رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«توابل رمضان».. من كولومبس إلى الحمزاوى الصغير

سهيـر حلمـى

سحر الشرق المغلف بالألوان والنكهات.. الحبهان الأخضر والكمون الكابى والزعفران الأحمر والأصفر الناري، وألوان الكركم الصريحة، ولذعة الزنجبيل.. مذاق القرنفل الزكى الرائحة والفانيليا بنكهتها المحببة..  (التوابل) هى الكلمة السحرية فى كل العصور.. هى أصل الأشياء فى العصور الوسطى «ذهب العالم» وثروته المشتهاة.. حجر الأساس الذى بدأت به «عولمة الطعام والاقتصاد» غيرت التوابل من عادات الشعوب فى الطهو وتلاعبت بثقافة الطعام فى أجزاء نائية من العالم .التوابل تعنى الاستكشاف وتجربة مذاقات جديدة فى الطعام والحياة. كانت مصدرا من مصادر الثراء.. قيمتها تقترب من قيمة الذهب.. شغلت العالم عدة قرون وكانت هى العصب الرئيسى للتجارة العالمية.. بسببها تم تطوير الخرائط وتحديثها وفتح الباب على مصراعيه أمام الاكتشافات الجغرافية الكبرى.. فتمت السيطرة على دول وهزيمة ممالك وقيام وظهور دول أو دنيا جديدة هى ( أمريكا ) التى اكتشفها كولومبس ظنا منه أنها الهند موطن التوابل والذهب، فهل تستحق التوابل كل هذا؟

بالتأكيد. فمذاق الطعام وثيق الصلة بالمزاج العام وهو شأن معنوى عظيم إضافة لفوائدها الجمة: تساعد فى عملية الهضم.. تمنح الطعام مذاقا طيبا.. تحتوى على مضادات للأكسدة.. محفزة للشهية فى بعض الحالات، تسهم فى التخفيف من حدة بعض الآلام ولكن الإكثار منها ضار بالصحة وبالمعدة.. تعالج ضغط الدم والسعال والأنفلونزا أحيانا وتعمل على سرعة حرق السعرات الحرارية.. أما كلمة »التحبيشة» فنسبتها تعود للحبشة .. تغيير المذاق من دولة إلى أخرى يعود لنوع البهارات المستخدمة.. حركت إطماع الغرب وغيرت خريطة العالم.. تاريخ التوابل هو تاريخ الصراعات والحروب والقراصنة.. تاريخ المادة الأولية الأثيرة التى يطمع الجميع فى الحصول عليها.. تاريخ التوابل مكانه ليس المطابخ ولا الطهاة ولكنه تاريخ دهاليز السياسة ورحلة الخوض فى لجج البحار والمجهول.. تاريخ الوصفات والنكهات التى تعلمها الهنود من العرب فى العصور الوسطى ثم قاموا بتطويرها وتصديرها للعالم أجمع.

تعد الهند هى أكبر مصدر للتوابل فى العالم تتصدر المجال بأكثر من سبعين نوعا بقيمة 2.6 مليار دولار سنويا تقريبا.. يمثل الكمون والفلفل الأسود والأحمر والكركم والحبهان والكزبرة معظم هذه الصادرات وتستهلك الهند معظم ما تنتجه، بينما تستقبل أمريكا ما يقرب من ربع هذه الصادرات، يتصدر الفلفل الأسود السوق العالمية للتوابل وفقا للاحصائيات ويأتى على رأس قائمة الاستهلاك العالمى يليه مسحوق الفانيليا فى المرتبة الثانية ثم الزنجبيل.

علاقة البشر بالتوابل تعود الى عصور سحيقة.. ارتبطت بقدماء المصريين واستخداماتهم المتعددة لها.. لجأت إليها كليوباترا لاستمالة قلب يوليوس قيصر عن طريق معدته. وفى مجال الكتابات التاريخية عن الأديان ستطالعنا سيرة سيدنا سليمان بن داود وعرش بلقيس الذى جاء إليه قبل أن يرتد إليه طرفه، حيث حملت معها هدايا ثمينة من العطور والتوابل والأحجار الكريمة.. تاريخ التوابل هو قصة سيدنا يوسف عليه السلام الذى اشتراه بعض التجار فى قافلة التوابل فى مصر.. استساغ الإسكندر المقدونى طعمها وقرر أن يشق لها طريقا بريا وآخر بحريا يؤمن به احتياجات مملكته.. ولكنه توفى قبل أن يتم مشاريعه ولكن الإسكندرية أصبحت من بعده فى قائمة أشهر مدن العالم التى تتاجر بالتوابل وكان العرب أول من اشتغل بتجارتها وعرفوا طريقهم إلى الهند والصين وتبادلوا السلع مع تجار فينيسيا. فرضت روما ضرائب باهظة عليها.. وعرفتها القاهرة منذ القدم وكان بها وكالات لمختلف الجنسيات.. تنوع التوابل واختلاف مذاقها جعلها الشغل الشاغل لعالم يهتم بتعدد النكهات جدير بالذكر أن الحروب الصليبية كانت سببا فى انتباه الغرب لأهميتها بعد أن اختلط بعادات الشرق وذاق أطعمته.

التوابل فى مصر

كان المماليك يتاجرون فى التوابل وعندما وصل البرتغاليون إلى شواطئ الهند فى القرن الخامس عشر حاولوا إقصاء العرب عن هذه التجارة وأوعزوا إلى ملك (كلكتا) باستبعادهم وإلا فهى الحرب ونذرها.. فاستعان الملك الهندى بالسلطان قنصوة الغورى الذى تحالف معه ضد البرتغال وكشفت هذه الحرب بدورها مدى قوة الحليف المصرى والتى كانت قد تأكدت بهزيمة الصليبيين وأسر لويس التاسع وإدراكهم لعدم نجاعة أسلوب محاربة مصر بالمعارك وفقا لما ذكرته الباحثة سونيا هاو.. كنوز العالم وتجارته كانت تجلب إلى مصر ثم يعاد إرسالها لكل البلاد ولمدة ثلاثة قرون متواصلة ظلت مصر هى الطريق الرئيسى لتجارة التوابل.

قصة كولومبس مع التوابل وأمريكا

وصف الجغرافيون الأوائل المحيط الأطلنطى بصورة أضفت عليه المهابة والظلام. فهو يزخر بالوحوش وتتطاير منه ألسنة النار والكائنات العجيبة.. وكان ابن خلدون يعتقد أنه محيط بلا أفق محدود ولا يرتجى ظهور أى فردوس من ورائه, فهو عاصف ,متلاطم.. أعاصيره ساحقة لذلك سمى أقصى الطرف الجنوبى له (رأس الأهوال) كناية عن أحواله.. ولكن الأمير هنرى الملاح.. حاكم البرتغال لم يتوقف عن التفكير والبحث عن أى سبل تضمن اقتحام هذا المحيط الهادر من أجل الوصول إلى كنوز إفريقيا وتوابل الهند محاولات عديدة ونفقات باهظة تكبدها هذا الرجل الذى أخذ على عاتقه مهمة اكتشاف هذا الرأس ثم أطلق عليه خلفه جون الثانى «رأس الرجاء الصالح» لأنه سيلبى احتياجات البرتغال فى الحصول على التوابل وهو الرأس الذى اكتشفه القبطان (دياز) وعاد منه بأوراق إكليل الجبل التى اعتبرها الملك (بشارة) لا تقل أهمية عن غصن الزيتون الذى لاح لنوح بعد الطوفان فقد كانت بشارة.. ووصل الذهب لأول مرة إلى لشبونة.. ثم جاء فاسكو دى جاما ليدور حول رأس الرجاء الصالح والساحل الغربى لإفريقيا ليثبت أن الطريق الشرقى إلى الهند مفتوح أمام البرتغال.

عام 1484م عرض كريستوفر كولومبس على جون الثانى ملك البرتغال رغبته الملحة لاستكشافه الهند ونظرا لأن التاريخ يصنعه المغامرون.. أصحاب الآفاق البعيدة التى لا تحجم عن المحاولة والخوض فى غمار المجهول.. فالتوابل وتذوقها فى حد ذاته مغامرة واستنكاه عرض كولومبس على الملك الدلائل التى تؤيد ثقته فى اكتشاف الطريق الغربى المؤدى للهند لكنه اشترط أن يتم تعيينه نائبا عن الملك فى حال نجاح البعثة وأن يحصل على نسبة معتبرة من الغنائم مؤكدا للملك ما ينتظره من المجد والثروة.. واستعانته بخريطة توسكانيللى عرض الملك الأمر على مجلسه الاستشارى لكنهم رفضوها لأن كولومبس استند لكتاب «ماركو بولو» وأن الجزر التى ذكرها فى كتابه لم تطأها قدمه.. انتقل كولومبس على الفور مدفوعا بحماسته وطموحه المتوهج بالأمل إلى ملك اسبانيا فرديناند وزوجته إيزابيلا ولكنهما رفضا المشروع الذى نعته رجالهما بالأوهام وعدم استفادة البرتغال من هذه المغامرة وأن مآل هذا المشروع سيكون الفشل. وزاد من شدة الرفض أن اسبانيا كانت منشغلة بحروبها مع العرب فى غرناطة.. فأوعز كولومبس الذى لم يعرف اليأس إلى أخيه أن يستطلع رأى ملك انجلترا وفرنسا لكن شقيقه أسره القراصنة ومضى وقت طويل لكى يصل إلى بلاط الملك ادوارد الرابع ولم تفلح المحاولات فتوجه إلى شارل السابع ملك فرنسا فأخبره أن أخاه نجح بالفعل فى الوصول إلى الهند .. فنتيجة لتصميم كولومبس وعزيمته التى لا تلين.. قام بمحاولة ثانية وعاود الاتصال بملك اسبانيا فوافق هذه المرة بعد انتصاره فى غرناطة ونجاح مستشاره المالى ووزيره فى اقناعه بالفائدة التى ستعود من مشروع كولومبس.. فخزينة الدولة خاوية تئن من ضغوطات الحرب وتكاليفها.. إضافة إلى أن كولومبس لن يكلفهم المال الكثير وإذا نجح سيمدهم بالتوابل المرجوة من الهند.. أبحر كولومبس فى 3 أغسطس 1492م واستمرت رحلته أكثر من سبعة أشهر .. حيث حمله الملك بعض التوابل والهدايا والأصناف لكى يعرضها على أهل هذه الأراضى ليدلوه على أماكنها.. وصل كولومبس بالفعل بعد أن شاهد الأرض اعتقد أنها البلد المرجو وصاح متهللا: أنها الهند.. انها الهند.. كما ذكر فى مذكراته وأضاف أن انتصار الملك على العرب فى غرناطة لعب دورا حاسما فى موافقته على السفر، فإسبانيا كانت تبحث آنذاك عن دور جديد فى زمان جديد ولكن كولومبس لم يخذله وعاد من سفرته من الدنيا الجديدة أمريكا التى سيتغير تاريخ العالم بعدها تماما.. عاد كولومبس بألف صنف وأحضر معه الكاكاو والفلفل الأحمر وأوراقا تشبه القرنفل.. ثم سافر ثلاث مرات أخرى بعد ذلك فى المرة الاولى اكتشف سان سلفادور وهسبانيولا وكوبا وهايتى.. ولم يكن الرجل يعلم أنه لم يكتشف طريق التوابل إلى الهند والذى بسببه تصدرت انجلترا وهولندا المشهد السياسى وتسلمتا الراية والريادة البحرية من البرتغال.. واضطرت انجلترا لاحتلال الهند واستعمارها وأسست شركة الهند الشرقية للاستيلاء على خيراتها.. واحتلت مصر لأسباب عديدة من أبرزها تأمين طريقها الموعود بجلب التوابل والحرير من الهند.. رحلة التوابل مليئة بعبر التاريخ والسياسة وأن المشهد قد تتغير تفاصيله، لكنها تسير عالميا بآلية ثابتة تخضع للمصلحة الكبرى لتلك الدول مهما تغنت بشعارات وأضفت التوابل لكى تغطى على الأفعال ..أما قصة كولومبس ففيها حكمة العطارين التى تدعو الإنسان لاختيار أنسب وقت لزراعة شجرته فى الوقت السليم أى منذ عشرين عاما.. أما الاختيار الأفضل.. فهو( الآن).

الحمزاوى الصغير وسى السيد

جغرافيا المكان وعبق التاريخ يكشفان دائما عن القاهرة أسرارها وأطيافها الساحرة التى لم تتبدد يوما بالألفة والاعتياد، فالمحروسة رغم ضجيجها مازالت تفضى بحكاياتها التى تجدد عراقة وأصالة كل حجر وتنفرد القاهرة بكونها بحرا من البشر والضجيج والآثار التى تنتهك حرمتها يوميا بالمجاورة أو المتاجرة أو السكن فى بعض الحالات.. قاهرة المعز كرنفال متناقض يطوى التاريخ الشعبى لمصر بخصوصية تمتاز بها المنطقة فى هذا الشهر الفضيل. حيث تكون التوابل والبهارات المتنوعة هى القاسم المشترك الأعظم فى طعام المصريين فلا غنى عنها فهى إضافات تعطى للطعام نكهة محببة وطعما مستساغا ورائحة نفاذة.. بل إن عبق الحسين والغورية والجمالية يكاد يختزل فى أول وأسرع انطباع فى رائحة التوابل بل رائحة اللغة.

منطقة فريدة خضعت لسطوة الجغرافيا وظلت محكومة داخل حيز لا يتسع لأنه مدجج بالتحف والآثار الفريدة.. ولكن الزائر لقلب القاهرة التاريخي.. يسعده دائما أن يسرع الخطو للدخول فى هذه الشرنقة البديعة.. بمجرد أن تطأ قدماك شارع المعز بصفائحه الحجرية المتميزة.. سيقابلك على أول ناصية يسارا مسجد الأشرف برسباى العتيق، ثم لافتة زرقاء تدلك على شارع العطارة فى الحى العريق واسمه «الحمزاوى الصغير» يمتد حتى شارع الأزهر.. يتعرج فى وسطه الضيق وتخرج منه تفريعة ستقودك إلى فضاء ميدانى صغير يطلق عليه "وكالة أبو زيد" وهى من أقدم أماكن جمع المحاصيل، حيث توجد مطاحن الحبوب والشطة والكمون والفلفل الأسود ومن هذا المكان إضافة إلى أجولة التوابل الملونة فى كل الدكاكين ستكتشف سر حالة العطس التى انتابتك بمجرد وجودك فى هذا (المضيق).. فى الحمزاوى الصغير ستسمع ضجيج الباعة والمشترين ونداءات الصبية الذين ينقلون البضائع على عربات اليد.. وهم يحثون المارة على إفساح الطريق لكنك ستميز كل هذا مثل السيد أحمد عبد الجواد كما وصفه نجيب محفوظ فى ثلاثيته الشهيرة.. حالة العطس ستقل تدريجيا بالاعتياد كلما تكررت الزيارة.. أحد التجار الذين ورثوا هذه المهنة أبا عن جد أخبرنى بذلك وأضاف أنه فقد حاسة الشم تماما عندما بلغ الخامسة والأربعين من عمره.. ستعانى من احمرار الأنف لأن العطسة تتطلب قدرا من الطاقة لإخراجها.. فهى تجدد النشاط وتعد آلية دفاعية لمنع الجراثيم والتخلص منها.. فلا تحاول كتمانها لأنه أمر عواقبه الصحية وخيمة على ارتداد الدم والضغط على طبلة الإذن وحدوث خلل لحظى فى الجسم كله.. فقط حاول أن تعطس فى منطقة الكوع حتى لا ينتشر الرذاذ وتضر غيرك.. إنها عطسة دراكولا الشهيرة ولا مانع من استدعائها فى الحمزاوى.. بعد العطس نشمت العاطس.. ولكن بعض العطسات تعد هدية تهتك سر بعض اللصوص حين تبدو لا إرادية وقدرية مثل عطسة (قاسم فى حكاية على بابا والأربعين حرامى) كتمان العطسة بمثابة ارتباك فى عالم السياسة أيضا الذى يرتبط بوشائج واضحة بعالم التوابل.. وكقاعدة عامة كلما طغت التوابل على الطعام كان ذلك مؤشرا لفساده فى بعض الاحيان.. أما البهارات فهى المبدأ المستقر فى عالم السياسة على مر العصور.. بعض الأزمات لها مذاق الفلفل ولهيبه.. وفى الفترة الحالية يسود الكركم والكارى ودرجات البنى والأصفر الهندى بين قوائم الطعام.. الألوان الصريحة بكل قوتها وعنفوانها ونزقها.. والاعتدال مطلوب فى كل الأحوال حين تمتد يدك الى قائمة التوابل فالكثير منها ضار.

سألت أصحاب العطارة عن أحوالها فى أسواقنا، وكانت الإجابة أن المستهلك مازال يحتفظ بنمط عام من التوابل ينحصر فى الفلفل الأسود والكمون والكزبرة والشطة.. ولكن بمجرد أن يذكر (شيف) اسم أى تابل فى التليفزيون حتى تنهمر الطلبات من تجار التجزئة بحثا عنه وطلبا له ومنذ سنوات لم يكن هناك من يطلب (الروزمارى) مثلا وغيره من التوابل التى تحتاج لمتخصصين فى الطهى.

كان من حسن الحظ أننى تجولت أمام محل عتيق واكتشفت أنه من أقدم المحلات التى قامت بعمل تركيبات فى العطارة والأعشاب الطبية فتاريخه يعود لعام 1945 وأثناء حوارى مع الحفيد وقعت عينى على صورة نادرة لحسن الإمام ويحيى شاهين وعبد المنعم إبراهيم وصاحب المحل الذى يعد مدرسة تعلم منها العديد من أصحاب الأسماء اللامعة فى عالم العطارة، الصورة فى أثناء تصوير فيلم "بين القصرين"، حيث كان سى السيد عطارا.. وصفه نجيب محفوظ بأنه يجيد تمييز الأصوات ومعانيها وسط الضجيج بالكفاءة التى يستطيع بها استخلاص التركيبات الملائمة من بين عشرات التوابل والأعشاب.. ويصف أديب نوبل التربيعة بصورة بديعة فى قصر الشوق فيقول:

(طريق كالتيه، لا يكاد يمتد بضعة أمتار طولا حتى ينعطف يمنة أو يسرة، وفى أى موضع منه يطالعك منحنى يطوى وراءه مجهولا، وضيق ما بين جانبيه يريق عليه تواضعا وألفة فهو كالحيوان الأليف، والجالس فى دكان على يمينه يستطيع أن يصافح الجالس فى دكان على يساره، مسقوفا بمظلات الخيش تمتد بين أعالى الحوانيت فتحجب أشعة الشمس المحرقة وتنفث فى الجو الرطب سمرة حالمة وعلى الأرائك والرفوف جوالق مرصوصة مترعة بالحناء الخضراء والشطة الحمراء والفلفل الأسود وقوارير الورد والعطر والقراطيس الملونة والموازين الصغيرة، وتتدلى من على الشموع فى أحجام وألوان شتى كأنها التهاويل، فى جو مفعم بشذا العطارة والعطر كأنها أنفاس حلم قديم تائه) فالسيد أحمد عبد الجواد حاضر فى كامل هيئته هاهنا بسمته الوقور ودكانه الذى كان يحمل صفاته من البساطة والتنوع والانضباط فى حيز صغير ولكن بضاعة سى السيد التى أتلفها الهوي، حين جنحت به مغامراته العاطفية.. ظلت على ولائها له، تاجر محبوب وقور وناجح.. حاله من حال المكان بزخمه وألقه ومآل مقتنياته فلم يكن الناس الذين يقيمون فى البيت يعرفونه تماما كما يعرفه الناس فى الأسواق , ولم يكن أهل الحى يعرفون سى السيد الكائن فى منزله.

مخرج وأبطال «بين القصرين» مع صاحب محل عطارة

الحديث عن التوابل يرتبط بالعطور حيث تستخدم أحيانا فى تصنيعها أنواع معينة من التوابل المميزة للشركات العالمية وتضيف لها الفواكه وخشب الصندل والمسك الذى يستخرج من الغزال والعنبر الذى يتكون فى أمعاء الحوت.. لذلك ترتبط التوابل تاريخيا فى الكتابات التاريخية العالمية «برائحة الجنة « كما كان يطلق عليها.. العطور تأسر الحواس لكنها تتشابه مع التوابل فى كونها صناعة قائمة على الخليط والتركيبات, فصانع العطر يضيف مواده ثم يقللها أو يزيدها باحتراس شديد.. حتى لا يفقد أى عنصر لا يستطيع استرجاعه مرة أخرى ويضيع الشذى المميز سألت محاورى عن سبب ارتفاع سعر الزعفران والذى علمت أنه قد يصل إلى ألف دولار للكيلو الواحد وتنفرد إيران باحتلال المركز الأول عالميا وأوضح أن السبب هو ندرة وجوده وأن ناتجه ضئيل جدا ويستخرج من ألوف الأزهار فى أثناء سؤالى قطع الكلام والطريق رجل لا يمكنك تجاوزه دون أن تصمت قليلا.


>مقطع من المقام الفضى للحسين


التاريخ الذى أحمله على ظهري

كانت الكاميرا قريبة المنال فى يدى.. فجأة تسمرت أمام ندائه بعزيمة لم توهن وصوت مبحوح يترنم بشباب ولى ولن يعود قائلا : الفريك الصعيدى.. بعض الأماكن تشعرك أنها لم تشارك فى أحداث مشهورة لكنها (حدث) بما تحويه من بشر مثل عم محمد بائع الفريك الذى جاء من أقصى الصعيد منذ حداثته ليستقر فى منشية ناصر ويأتى يوميا ليبيع (المية فى حارة السقايين) وسط أباطرة العطارة يحمل جعبته.. شوال أبيض أنهكه الزمان وكيلة عتيقة مزينة بكباسين نحاسية.. حوار صغير مع العجوز لألتقط له صورة للذكرى.. واستفسر عن الفريك.. فانكشف جوهر هذا الرجل من نظرة عينيه التى تشبه العقاب فى حدتها.. فالعقاب يكنى بـ «أبى الدهر» يتمتع بالمنعة والكرامة ولو طاف الأرض بحثا عن رزقه.. نفسه لا تستطيب إلا الحلال.. متنبئا بخبرته وحكمته.. بعيد النظر حين تسوء الأحوال ستجده فى سوق العطارة أو أى وكالة بلا بواب.. فهو الأمين الذى يضرب به المثل فى الأصالة والصبر وفلسفة الذكاء الاجتماعى فى الأحياء الشعبية التى يحملها على كاهله.. اللمحات التاريخية اللافتة لا تتوقف فى أثناء رحلتك فى شارع المعز ومنطقة الأزهر.. وتحتار أى جمال تسجله بالكاميرا والقلم.. من باب المزينين فى الجامع الذى يعود لعصر السلطان قايتباى ويعد آية من آيات الفن المعمارى البديع.. أو تفصيلة بديعة من المقام الفضى للحسين رضى الله عنه.. أما جامع القاضى يحيى فهو حالة معمارية نادرة.. توقفت أمامها طويلا وهو يتوسط تقاطع شارعى الأزهر وبورسعيد ليبدو فى وضع يذكرك بمقام أبى الدرداء فى الإسكندرية وربما بصورة أكثر حدة فى ندرتها.

القاهرة الفاطمية وتحفها وقصصها وآثارها وتوابلها.. تحفز شهيتك على التساؤل وتجعلك تتعاطف بموضوعية إلى حد كبير مع من يوكل إليه شأنها فى كل العهود.. فالقاهرة بمساحتها وعدد سكانها تعادل (عدة دول) فى منطقتنا ,المسئولية جسيمة والآثار متناثرة والمهام كثيرة.. ودأب الناس البحث دوما عن احتياجاتهم وتحقيق العدالة .. منذ عهد جوهر الصقلى إلى الآن .. ولكن المعضلة أن أى ميزان نحاسى يدوى تلمحه عينك فى دكان تجار العطارة .. سيذكرك بما تنبه له توفيق الحكيم : "أى ميزان لا يمكن أن يستقر فى وضع سليم أكثر من ثوان.. بعدها يبدأ بالاختلال والاهتزاز فلابد من إجراء عملية التوازن باستمرار بالمراقبة والمتابعة والتنفيذ الفعلي".

التوابل على أبواب مسجد أثرى فى المنطقة

بائع الفريك

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق