رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ترامب والسقوط على صخرة «هلسنكى»

مروى محمد إبراهيم
أداء هزيل لترامب فى قمة هلسنكى

«مرحبا بالأعداء.. ووداعا للحلفاء» شعار رفعه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وازدادت وطأته خلال قمة مجموعة السبع الاقتصادية وما تلاها من اجتماعات دولية، ليصيب العالم بحالة غير مسبوقة من الدهشة والذهول. فعلى الرغم من أن العالم اعتاد على السلوك العفوى المثير للجدل للرئيس الأمريكي، الذى يتسم عادة بعدم النضوج السياسي، إلا أن قمته مع نظيره الروسى فلاديمير بوتين كانت بمثابة القشة التى قصمت ظهر البعيرخاصة على الصعيد المحلي، سواء فيما يتعلق بعلاقته بالحزب الجمهورى أو بأجهزة الأمن والمخابرات الأمريكية. فقد بدا ترامب خلال قمته مع بوتين كما لو كان طفلا يحبو فى عالم السياسة فى مواجهة الذئب الروسى المحنك، ولا أدل على ذلك من مشهد إلقاء بوتين الكرة لترامب بوصفها هدية غير تقليدية. ليؤكد مدى سيطرته على المشهد واللقاء الذى دار بينهما على مدار أكثر من ساعتين. ففى الوقت الذى حاول فيه ترامب تبرئة نفسه من الاتهامات بالتواطوء مع روسيا للفوز بمنصب الرئاسة، جازف برعونة بالغة بفرص حزبه فى الفوز بانتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل.

لا شك فى أن المؤتمر الصحفى الذى جمع بين ترامب وبوتين، عقب قمتهما الاستثنائية، كان كارثيا بكل المقاييس بالنسبة للرئيس الأمريكي، والذى جاهد بلا جدوى للتخفيف من حدته فى الأيام التالية، فى حين تألق رجل المخابرات الروسى الذى بدت تصريحاته مدروسة وحاسمة وتؤكد مكانة بلاده كقوة عظمى لا يستهان بها.

منذ اللحظة الأولى لسيطرته على مقعد الرئاسة، لم يفلح ترامب فى إخفاء تعاطفه الشديد مع روسيا، وهو ما سبب له الكثير من الإحراج على مدار العام ونصف العام تقريبا، ولكن هذا التعاطف تأكد فى القصر الأصفر بالعاصمة الفنلندية هلسنكي، حيث بدا ترامب كما لو كان منوما مغناطيسيا وبوتين يقوده بكل سلاسة ويسر، حيث جاهر بكل سذاجة بإدانته للمخابرات الأمريكية وأجهزته الأمنية فيما يتعلق بالأدلة التى توصلت لها حول التدخل الروسى المحتمل فى الانتخابات الرئاسية لصالحه ، وأنكر نتائج التحقيقات مكتفيا بقوله «لقد أكد لى الرئيس بوتين أنه لم يفعلها». ولم تكن هذه هى السقطة الوحيدة التى أدانت ترامب، فقد كان ترحيبه غير المتوقع بالسماح للمحققين الروس باستجواب الشخصيات المتورطة فى أزمة التواطؤ مع روسيا الطامة الكبري. ولم يتوقف الحرج عند هذا الحد، ففى غضون نحو 24 ساعة ، واجه ترامب كاميرات وسائل الإعلام مرة أخرى ولكن هذه المرة من مكتبه فى البيت الأبيض وهو يقرأ تصريحات مكتوبة، تتعارض مع تصريحاته السابقة، يؤكد فيها إدانته الكامله للجانب الروسى والرئيس بوتين، بل ويؤكد احترامه لأجهزة الأمن الأمريكية وإيمانه الكامل بما توصلوا له من قرائن تدين موسكو.

ولكن هل الأزمة اقتصرت على تصريحات ترامب المحرجة، والتى استغلتها وسائل الإعلام الأمريكية فى توجيه ضربة قوية لترامب والتعبير عن كراهيتها الشديدة لبوتين ، بوصفه العدو الأول والأخطر للولايات المتحدة؟ الإجابة ببساطة هى لا. فترامب أثبت للمرة الألف فشله فى التواصل مع فريقه الرئاسي. فوفقا لصحيفة «واشنطن بوست” ، فإن فريق ترامب قدم له قبل قمته مع بوتين تقريرا من مائة صفحة يضم شرحا تفصيليا للقضايا التى يجب أن يتطرق لها خلال مباحثاته مع نظيره الروسي، وكيف يتعامل معه والقضايا التى يفضل تجنبها. ولكن يبدو أنه لم يبذل الكثير من الجهد لقراءة التقرير ومعرفة محتواه. والأدهى من ذلك أنه لم يبلغ فريقه الرئاسى ومعاونيه بتفاصيل المباحثات التى دارت بينه وبين الثعلب الروسي. وهو ما دفع المعسكر الديمقراطى للمطالبة باستجواب مترجمته، بوصفها الشخص الموثوق به الوحيد الذى شارك فى الجلسة، ونظرا لأن عملها يتطلب منها تسجيل بعض النقاط الرئيسية لترجمتها بدقة.

كل المؤشرات تؤكد أن ترامب يتعامل مع السياسة الخارجية الأمريكية بوصفها أحد المشاريع الخاصة بشركاته، والتى لا يحق لأى شخص سواه التحكم فيها ، ولكن الأسوأ أن مصالحه الشخصية عادة ما تتغلب على الصالح العام. فشركته تعمل لحسابه وليس لحساب شعب بأكمله أو حتى لحساب حزبه الذى يواجه موقفا صعبا خلال انتخابات التجديد النصفى للكونجرس خلال أشهر قليلة. فكان شعار “أمريكا أولا” الذى يرفعه منذ بدء الانتخابات هو فى واقع الأمر شعار “أنا أولا” والذى بدا واضحا خلال قمة هلسنكى وما سبقها من اجتماعات دولية.

فقد تجاهل بكل بساطة أن هناك من الأدلة ما يثبت تورط روسيا فى عمليات قرصنة متتالية على أنظمة حيوية تتعلق بالمؤسسات الحكومية الأمريكية، بل إنه تجاهل أن شركة فيسبوك اضطرت لتغيير سياساتها وواجهت تحقيقات مضنية بعد ثبوت ترويجها لدعاية روسية التمويل تلاعبت بالرأى العام الأمريكى خلال الانتخابات الرئاسية. وهو ما يمكن اعتباره إدانة مباشرة لموسكو فى هذا الملف تحديدا.

كما تجاهل دعمه المفترض للحلفاء الأمريكيين التقليديين، فحرص قبل أيام من قمة هلسنكى على توجيه الاتهامات للقيادات الأوروبية خلال قمة حلف شمال الأطلنطى “الناتو” ، ولم يتوان عن اتهام المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأنها “أسيرة لروسيا” بسبب استيرادها الطاقة من موسكو. كما تعامل باستهانة وتعالى شديدين مع شركائه فى الناتو، وكان التهديد بالانسحاب هو الشعار الذى رفعه خلال اجتماعاتهم. وهو ما يأتى بعد أيام من إعلان الحرب التجارية عليهم.

أما الحرب التى يشنها الإعلام الأمريكى حاليا على روسيا، فليست سوى جزء من كراهيته العنيفة ورفضه لسياسات ترامب؟ بل والحرب التى يشنها البيت الأبيض بشكل متواصل على الإعلام الأمريكى وتشكيكه المستمر فى مصداقيته. إن وطنية ترامب على المحك الآن، والاختبار الأكبر لها هوالانتخابات المرتقبة، فهل سيعاقبه الشعب الأمريكى على سقطاته وأخطائه المستمرة ؟ أم أنه سينجح فى إنقاذ حزبه من الهزائم التى تهدده؟.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث:
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق