رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إيفيلين عشم الله: لا أتجنب شيئا فى الرسم لأنى تلقائية و«أدلق» نفسى على اللوحات

حوار ــ أسامة الرحيمي
إيفيلين عشم الله

►  الفن لا يخلق من شيء واحد هو محصلة كل ما يحدث لك تفاصيل يومك وحياتك بالكامل من الحكى والصور والرؤية واللون وخرير مياه الساقية وزقزقة البلبل وصورك وحكايات الجدات
 ► ليس لدى مرجعية ولا رسام أحبه جدا كلهم على «عينى وراسى» لكننى مشغولة بطبختى وأرى أن منجمى الخاص الكون الذى داخلى
► ما أرسمه ليس كوابيس بل كائنات طيبة تقاوم وأخرى سعيدة يدها مكان رجلها متعايشة ومتقبلة حقا ثمة أحلام تدهشنى لكن ما بداخلى يدهشنى أكثر

«إيفيلين عشم الله» فنانة تشكيلية مسكونة بكل مكونات الدهشة! عاشت طفولتها فى مدينة دسوق. التى تسترخى على ضفاف النيل فى دعة منذ آلاف السنين. فمنحها طيبة مضاعفة، وسماحة متجددة، تسربت منها إلى وجدان الناس، فحملوا صفاتها الوراثية فى جيناتهم. ومنهم هذه الإنسانة الفريدة.

لا تعترف بمرجعيات، لانشغالها «بمنجمها» من مفردات الثقافة الشعبية، التى تزدحم بها لوحاتها، وحكايات الجدات، وجلسات السمر، وطيبة الفلاحين، وبراح الأراضى الزراعية، والقراءات الانتقائية الواعية.

واكتشفت أن الكائنات الملتبسة التى تملأ لوحاتها لا تأتى من فراغ، ولا من الأحلام والكوابيس كما ظنت، بل من قناعاتها، وروحها التى تفيض محبة للجميع، وترى أن الحنان والطبطبة مفتاح مضمون لحلحلة كل مشاكلنا تقريبا.

تنزل من بيتها يوميا لتطمئن على جيرانها، صبيان البقال، والأجزجي، وبائع الصحف، وأصحاب المحال، وربما بعض المارة، وحين تتأكد أن روحها امتلأت بالطاقة الإيجابية تصعد إلى شقتها، لتأتنس بكائناتها الرائعة، المنتشرة على حوائط بيتها. وترسم ما تجود به قريحتها الباهرة.


> إيفيلين عشم الله فى أثناء حوارها مع «الأهرام»

ولدت فى مدينة دسوق الوادعة، وقد زُرتها عدة مرات، وحضرت مولد إبراهيم الدسوقي، وكنت أستلطفها كل مرة، ولك حكاياتك عنها جعلتنى أراها أطيب مدينة مصرية تطل على النيل، فما سر حبك الصافى هذا لها، هل هى مجرد ذكريات طفولة مع أسرتك، أم مكونات ثقافية راقية ما زلت تنعمين بها حتى الآن؟

عندما تولد فى مدينة وتمارس فيها طفولتك، وتنعم بأحضان الناس كلها. كنت أعيش مع أسرتى فى بيت على ناصية حارة فقيرة، كان مسموحا لى الاختلاط بالجميع، حقا كانت أمى تُضيِّق عليّ وتحسب وقتى فى الحارة بالساعة، لكن أبى كان يطلق سراحى دوما، لدرجة أنه ألحقنى بكتاب الشيخ رجب المجاور لبيتنا، كى أصحح نطق القاف التى كنت أنطقها كاف، الأمر ليس مثيرا للدهشة، المسيحيون فى كل مصر اعتادوا حفظ وسماع القرآن فى المدرسة والراديو، إذن أذنى «اتعجنت واتخبزت» بالقرآن. وشخصيتى نفسها «اتعجنت واتخبزت» بكل ما عايشته. إذن السنوات الأولى من عمر أى بنى آدم هى الفيصل فى حياته كلها، إذا عشتها سعيدا تتمتع بالبراءة دون الاعتداء عليك، وتفرح بطفولتك ستكون فى بقية عمرك سعيدا متفائلا قادرا على مواجهة الحياة، ليست دسوق فقط، كل المدن بالنسبة لمن عاش فيها، المدينة عائلة كبيرة، ربما دسوق توافر لها «كرنفال دسوق السنوي»، وهو كرنفال شعبى فيه كل مقومات الفرح من أغانى وألعاب سحرية، كل ما تطمح لرؤيته. بالإضافة إلى أن خالتى التى كانت تعيش فى «أبو غنيمة» وفرت لى فرصة الاطلاع على جانب من حياة الفلاحين الذين كانوا يأتون إليها ليزرعوا أرضها بالأرز والبرسيم، حظيت بطفولة مليئة بمحبة الناس وسخاء الطبيعة، إضافة إلى النيل وجزيرة دسوق التى امتلأت بالمبانى الآن، لكنها فى الماضى كانت مساحة من الحدائق، وكانت تمتلئ بالناس عن آخرها فى عيد شم النسيم، تفترش الأسر الحشائش، وتظللهم الأشجار، ويستمر بقاؤهم من الفجر إلى المغرب، والحناطير تأخذنا وترجعنا، والمشى على الكوبرى فى هذا الجو، سعدت بوجودى فى حضن الناس، وكان جميلا أننى عشت فى مدينة أحببتها.

هل كان والدك يتنقل نتيجة طبيعة عمله؟

أبى كان يعمل فى شركات التأمين على الحياة، وتطور حتى صار الوكيل لهذه الشركات فى شمال الدلتا. كانت معظم هذه الشركات أجنبية وقتذاك، لم ننتقل من دسوق!

دسوق يغلب عليها الطابع الريفى الصوفى بتجليات إبراهيم الدسوقى فى المحيط الاجتماعي، وأنت كتبت عن سماحة البسطاء فى المحيط الاجتماعى بين المسلمين والمسيحيين بلا تفرقة، إلا إذا نجم عن جهل أو عنصرية، فلأى مدى تغيرت تلك الطبيعة السمحة الآن؟

طوال الوقت ستظل هناك حساسية بين المسيحيين والمسلمين، لأن كلا الفريقين يرى من وراء الآخر أنه المفضل من الله، هذه خصلة قديمة ومُعتّقة فى النفوس، وهذه سمة الأديان، كل دين يرى أنه الأصح، كل دين يرى أنه يمتلك الحقيقة وحده، فى بلد فقير اقتصاديا يعانى نقص الثقافة مثلنا تزداد هذه النعرات، زمان، الصوفية تجلت فى الطريقة الإبراهيمية فى أثناء احتفالاتها بالمولد النبوى كل عام، كان احتفالا مهولاً، سيارات نقل ضخمة على كل واحدة مسرح كبير، للاحتفال بالكسوة الإبراهيمية، المسرح كان يؤدى مشاهد خرافية، ثم يأتى شيخ الطريقة حاملا كسوة قبر سيدى إبراهيم، والناس تردد خلفه الأناشيد الصوفية، والفرح يعم، هذا ما أخذته طفلة مثلى من الصوفية، أنا من مواليد 48، وعلى الرغم من الفقر الشديد وقتذاك، وحفاء المصريين، والملابس المرقعة على الرقع القديمة، لكن لم يكن هناك نعرات عالية، ولا عصبية، كانت هناك سماحة اجتماعية تشمل المسلمين والمسيحيين معا، لن أنسى عندما قال أحد أقاربنا لى إن أحدهم «عمل عملا لفلان على قحف قرموط»، وكان الجميع يجرى لفك هذا العمل! كانت هذه الحالة تحدث فى الطرفين. الهبّة الدينية المتعصبة من الطرفين قامت مع زمن جمال عبدالناصر، أنشأ إذاعة القرآن الكريم وحول الأزهر إلى مؤسسة لها صلاحيات أكبر، وفى المقابل منح الكاتدرائية صلاحيات أيضا، نحن فى «تباتيك» ـ وهى كلمة مصرية تعنى فى أثر ــ المرحلة الناصرية، السلطة من وجهة نظرى هى ما يوجه النعرات ويُذكّى الإحساس بالاختلاف الديني. وبدأت الطبيعة السمحة بين الطرفين تتأثر والهوة تتصاعد. كانت الحياة أكثر تلقائية، فى شبرا عندما كنت أزور خالتي، وفى المحلة الكبرى عندما كنت أزور عماتي! كانت تلك حالة تسود فى كل مكان. لا أحب كلمة تقبل الآخر هذه. عندما كنت صغيرة، لم أنتبه حتى لتصرفات الأطفال تجاهي، عندما كانت «سعيدة زعيمة أطفال الحارة» إذا غضبت على تتزعم بقية الأطفال، ولأنها كانت تحبنى كانت تطلق على ما يفعلونه معى «زفة» عكس لفظها «زقّلوه بالطوب» مع الأطفال الآخرين، وكانت تحدث بسير الأطفال خلفى قائلين: «يا نُصرانى يا قسيس سن العضمة ع الرغيف».. لم أكن أفهم، فهمت فقط أنها زفّة تخصنى إذا غضبت على سعيدة، لم أكن أعود للبيت للشكوى مما يحدث، كنت أحب الحارة بأطفالها بكل ما يحدث! ثم فى أثناء النكسة وهوجة الإمساك ببقايا اليهود المقيمين فى مصر، اتهموا أبى بأنه عميل لإسرائيل ولديه جهاز لاسلكى للاتصال بهم، وحبس أبى أسبوعا فى سجن كفر الشيخ، بعد أن جاء ضابط وفتش البيت وفك غطاء التليفزيون وفتشه من الداخل! هذه تصرفات السلطة الحاكمة، تبث هذه الأفكار بين الناس وتستخدمها وقت اللزوم. سبعة وستون لم تكن نكسة عسكرية سياسة فقط بل كانت نكسة اجتماعية وضربة للثقة والاعتزاز والفخر بالنفس. وعلى الرغم من كره أبى لجمال عبدالناصر لأنه ممن طالهم التأميم، فإننى كنت ناصرية وقتذاك، وتطوعت لتمريض الجرحي، بعدما تدربت أسبوعين. لست وحدي، كل الشباب كان يعشق عبدالناصر، لعبدالناصر إنجازات عظيمة، المدارس والمصانع، وارفع رأسك يا أخى لقد مضى عهد الاستعمار، مضى وقت طويل لأعرف أنها كانت شعارات جوفاء، وأن ما فعله من وحدة مع سوريا وحرب اليمن ورغبته فى أن يكون إمبراطورا بشعار القومية العربية، كلها دفع الشعب فواتيرها، وأنه لم يكن صائبا عندما ولى أصحابه زمام الأمور فى مصر! ثم ولى نائبه الذى جاء بالوهابية والإخوان المسلمين والانفتاح وباقى التداعيات!. وأيام مبارك، وكنت أسكن فى فيصل، كلما كنت أذهب إلى سوق الطالبية كانت تحدث لى أمور عجيبة جدا، كان البائعون يرفضون البيع لى لأننى سافرة وبالتالى مسيحية، ومرة باع لى البقال الجبن الأبيض بسعر أغلى من الذى باعه لآخر مسلم كان بجواري، ولما ناقشته فى الأمر قال: «إن كان عاجبك» وأكد أنه يبيع لى بسعر أغلي. هذا تكنيك السلطة، والخطاب الدينى المتشدد الذى يزداد يوما عن آخر كما قلت لك.

لكن التداخل عندك بين الثقافتين المسيحية والإسلامية فى لوحاتك وكتاباتك وحياتك بعيد هذا كله، وأقنعنى أن الهوية المصرية أعمق مما يريد لها البعض، وأن المدخلات الأولى قبل ألفى سنة غائرة فى الجينات وكامنة فى الروح، وأنت من هؤلاء الذين يطمئنوننى على مصر، فمن خلط ألوانك، فى شخصيتك ولوحاتك بهذا الشكل المبهر؟

لو نظرنا للثقافة فى النهاية لن تجد ثقافة إسلامية أو مسيحية، ستجد دينا ودينا، والدينان لا يصنعان ثقافة بل حالة من الاعتناق، الثقافة أن تصبح منفتحا وقادرا على التغيير، إذا استطعت الخروج من فكرة التعصب، وأنك الأصح، وقيد رجال الدين الذين يوظفون الآيات بلى عنقها لتخدم مصالح السلطة، إذا استطعت الإفلات، فستصبح إنسانا قادرا على حب الناس، تصبح إنسانا منفتحا على الكون كله. عندما كنت صغيرة كانت إحدى الجدات تقول: «إن الطيبين من المسلمين سيدخلون الجنة لكن عميان»، وكنت أستغرب، لماذا جدى الشيخ أحمد الورقى وجدتى أم منصور يدخلان الجنة عميانا؟ لم أكن أوافق بحس فطرى على هذا الكلام! جدتى اختارت لهما هذا لأنها طيبة، لم تقل إنهما سيدخلان النار. الدين ليس طقسا، الدين روح توجهك إلى حب الناس، الخلاصة، كانت صور العذراء والمسيح معلقة فى بيوتنا وكانت الآيات القرآنية معلقة فى بيوت المسلمين، وكنا ندخل بيوت بعضنا البعض، كنت طوال الوقت عند صديقاتى وهن كن عندي، نأخذ عادات بعضنا البعض، نؤثر ونتأثر، أصبحت اللوحات الخطية والصور القرآنية جزءا من نسيجي، مازلت أتذكر رُقيَة «أم منصور» وهى تضعنى فى حجرها، «أم منصور» خرجت من التعصب، خرجت للبراح الإنساني.

من أكثر ما أعجبنى بجانب لوحاتك طبعا كتاباتك تلك عن المرأة التى كانت تأتيكم بالخبز الصابح، زينب على ما أذكر، فهل ما زالت هناك وجوها من زمن السماحة كافية للتفاؤل؟

مازالت زينب تزورنا، تحضر لنا السمن والجبن والخبز والقُرَص، تأتى إلى بيت عيلتى الذى مازال أخوتى الثلاثة يقيمون فيه فى دسوق، تحضر كل خير الدنيا، وأنا وهى نحب بعضنا من القلب، وأتهلل لرؤيتها، وهى معرفة قديمة، أعتبرها التراث الحقيقى لأرض مصر، كلما سافرت إلى دسوق وأركب القشاش من دمنهور إلى دسوق، وأرى الفلاحين «الكحيتي» ما زالوا يحملون البذرة الحقيقية لمصر، أقول لنفسى كلنا بخير مادام الفلاحون مازالوا يزرعون. وفرحت جدا عندما لاحظت آخر مرة أن الأراضى كلها مزروعة بالقمح والبرسيم، على الرغم مما يقال عن منع زراعة القمح مؤخرا! التيارات الوهابية والسلفية على أشدها، والتمويل الخارجى بواسطة سماسرة الداخل يزكون النعرات لبعث القلاقل فى المنطقة العربية، زينب وأمثالها زادى فى الحياة، وهم الخير الذى يساعد على الحياة، منهجى الحب، لو انتشر الحب سيختفى أى خلاف وأى نعرات!

من وداعة دسوق إلى كلية الفنون الجميلة وقتما كانت الإسكندرية فى آخر مراحل الكوزموبوليتانية، ثم تزوجت وسافرت إلى الخارج وبالتزامن كانت التبدلات الكبرى تغير شكل مصر ودورها، فهل رسمت هذا فى لوحاتك أم تجنبت هذا؟

لا أتجنب أى شيء فى الرسم لأنى تلقائية و«أدلق» نفسى على اللوحات، عجينتى المختمرة هى ما يخرج على الأسطح، فتخبز وتقرّص رؤيتك للحياة وحبك لها والغضاضة التى واجهتها! يتسرب كل شيء، فى فترة سافرت الجزائر 1967، كان السادات ينوى السفر للقدس، وعدت عام 1984، رأيت مصر مغبرة وغائمة، السياسة والنظام. رسمت لوحات مثل ثلاثية «الإنسان واقفا» لم أكن أعرف لماذا أرسم هذا، كانت الأجسام الآدمية مترهلة منحنية، أحدهم يحاول القيام من الأرض، وآخر ينظر إلى كفه كأنه يفكر، رسمت أناسا أرواحهم ملتبسة بأرواح حيوانات، لكنهما فى حالة تعاطف معا، السياسة على كل متداخلة، هى فهمك للواقع الذى تعيش فيه، الآن لم أعد أهتم بالسياسة، لم أعد أحتمل القلق. والحقيقة أن مجمل ما أتغذى به من القراءات، من الشارع وناسه، من شكل السيارات الحديثة، وأذهب إلى دسوق لأشم رائحة النيل، وأتلمس رائحة أمى وأرى مقتنياتها التى تركتها. مازلت أذكر يوم وفاة أمي، بعد أن قمنا بتحميمها، ظللنا طوال الليل نقبلها ونشعرها بوجودنا حولها.

كيف تبدأ لحظة الرسم، هل هى فكرة تتشكل فى ذهنك، أم حدث يشغلك، كيف تولد اللوحة؟

استكمالا لفكرة «الدلق» هذه، نهاية الفكرة هى أول اللوحة، أكون ممتلئة بالفكرة، وقتها أشد الأسطح، وأجهز الألوان وأبدأ، الفكرة الجديدة تجيء من الخلفية الذهنية، وهى امتداد لما سبق، وكل ما أرسمه غير متوقع لكنه لا يفاجئنى لأنه مني.

ومن أول من شجعك على الرسم؟

بدأت فى الطفولة عندما دعانا الأستاذ رمضان لرسم المولد، رسمت بشر الصف الأول مكتملين ثم أكملت اللوحة برؤوس كثيرة، احتفى بس الأستاذ رمضان بأن جعل التلاميذ يصفقون لي، ووضع لوحتى فى الممر المؤدى لغرفة الناظر، هذه اللفتة من مدرس ابتدائى كانت من الذكاء والإنسانية والصدق بأن وضعتنى أمام موهبتي.

ومتى فكرت فى دراسة الرسم فى فنون جميلة؟

أحسست أنه مسار ومصير منذ كنت صغيرة، فى الصف الثانوى كان حب الشهرة، خاصة أن والدى كان لديه مكتبة متنوعة، شكسبيريات وروسيات وأدب فرنسى وعلم نفس، قررت وقتذاك أن أدخل إما فنون جميلة أو آداب قسم صحافة، مجموعى ذهب بى إلى فنون جميلة. وهى رغبتى الحقيقية، وانتقالى للدراسة فى الإسكندرية حقق لى نقلة، على الرغم من أن الفن لا يُدرس، وهى وجهة نظر ليست متطرفة لأن كثيرين يتبنونها. لدينا قصر مظلوم، كنا دفعة كبيرة 27 طالبا، قسّمُونا إلى ثلاث مجموعات، امتلأ وقتنا برسم الموديلات العارية أو الطبيعة صامتة، عاصرت «سيف وانلي» وزرته فى بيته، كونك تذهب إلى بيت أستاذك وترى مرسمه، كل هذا خلق زهوا بداخلي، كنا آخر من رسم الموديل، «حميدة» موديل محمود سعيد، و«دادة سكينة» وأولادها، وهى المرأة التى كانت تعد لنا الشاي، وتعمل موديلا فى الوقت نفسه. ووقت دخولى الكلية، كنت ما أزال صغيرة، وكنت أطّلع على كل الرسامين العالميين مثل «سلفادور دالي» وبقية الرسامين العظام. وذات مرة فى نقاش مع زميل عن بيكاسو، قلت له من بيكاسو هذا؟ أنا إيفلين عشم الله، كنت ممتلئة بذاتي، كنت مثقفة ممتلئة بكل ما أقرؤه، مع تفاصيل مدينتى دسوق، وحبى للحياة وطفولتى الجميلة، والجدل الدائر فى الساحة الثقافية، مع تفاصيل الغيطان! دون كلام كثير عن النفس كنت أشعر أننى «بعبلى كده» ممتلئة بالفن، ما يعتمل داخلى هو مفهومى عن الفن، بكل ما مررت به، الفن هو نفسك وما يحيط بك، بما فيها الطبطبة وحِنّية الآخرين عليك! الحنان دفا الدنيا.

كيف قسّمت مراحلك، حسب الأفكار، أم الألوان، وكيف جاء خلط الإنسان بالحيوان والكائنات بشكل عام عندك؟

الفرق يكون فى نهج التخطيط للوحة، والتناول مختلف، الألوان والخامة والأداء. وكل مرحلة يتبعها معرض، وبعده أظل عدة أشهر دون رسم، مرحلة للتأمل، مررت بعدة مراحل، فى الصور ستجد كل مرحلة توصل إلى مرحلة أخري، هناك مرحلة الفضاء، ومرحلة الأبيض والأسود، ومرحلة رسم أسرتي! ولهذه المرحلة قصة، عندما كنت فى الجزائر مات رب أسرة صديقة لنا، فقمت برسم أفراد أسرتى الصغيرة وعائلتى كأنى أريد أن أحفظهم من كل شر، أما الانتقال من مرحلة إلى مرحلة فيحدث بسبب التشبع من مرحلة، وإخراج ما بداخلى عنها فى لوحات عديدة، شيء اكتمل، وأصبح رفض الشكل القديم مسيطرا على ويحدث التحول لمرحلة جديدة، التطور نتيجة رؤية أو قرار يأتى من داخلك.

أغلب لوحاتك المدهشة، تغلب عليها التأثيرات الشعبية فى الشكل والرموز والدلالات، فمتى اكتست رسومك بهذه المفردات، ولماذا هيمنت عليها إلى هذا الحد؟

ولدت هكذا، وسط الثقافة الشعبية، لا أستجلبها، أنا ضد مدارس الفن، الكون موجود وأنت تدور فيه، أنت الأصل، وما تفعله هو أصلك «بالتنتوفة الصغيرة» فكرة الأصالة والمعاصرة التى أنشأوا لها جمعيات للحماية، الكف وأبو زيد الهلالي. أنا ضد كل هذا، أنا مولودة فى بيت لم يكن فيه جرس، بل خباطة أو دقاقة، كانت عبارة عن كف من النحاس. كل ما أرسمه مفردات شارع، حقا أفادنى الفن، لكننى امتلكت ذوقا خاصا أو ثقافة خاصة جعلت عينى تقعان على ما تربيت عليه ببساطة، وانتقاء ما أحب رسمه.

أكثر لوحاتك مثل رؤى المنام الجميلة، وبعضها يشبه الكوابيس، فهل بعض أعمالك مستمدة من الأحلام فعلا؟

لا.. ليس هناك أغرب من الإنسان، أعماقه غريبة، إذا غطست داخل نفسك ستصاب الدهشة، تناقضاتك وقناعاتك وأفكارك القديمة ومشاعرك، ما أرسمه ليس كوابيس، هى كائنات طيبة، تقاوم، وأخرى سعيدة، يدها مكان رجلها، متعايشة ومتقبلة، حقا ثمة أحلام تدهشني، لكن ما بداخلى يدهشنى أكثر.

سبقك العديد من الفنانين التشكيليين الكبار إلى المفردات الشعبية، والتقيت مرة بفنان تشكيلى لم يرسم طوال عمره إلا «عفرتكوش» هيئة العفريت فى المخيال الشعبي، وفى لوحاتك ألحظ هذا، ألا تخشين ظهور بعضهم لك، أم أنك تحبينهم وتخشين البشر؟

أجمل حاجة فى الدنيا أن البشر عفاريت، أنا عفريت ولا أخشى البشر. نحن قادرون على تكسير الصخر وبناء الهرم والذهاب إلى الفضاء، البشر هم من خلق العفاريت وقالوا عنهم كل هذا. وأخرجنا النار من فمهم، نحن كل الأشكال والألوان، إذا تعمقنا ولم نكتف بالظاهر ستجد أننا نحن العفاريت.

كل لوحة لديك تحكى حكاية، فهل تشبعت رسومك بطفولتك وطبيعتك، فأنت حكاءة حتى فى بوستاتك على فيس بوك؟.

طبعا، لوحاتى حكايات صغيرة. كنا نقضى سهرات طويلة جنب جدتى على سريرها «أبو عمدان» كلما انقطع النور، عن الجن والعفاريت ومكن الطحين المسكون، وأرواح القطط، وأمى وهى تقلب عينيها لتخيفنا، كانت طفولتنا جميلة، وأجمل شيء فى الدنيا الحواديت، الروايات بعدما وعينا، القراءة حواديت، عقلى الصغير ظل مندهشا إلى الآن وأنا أوشك على السبعين من تفاصيل الحدوتة التى تأخذها من تلافيف الرواية.

رسمت النباتات، والبورتريه الحبر، ثم حدث تداخل لافت ببين الحيوانات والنباتات والبشر، ثم مرحلة الحكى بالرسم، أو رسم الحكي، هل الانتقال بين المراحل هذه يكون بلا سبب او مقدمات، أم نتيجة وصول الفنان إلى رؤية وأحاسيس أعلي؟

طول ما أنت تسير للأمام، تكبر سنا، وتنضج وترقى بحساباتك ونظرتك للكون والإنسانية، تنفتح أكثر وتحب أكثر، وهذا تطور، حتى اللت والعجن فى لوحتى التى احتفى بها «الأستاذ رمضان» كانت حدوتة مع الوقت حدث لها التطور، منذ ثلاث سنوات، كان قد مر على عشر سنوات دون رسم، من عام 2005 ومرحلة حارة الملاحين، بعدها توقفت لأننى كلما حاولت الرسم أقول لنفسى أريد أن أكتب، والعكس، عند الكتابة أقول أريد أن أرسم، وفى لحظة فكرت لم لا أكتب بالرسم، هذه الفكرة أعادتنى للرسم، وأنتجت نحو 200 لوحة، هذا الشكل الجديد جعلنى أحول الحروف إلى مخاليق، وحروفى هى حكيى أنا.

يفترض أن الفنان التشكيلى ذاكرته بصرية، لكن جزءا من ثقافتك سمعية، تلتقطين الحوارات من حولك، أحاديث صبية البقال، تلتقطين ما يشكل رؤية خاصة بداخلك كأنك تشكلين لوحة بالكلام، هل تسلل هذا إليك من طفولتك أيضا؟

الفن لا يخلق من شيء واحد، هو محصلة كل ما يحدث لك، تفاصيل يومك وحياتك بالكامل! من الحكى والصور والرؤية واللون، من خرير مياه الساقية، وزقزقة البلبل، خبرتك وصورك وحكايات الجدات، ولدى الكثير منها نتيجة حياتى الزاخرة، الفنان التشكيلى ليس إلا راسما كاتبا، والكاتب ما هو إلا كاتب راسم، وأنت تقرأ لنجيب محفوظ أو يوسف إدريس ستجد لوحات مرسومة، الفن متكامل تماما.

من الفنان المصرى الأكثر قربا لقلبك؟

ليس لدى مرجعية أبدا، ليس لدى رسام أحبه جدا، كلهم على عينى وراسي، لكننى مشغولة بطبختى، وأرى أن منجمى الخاص، الكون الذى داخلي، أهم لأرسمه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق