رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«التخاذل» أزمة أكبر أحزاب المعارضة فى تركيا

أنقرة ــ سيد عبد المجيد
رجب طيب أردوغان

ثلاثة أيام كاملة عقب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التى جرت قبل حوالى أسبوع، فيها انزوى كمال كيلتش زعيم الشعب الجمهورى أكبر أحزاب المعارضة فى تركيا بمنزله، وباليوم الرابع عقد مؤتمره الصحفى بعد جلسة امتدت لساعات مع الهيئة العليا لحزبه . واقعة الاختفاء ــ التى وصفها أنصاره بأنها مقصودة بهدف التدبر والتفكر والتقييم ــ لم تكن السابقة الأولى، هكذا فعل كيلتش دار أوغلو، عقب كل الاستحقاقات التى خاضها وهو رئيس للحزب، كان آخرها الاستفتاء على التعديلات الدستورية المثيرة للجدل فى إبريل العام الماضى.

وللأنصاف فإنه كان فى تلك المرة محقا إلى حد ما، بعد أن ٌصدم من آلاف البطاقات غير المختومة التى حشرت حشرا فى صناديق الاقتراع لتنقلب صرخة الـ«لا» للاستبداد إلى «نعم» مخزية غير حقيقية تبارك الطاغوت .


كمال كيلتش

 

ورغم ذلك كان يمكنه آنذاك استثمار الغضب الذى عم مدن بلاده الكبرى إسطنبول وأنقرة على وجه الخصوص، إضافة إلى جنوب شرق الأناضول وبحيث يقود معركة سياسية ووقودها هو والداخل المتنمر والمتحفز والتواق للتغيير، وأيضا خارج غربى داعم لأى تمرد سلمى، لكنه كما هى عاداته تقوقع داخل شرنقته القيادية، آثرا السلامة مفضلا الحفاظ على كرسيه دون تصعيد ضد نظام سلطوى لم يتورع فى الزج بقيادات سياسية وحزبية لسنوات خلف القضبان دون محاكمات، فقط تقدم بمذكرة إعتراض لمحكمة الدستور انتظارا لحسم لن يأتيه أبدا.

وكان طبيعيا أن يثير هذا التخاذل ، وهو واحد من جملة تخاذلات، حفيظة نشطاء أعلنوا رفضهم المطلق لممارساته وهاهى الكاتبة إبرو أردم أكتشاى تبدى استهجانها الشديد قائلة « إنه لأمر مدهش عدد المرات التى تمكن فيها الشعب الجمهورى، من إخماد الحرائق التى يشعلها عبر التراجع فى خطواته بشكل غير متوقع، فكم من مرة يفشل الحزب فى تعبئة وتوجيه وتوسيع مشاعر الحماس التى يفجرها لدى أنصاره، وفى كل مرة يحبط قادة الحزب هذه المشاعر بطريقة دفعت قاعدة ناخبيه إلى براثن خيبة الأمل واليأس» ثم تمضى مستطردة « يزيد من آلامنا إزاء هذا الوضع هو أن تركيا لا يمكنها تحمل أن يكون هذا الحزب المتكلس هو حزب المعارضة الرئيسى فى هذه المرحلة الحرجة من تاريخها».

فى السياق ذاته عبر كتاب ورموز يسارية عتيدة عن امتعاضهم لفشل الحزب فى إحداث التغيير المنشود محملين كيلتش دار أوغلو المسئولية الكاملة عن هذا التردى خاصة وأنهم سبق ووضعوا أمالا عريضة عليه فى مستهل صعوده عام 2010 ، كى ينتشل الحزب من مساره العقيم الذى وضعه فيه سلفه دنيز بيكال بيد أنه وصم بحزب الدولة النخبوى البعيد عن الشعب، والمتعاون مع مؤسسات الوصاية.

المفارقة المذهلة فى هذا الصدد أن بيكال البالغ من العمر 79 عاما، والذى تم نعته برمز الجمود، واضطر للاستقالة على خلفية فضيحة أخلاقية، تم إدراجه على رأس قائمة الحزب فى مدينة أنطاليا الساحلية الساكنة بالمتوسط جنوبا مع أنه معتل الصحة بصورة خطيرة ويرقد بين الحياة والموت.

علاوة على ذلك، أنه تبين للكافة أن الشعب الجمهورى يؤدى وظيفة مفيدة لحزب العدالة والتنمية إذ أنه يمنح الحزب مسحة رقيقة من الديمقراطية ويحافظ على وجود شكلى ما به قدر من المنافسة حتى ولو كانت مصطنعة ، ولا يزال يقوم بمهمة إضفاء الشرعية على سياسات السلطة من خلال تبنيه خطابات استبدادية، معادية للديمقراطية ولا بأس من انتقادها فى العلن.

وعلى حد تعبير «اومت كرداش» فــالشيء المؤكد أنه لا سبيل لإقرار الديمقراطية فى مكانٍ لا يوجد به بديل مناسب يمكنه أن يحل محل الحزب الحاكم الذى سيتغوَّل وينزلق نحو الاستبداد».

وهكذا لم يضف كيلتش دار أوغلو جديدا يدفع للأمام بل على العكس احدث مزيدا من التراجع, صحيح أن الحزب دائما ما حل فى المركز الثانى فى الانتخابات العامة منذ تولى حزب العدالة والتنمية الذى ينتمى إليه الرئيس التركى رجب طيب أردوغان السلطة فى عام 2002، غير أنه زاد من تقهقره فى الاستحقاق التشريعى الأخير بنسبة 2.5 % حصل على ( 22.5 % ) مقارنة بالسابق له مباشرة ( 25.5 % ).

والسبب الأكبر فى هذا الخلل هو طريقة توزيع مرشحى الحزب، وقيام كيلتش دار أوغلو الذى استأثر بمفرده دون غيره بعملية اختيار مرشحى الحزب لخوض الانتخابات، بمنح أصدقائه ورفاقه المقربين فرص ترشح فى الأماكن التى سيتم انتخابهم فيها، الأمر الذى أحدث ردود فعل غاضبة والغريب أن العديد من أعضاء البرلمان السابق الذين تم اختيارهم كمرشحين خلال انتخابات تمهيدية فى إطار من الشفافية، أطيح بهم ولم يتم إدراجهم فى القوائم.

وكما اختار المرشحين لخوض الانتخابات البرلمانية ، شدد على أنه ستكون لديه صلاحيات تحديد رؤساء البلديات لخوض مارثون المحليات المفترض أن يجرى فى مارس 2019، ويبدو من ذلك أنه يريد غلق الباب على « محرم إينجه « الذى خاض غمار المنافسة ضد الرئيس رجب طيب أردوغان على المنصب الرئاسى واستطاع أن يكون ندا عنيدا، فضلا على أنه بث الأمل والحيوية فى الحزب الذى كاد يصاب بتصلب الشرايين.

وبينما يصر كيلتش دار أوغلو على ترؤس اللجنة التنفيذية العليا للحزب، جاء أول خبر لاستقالات جماعية من شيرناق جنوب شرق الاناضول ، كما اعتصم عدد من أنصار الحزب أمام مقره العام فى مدينة دنيزلى جنوب غرب البلاد, رافعين لافتات تضمنت مطالب بتطبيق العدالة والديمقراطية داخل حزبهم إضافة إلى مطلبهم الأساسى ألا وهو استقالة كيلتش دار أوغلو.

ومن الطرائف اللافتة فى مشهد المعارضة المستبدة هى ذهاب كيلتش دار أوغلو إلى القول بأن «لا مكان فى الشعب الجمهورى لمن يحبون الكراسى ، أبوابنا مفتوحة فقط لمن يؤمنون بالديمقراطية، والحريات، والمساواة بين الرجل والمرأة» متناسيا أن عدد المرشحات فى السباق البرلمانى لم يتجاوز 137 مرشحة مقابل 463 مرشحا من الرجال، ويبقى الشئ المهم فى هذه التصريحات أنها بدت وكأن الرجل يكذب نفسه بنفسه.

والحق أن حزب الشعب الجمهورى على مدار تاريخه لم ينتج ثقافة أو قيمًا ديمقراطية بداخله مقارنة بنظائر له فى القارة الأوروبية ، ولم يكن بالإمكان أن تمتلك هذه الثقافة تلك الكوادر المحافظة التى خرجت من داخله. وكيلتش دار أوغلو مع الأسف وانطلاقا من سياسته الانفرادية أكد أنه ابن هذه الثقافة ولن يكون مستغربا فى هذا الحالة قوله أنه لا توجد لديه أية نية على الإطلاق لترك رئاسة الشعب الجمهورى. المثير فى الأمر هو أنه عندما سئل هل ستهنئ أردوغان أم لا؟ رد قائلًا «لماذا أهنئ ديكتاتوراً مستبداً».

وهنا يمكن القول « إن السياسة التركية وصلت إلى يومنا هذا إلى ثقافة لا مكانة فيها للديمقراطية داخل الأحزاب، والدليل على ذلك هو أن رؤساءها يصبحون مثل الملوك فى العصور الغابرة»!!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق