمالى، وتدرك أنها قوميات أو أمم ناهضة بازغة تستطيع أن تسيطر على أسواقها وتفرض مبادرات مستقلة على الاستعمار وتضطره أن يتكيف معها وليس العكس وهذا هو التحدى اليوم، وهو تحدى مماثل لتحدى الخمسينيات وإن كان فى ظروف مختلفة.

> ولكن برأيكم أى تلك الأزمات هى الأكثر حدة وتحكما فى المصير البشرى؟. وهل يبدو الفكر الإنسانى منتبها إلى تلك الأزمات فعليا أم تراه يكتفى بالإشارة إليها من دون خطة عمل فى مواجهتها؟.

ـ ربما كان هناك وعى عام بها لدى المفكرين والمثقفين، ولكن النجاح الفعلى فى مواجهتها يتطلب خطة عمل لا تزال غير موجودة، فوجودها يتطلب الإجابة على ثلاث أسئلة أساسية:

أولاً هل من الممكن لدول لتخوم أو على الأقل العدد الغالب منها، أن تتخذ مبادرات مستقلة عن التيارات السائدة عالمياً.

ثانيا ما هو محتوى هذه المبادرات، وما هى أهدافها سواء على المستوى الاقتصادى البحت أو الاجتماعى أو السياسى، وهل تتيح فرص حقيقية لنهضة الأمم وليس فقط نهضة الأسواق.

ثالثاً هل من الممكن بالرغم من التفاوت الكبير بين التخوم والأطراف، أن تكون كتلة كما كانت زمن باندونج، ما يفرض على الاستعمار أن يتكيف مع مطالب مستقلة للجنوب. شخصيا أنا متفاءل وأرى بداية بزوغ وعى جديد يتمثل فى أشكال عدة كتحالف شنغهاى بين الصين، وأسيا الوسطى وروسيا وإيران والهند وجنوب شرق أسيا وهؤلاء ثلثا الإنسانية ولديهم القدرة على المنافسة والتطور التكنولوجى المستقل. لذلك فمشروع إيران النووى هام جدا بغض النظر عن كون نظامها الداخلى ديمقراطى أو لا، المهم أن تحوز القدرة الدفاعية.

> لماذا برأيكم أخفقت جل الحركات البديلة للعولمة فى مواجهتها، وذلك برغم مرور أكثر من العقد منذ شاركتم فى تأسيس «المنتدى العالمى للبدائل» عام 1997؟ ولماذا تبقى دائما القوى الإنسانية على هامش التاريخ الذى تصوغ متونه فى الأغلب قوى الهيمنة؟.

ـ نحن فى المنتدى العالمى للبدائل لا نتحدث عن العولمة بالمطلق لكن عن العولمة القائمة بالفعل التى هى عولمة رأسمالية استعمارية فى مرحلة معينة من ظهورها أما مواجهتها فيتطلب تنظيم هذه القوى على صعيد عالمى وهذا لا يمكن أن يحدث إلا بوجود توازن نسبى أفضل بين الشعوب المختلفة وبين القوى الطبقية المكونة للجماعات المختلفة.

> ألا تخشى أن يكون مصير الحركات البديلة للعولمة مشابه لمصير الحركة الرومانتيكية التى ولدت فى نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر ضد العقلانية المتطرفة لعصر التنوير، ولكنها لم تنجح فى إيقاف مده أو تعديل سيره فى الوعى الغربى.. هل يمكن القياس بين الحركتين؟.

ـ الفكر الاجتماعى دائما ما يكون فيه تيار سائد، ولكنه غالبا ما يحتوى على تيارات رجعية، وعندما ننظر إلى التيارات المختلفة المكونة ليس للمنتدى العالمى للبدائل لكن للمنتدى الاجتماعى العالمى نجد مجموعة من التيارات مختلفة تماما. هناك تيارات تقدمية بمعنى أنها تنظر إلى التحديات الحقيقية وتبحث عن حلول للتناقضات المرحلية المباشرة وتتصور مستقبل أممى أفضل، ولكن هناك أيضاً تيارات رجعية موجودة ليس فقط فى التخوم ولكن أيضاً، وربما أقوى أحيانا فى دول المركز.

القول بنهاية الدين حديث سطحى لأن الإنسان ميتافيزيقى بطبعه..

والفلسفة لن تموت لأن أسئلة الوجود الكبرى لا تزال مطروحة

> ادعت الفلسفات المادية نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، أن الدين كتفسير شامل للوجود قد انتهى دوره أو تقوض أمام سطوة التقدم العلمى، غير أن الثلث الأخير من القرن الماضى شهد إحياء دينيا عاما هندوسيا ويهوديا ومسيحيا وإسلاميا حتى باتت الأصولية مشكلة واقعية للنظام العالمى القائم، فكيف تتصورون برأيكم مستقبل الدين فى القرن الحادى والعشرين؟.

ـ القول بنهاية الدين كلام فارغ ومتسرع، لأن الإنسان ميتافيزيقى بطبعه، ولا يمكن أن يتفادى السؤال عن الكون والوجود ومعنى الحياة. فالإنسان فى تاريخه أنتج الأديان وليس العكس. من هذه الناحية أنا لست وضعيا على الإطلاق. فمن الناحية الفيزيقية الاكتشافات العلمية وتطبيقاتها مهمة جداً لكنها لن تكفى وبالتالى الباب مفتوح لتصورات دينية وبالتالى عقائد دينية جديدة.

> ماذا تعنى بعقائد دينية جديدة؟

ـ أقصد تصورات دينية جديدة حتى عن الأديان السابقة نفسها، فأنا لا أنظر إلى الإسلام الصحيح، أو المسيحية الصحيحة، أو الماركسية الصحيحة أو حتى الأفكار الليبرالية الصحيحة، فكلمة الصحيح (أى المطلق) خارج الفلسفة. بل أنظر إلى الإسلام كما تعيشه الشعوب التى تنتمى إلى هذه العقيدة الدينية وتختلف من بلد لبلد ومن فترة تاريخية لأخرى. وكذلك بالنسبة لأى عقيدة أخرى كالماركسية، فهناك ماركسيون دينيون يبحثون عن لاهوت ماركسى. أنا أنظر إلى الماركسيات التاريخية أى كيف فهم الماركسيون الماركسية. وهذا المعنى واضح سواء فى تاريخ المجتمعات الاسلامية، أو المسيحية أو البوذية أو غيرها، فالعقيدة الدينية تكيفت وتغيرت وتمردت أحياناً وفى بعض الظروف تجمدت.

> إذن فأنت تقصد الأنماط الجديدة للتدين وليس العقائد الدينية الجديدة، فالتدين العنيف هو نوع من الإفلاس الروحى، وليس الإيمان العميق، وهو أمر يحدث عندما تواجه المجتمعات أزمات كبرى تعجز عن التكيف الإيجابى معها، فتهرب إلى الماضى طارحة سؤال الهوية بعنف وغضب، فالسؤال عن الهوية معناه فقدان الثقة فى هذه الهوية، وفى حالة الدين معناه فقدان القدرة على استيعاب هذا الدين أو تجسيد مثله الصحيحة.

ـ أشاركك الرأى تماما، فالتطرف إفلاس للمجتمع وليس للعقيدة الدينية فى حد ذاتها، المجتمعات الناجحة فى أوقات الازدهار لا تتساءل عن هويتها ولا تخشى أن تتفاعل مع الآخر. ودعنى هنا أرسم لك صورة كاريكاتورية: فالإسلام السياسى اليوم ليس حركة روحية، بل طقوسى بالشكل المتعصب وأحياناً الإجرامى، فهو لا يرفض على الإطلاق الخضوع لمطالب الرأسمالية العالمية. الشخص المنتمى للإسلام السياسى يمسك فى يده اليمنى القرآن واليسرى زجاجة كوكاكولا وهذا مفيد للاستعمار جدا. فالأخير لا يهمه بماذا تدين ولكن بكم تشترى. ومن ثم فإشكالية الأصالة مفهوم غير علمى، وشئ ليس له وجود، فهى فى واقع الأمر تحولات تاريخية متتالية.

> أعلنت الوضعية المنطقية فى ثلاثينيات القرن العشرين عن نهاية الفلسفة التأملية، وطالبت بها مجرد خادمة للعلم التجريبى، ما كان من شأنه أن يضع سؤال الوجود كله فى أنبوبة اختبار، حتى كانت ثورة فلاسفة العلم الكبار توماس كون وكارل بوبر فى النصف الثانى من القرن العشرين على طريق استعادة المجال الفلسفى من قبضة الوضعية، فكيف تقيمون الموقف الفلسفى راهنا؟.

ـ فى خلال القرن التاسع عشر، كان هناك تيار فى الفلسفة الغربية لكنه ليس التيار الوحيد يقول بالفلسفة الوضعية التى انتهت برفض المطلق بشكل عام والاكتفاء بالاكتشافات النسبية للعلم، هذه ليست فلسفة بل فكر اجتماعى بمعنى أن القائلين بها لديهم موقف اجتماعى معين. ولكنى أؤكد هنا على أن المادية التاريخية ليست وضعية بهذا المعنى على الإطلاق، فهى نظرة كونية تعطى مكانة للتسامى الميتافيزيقى لكنها تضعه فى أشكال محدودة بعيدة عن أشكال الاستلاب.

> فيما بشرت الفلسفة الفرنسية عبر جاك ليوتار بإعلان نهاية الحداثة قبل ثلاثة عقود تقريبا وذلك فى كتابه الشهير «الظرف ما بعد الحداثى: تقرير عن المعرفة» عام 1979م. وواصلت الطريق نفسه مع جاك دريدا، لا تزال الفلسفة الألمانية خصوصا مع هابرماس تدعو إلى تطهير الحداثة من شوائبها وتناقضاتها بمزيد من إعمال العقل النقدى والتواصلى، بماذا تفسر ذلك الفارق بين المزاج الألمانى والفرنسى؟ .

ـ الحديث عن نهاية الفلسفة موضة وأنا أشك فى صلاحيته فالحداثة لا نهاية لها. ولكن لا يحضرنى الآن تفسير لهذا الفارق بين المزاجين، فهل لديك أنت؟.

> ربما لأن المزاج الفرنسى هو مزاج شكى فى بنيته منذ ديكارت وحتى التيارات الوجودية الذى عصفت به منتصف القرن العشرين خصوصا لدى سارتر، والمزاج الشكى عندما يواجه لحظة جوهرها عدم اليقين فإنه غالبا ما يواجهها بالقطيعة، ومن ثم يحبذ الحديث عما بعدها، وذلك على العكس من المزاج المثالى الألمانى المحمل بتراث طويل من الروح النقدية، كرس لديه نزعة تواصلية، فهذا المزاج عندما يواجه بلحظة لا يقين، يميل إلى إعادة طرح مسلماته للنقاش بقصد التعديل لا التجاوز أو القطيعة، وربما هذا حال هابرماس الآن فى دعوته لتأسيس العقل التواصلى، وصياغة حداثة جديدة.

ـ أوافقك الرأى تماما على هذا التفسير، الذى أثار لدى إضافة مهمة وهى أن الحداثة التى مثلت قطيعة فى تاريخ الإنسانية الطويل، لم تحدث بالصدفة وإنما بالمساهمة الإبداعية للنظام الرأسمالى كنمط اجتماعى قائم على تأكيد دور الفرد، المعرفة، والعقل. وربما كانت المعرفة والعقل والفن موجودة قبل ذلك، لكن الرأسمالية فى نزعتها الفردية أكدت على أن الإنسان هو صانع تاريخه.

> لماذا انتهت أو لنقل تآكلت ظاهرة الفيلسوف الشامل فى الفكر العالمى بانتصاف القرن العشرين على الأقل، فلم يعد هناك ديكارت وسبينوزا وكانط وهيجل، أو حتى كيركيجارد وسارتر؟.

ـ ماذا تقصد

> أقصد حلول المفكرين المتخصصين محل الفلاسفة النسقيين، فـ بيار بورديو مثلا صرف جل اهتمامه إلى معالجة قضية جزئية كالعلاقة بين وسائل الإعلام الحديثة وبين فكرة الديمقراطية فى المجتمع الحديث فهل كان ذلك تعبيرا عن تطور تاريخى موضوعى، أم مجرد انعكاس لضعف الجوانب الأخلاقية والقوى الخلاقة لدى الإنسان المعاصر؟.

ـ يبدو ذلك فى المرحلة الراهنة لكن أشك أن تستمر هذه الأوضاع لمدة طويلة لأن التساؤل الكونى والتصور الوجودى لا يمكن أن يتوقف أبدا. فهابرماس، مثلا، كتب أشياء تقدمية خلال حياته عندما كان ينتمى لمدرسة فرانكفورت التى قدمت اجتهادات كبيرة فى نقد الحداثة الرأسمالية، ولكنه الآن صار يتحيز للتيار الليبرالى.

حاولت فضح التمركز الأوروبى من منظور اقتصادى ـ سياسى

وهو ما حاوله إدوارد سعيد من منظور أدبى.

> فى كتابكم (نحو نظرية للثقافة) الصادر عام 1989م نقد للمركزية الأوروبية، ومحاولة إنتاج رؤى بديلة، أو ما أسميتموه «نظرية عالمية الآفاق للثقافة»، وكان ذلك بعد صدور «الاستشراق» عام 1978م، وقبل صدور «الثقافة والإمبريالية» عام 1993م وهما الكتابان اللذان حاول من خلالهما إدوراد سعيد القيام بالمهمة نفسها والنيل من نرجسية الغرب الثقافية، فهل كان بينكما تواصل كمفكرين عربيين بارزين صار لكما حضورا إنسانيا؟

ـ فى هذا الكتاب قمت بنقد التمركز الأوروبى من خلال الاقتصاد والفكر الاجتماعى بشكل عام. فقد حاولت اكتشاف العلاقة بين هذا التمركز الغربى وسمات الرأسمالية القائمة بالفعل كمنظومة معولمة. فالثقافة السائدة عالميا ليست المسيحية كما يتصور الإسلام السياسى، بل هى ثقافة رأسمالية مبادئها الأساسية هى سيادة الأسواق، الفردية، التوسعية. هذه العلاقة العميقة بين التمركز الأوروبى والغزو الاستعمارى لا يمكن فصلها، وهو ما حاولت فضحه، كما حاول إدوارد ولكن من منظور الأدب المقارن.

> إذن ننتقل إلى المجال العربى، فقد قام د. برهان غليون بترجمة كتابكم التطور اللامتكافىء عام 1974، ثم تشاركتما فى كتاب «حوار الدولة والدين» عام 1996م، ولعل ذلك يثير قضية العلاقة بين المثقفين العرب عموما والمغتربين خصوصا؟ وهل صار بإمكانهم أن يكونوا جزءا من الإنتلجنسيا العالمية أم أنهم غير قادرين على لعب هذا الدور، ولماذا؟.

ـ دور المثقفين كبير وليس صغيرا فى الأصل، فلا توجد حركة اجتماعية أو وعى تاريخى سائد من دونهم، لو نظرنا إلى دور المثقفين العرب فى النصف الأول من القرن العشرين لوجدناهم فاعلين، ففى مصر مثلا، منذ ثورة 19 حتى الخمسينيات، وتبلور المشروع الناصرى، كانت الانتليجنسيا المصرية تلعب دورا حاسما وظهرت على جناحين الجناح الديمقراطى الذى كان الوفد إلى حد ما رمز له، والجناح الشيوعى. أما الأخوان المسلمون والإسلام السياسى عموما فلم يكن لديهم وعى بالعالم. مشروع الاستقلال الوطنى لم يتجاهل أبداً الجانب الثقافى والحضارى.

> والآن؟

ـ الآن أشك، فكما قال هيكل الفورة البترولية حلت محل الثورة، ثم جاءت آليات العولمة ومزقت المثقفين ولم يعد ممكنا لهم أن يتجمعوا على موقف؟

> فى عام 1985م رصدتم حالة العالم العربى فى كتابكم «أزمة المجتمع العربى»، وبعد ذلك صدر كتابكم «فى نقد الخطاب العربى الراهن» عن دار عين وفيه إدانة شديدة للخطابات السياسية العربية المتصارعة الرأسمالى، والقومى، والإسلام السياسى، ما الذى تغير فى ربع القرن الماضى؟

ـ بعد عام 1985 أو قبله كان هناك ضربات من الخارج لابد أن نعطيها حجمها فالمنطقة العربية، على الأقل الشرق أوسطية منها، تحت هجوم عسكرى مستمر من الكيان الصهيونى، وقد كان للنظم العربية الشعبوية الناصرية والبعثية حدودها الدفاعية العسكرية، وكان ذلك عامل حاسم فى تثبيت هيكلة المنطقة، أما الآن فبات الوضع أسوأ لأن هذه الحدود الدفاعية إما أزيلت أو تخلخلت، وصرنا نعيش حصارا إسرائيليا وإقليميا.

> هل هى أزمة قوة عسكرية، أم تحديث أم حداثة؟

ـ الثلاثة مرتبطين ببعضهم بعض.

> أمام هذا التحدى ما هى القوى السياسية البارزة الموجودة فى الساحة حالياً والتى يمكنها احتضان عملية نهوض حقيقى: اليسارية المتداعية أم القومية المنسحبة أمام الإسلام السياسى، أم الديمقراطية الوليدة التى لا تستند إلى قواعد مجتمعية حقيقية؟.

ـ أقول للأسف لا، ما يحتل المسرح حالياً فى الدول العربية ثلاث قوى: النظم، أى ما تبقى من النظم الشعبوية التى أصبحت أوتوقراطية مباشرة. والوكالات الليبرالية أى الذين يعتبرون أنفسهم ليبراليين ديمقراطيين وهم يدافعون عن حرية المبادرة الاقتصادية فقط ما يجعلهم أقرب إلى (توكيلات ليبرالية)، والإسلام السياسى، وهؤلاء جميعاً لا أنتظر منهم شيئاً. ويبقى الأمل فى إنعاش يسار عربى.

> أرى مهمة خلق يسار عربى قوى بعيدة المنال.. أو لأصارحك القول أنها موقف إيديولوجى، فلنترك الإيديولوجية ولنتحدث مثلا عن المتطلبات الموضوعية لإحداث التغيير المنشود؟

ـ طالما ذهبت أنت هذا المذهب فدعنى هنا أتحدث عن مطالب عملية مباشرة وليس فقط موضوعية، يمكن تلخيصها فى ثلاث: أولا أن يبتعد العقل العربى عن أوهام الحل النهائى الإسلامى ويدرك أنه جزء من البشرية وأن أبرز التحديات الإنسانية عملية وليست ثقافية، فالتعدد الثقافى أمر واقع موجود منذ آلاف السنين، ولا يمثل التحدى العالمى الحقيقى. وثانيا الديمقراطية التى ليس معناها وصفة الانتخابات التعددية الحزبية التى تتحول إلى كوميديا فى بعض الأحيان، بل هى حق مبادرة الجماهير الشعبية وحق الطبقات الكادحة فى أن تنظم نفسها بنفسها لكى تدافع عن مصالحها الاقتصادية والاجتماعية المباشرة. وثالثا تكتل اجتماعى معادل للكومبرادورية، فمثلا فى مصر الطبقة الحاكمة كومبرادورية بامتياز فهى رأسمالية طفيلية أقرب إلى التوكيلات التجارية.

> ماذا يجب إذن على مصر؟

دخول الطبقات الشعبية فى فرض التغيير انطلاقاً من الصراع من أجل حقوقها السياسية والاجتماعية، أى ديمقراطية أكثر.

> هل لديك أمل فى ذلك؟

ـ بالطبع، فما هو ضرورى موضوعيا من الممكن أن يتحول إلى حقيقة واقعية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق