رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى كتابه «ولاء أعلى».. مدير «إف بى آى» السابق يكشف أسرار العشاء الأخير مع الرئيس الأمريكى (3-3)
ترامب لا يفهم معنى القيادة ولا يفرق بين إدارة شركة عائلية وحكم أمة

منال لطفى
وصف كومى عناق ترامب له فى البيت الأبيض ب«لحظة عصيبة»

  • يتعامل مثل سمكة خارج الماء.. لم يطرح أسئلة حول التهديد الروسى!

  • تمنى لو كان قانون سجن الصحفيين ساريا لمواجهة مصدر التسريبات المحرجة لإدارته

  • سعيت للإبقاء عل مسافة من ترامب لكنه طلب منى الولاء الكامل فى عشاء غير عادى

  • خلال لقاء مع مديرى أجهزة الاستخبارات حاولت الاختباء خلف الستار لكن ترامب لمحنى وعانقنى

 

منذ أول لقاء بينه وبين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، كان السؤال الأول الذى يشغل ذهن المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالى جيمس كومى هو «شخصية الرئيس»، فلم يكن لدى كومى رغبة فى التنحى عن منصبه الذى شغله عام 2013، وكان من حقه الاستمرار فيه 10 سنوات (مدة ولاية مديرى «إف بى آى») لو لم يقله الرئيس الجديد، لكن كانت شخصية ترامب هى الهاجس الأول لكومي، لأن ما رآه خلال الحملة الانتخابية وما علمه لاحقا بعد فتح تحقيقات فى علاقة حملة ترامب بروسيا لم يكن ناصع البياض، ووضع تساؤلات ومخاوف وشكوكا حول كيف سيخدم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى فى الإدارة الأمريكية الجديدة.

يقول كومى فى كتابه «ولاء أعلي.. الحقيقة والأكاذيب والزعامة»: «لقد عملت بشكل وثيق إلى حد ما مع رئيسين أمريكيين، بالإضافة إلى مسئولين كبار فى الحكومة، وكنت أشعر بالفضول حيال كيف سيتصرف ترامب، وهو حالة كلاسيكية لسمكة خارج الماء، فى دور مختلف تماما عما اعتاده، فإدارة شركة عائلية خاصة مختلف تماما عن إدارة أمة أو حتى إدارة شركة عامة كبيرة، فعليك أن تتعامل مع مختلف الدوائر وتعمل ضمن شبكة من القوانين واللوائح التى لا تنطبق على الرئيس التنفيذى العادى لشركة، وكما رأيت من قادة آخرين، فإن تكون واثقا من نفسك بما يكفى كى تكون متواضعا ومرتاحا فى جلدك، يقع فى القلب من القيادة الفعالة، فالتواضع يجعل الكثير من الأشياء ممكنة، وليس بينها ما هو أكثر أهمية من سؤال: ما الذى ينقصني؟، فالقادة الجيدون قلقون باستمرار من محدودية قدراتهم على الرؤية، وللعلو فوق النواقص، فإن القادة الجيدين يمارسون القدرة على الحكم الصحيح، وهو شيء مختلف عن الذكاء».

 

يوضح كومي: «منذ اللقاء الأول مع ترامب، كنت أنظر كيف سيحقق التوازن بين الثقة والتواضع، وما إذا كان سيظهر قدرة على الحكم الصحيح، وأعترف بأننى كنت متشككا، فانطباعى من الحملة الانتخابية أن ترامب رجل لا يشعر بالثقة فى نفسه، ما جعل إظهار التواضع أمرا مستحيلا بالنسبة له، كما ظهر أنه من غير المرجح أن يكون واثقا ومتواضعا بما فيه الكفاية ليسأل: ماذا ينقصني؟، وهو سؤال يقع فى صميم الحكم الصحيح، لكننى لم أر ما يكفى فى اللقاء الأول لمعرفة ما إذا كان تقييمى صحيحا أم لا، فالرئيس، خلال الاجتماع الأول فى برج ترامب كان خافتا وجادا».

ويتذكر كومى أنه خلال لقاء لمناقشة الملف الروسى وتدخلات موسكو فى الانتخابات، بحضور مسئولى أجهزة الاستخبارات، كان ترامب يستمع دون مقاطعة، ثم سأل سؤالا واحدا كان أشبه ببيان وهو: «لكنكم لم تجدوا أن هناك أى تأثير لتلك التدخلات على نتائج الانتخابات. أليس كذلك؟»، فرد جيمس كلابر مدير الوكالة الوطنية للاستخبارات بقوله إن أجهزة الاستخبارات لم تقم بتحليل هذه النقطة، لأن هذا ليس مجال عملها أو خبرتها.

ويوضح كومى أن ما وجده أكثر غرابة من تعليق ترامب الحاسم أن أجهزة الاستخبارات لم تجد علاقة بين دور موسكو وفوزه فى الانتخابات، هو الأسئلة التى «لم يسألها» ترامب وهو على وشك قيادة البلاد التى تعرضت لهجمات إلكترونية من قبل موسكو، فلا ترامب ولا فريقه سألوا أى أسئلة حول مستقبل التهديد الروسي، ولا كيف استعدت أمريكا لمواجهة هذا التهديد.

ويضيف كومي: «بدلا من ذلك وبرغم وجود أربعة من قادة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بينهم اثنان من مسئولى إدارة أوباما، انتقل الرئيس المنتخب وفريقه إلى تساؤلات حول كيف يمكن معالجة الملف الروسى إعلاميا، ثم تحدث رئيس طاقم البيت الأبيض آنذاك راينس بريبوس كأننا لم نكن موجودين، وبدأ يصف كيف يمكن أن يكون شكل البيان الصحفى حول ذلك الاجتماع، ثم بدأ فريق ترامب، وهم مايك بنس نائب الرئيس، وشون سبايسر الناطق باسم البيت الأبيض وترامب نفسه يناقشون كيف يضعون نتائج التحقيق حول التدخلات الروسية بحيث يحققون منها أقصى مزايا سياسة ممكنة. كانوا حريصين على التأكيد أنه لا يوجد أى تأثير على التصويت، ما يعنى أن روسيا لم تنتخب ترامب، فتدخل جيمس كلابر مجددا لتذكيرهم بما قاله قبل دقيقة واحدة وهى أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لا تحلل السياسة وليس لديها وجهة نظر فى تأثير التدخلات الروسية على نتائج الانتخابات، فهذا ليس عمل الاستخبارات».

ولابد أن مناقشة ترامب وفريقه نتائج التحقيق حول التدخلات الروسية أمام مسئولى الاستخبارات، صدم كومى بشكل بالغ كما يوضح فى الكتاب: «لقد شاركت فى الكثير من الإحاطات الاستخباراتية مع الرئيسين السابقين بوش الابن وأوباما، ولم أر أبداً أيا منهما يناقش الخط الإعلامى للبيت الأبيض أو الإستراتيجية السياسية أمام قادة أجهزة الاستخبارات»، ويقول كومي: «ربما السبب وراء ذلك يعود إلى أن ترامب وفريقه لديهم خبرة سياسية قليلة، بل إن ترامب ليس لديه خبرة على الإطلاق، وفى لحظة واحدة بدأ الخط الفاصل بين عالم الاستخبارات والسياسة يتلاشي».

بعد ذلك اتصل ترامب بكومى ليقول له إنه قلق للغاية بشأن التسريبات حول الملف الروسي، ولم يكن كومى واثقا ما إذا كان الرئيس الأمريكى يتهم ضمنا مكتب التحقيقات الفيدرالى بتسريب معلومات حول الملف، فرد يوضح لترامب أن «الملف الروسي» لم يكن وثيقة حكومية، وقد طلبته مجموعة من الشخصيات الحزبية قبل الانتخابات عندما لاحظت دور موسكو المتزايد فى الحملة الانتخابية، وأشار كومى إلى أن الملف لأنه لم يكن وثيقة حكومية سرية، فقد حصلت عليه شخصيات فى الكونجرس وفى الصحافة الأمريكية، مشيرا إلى أنه طالما أن الوثيقة لم تكن سرية ولا حكومية، فإن الحديث عن «تسريبها» غير دقيق.

 

دعوة إلى البيت الأبيض

فى 22 من يناير 2017 وبينما كان كومى فى مكتبه يتناول الغداء جاءه اتصال تليفونى من البيت الأبيض وكان ترامب على الخط، حيث سأله إن كان بمقدوره أن يأتى على العشاء للقائه. يقول كومى إنه لم يكن لديه خيار سوى الموافقة، فاتصل بزوجته وألغى معها موعدا على العشاء، وكانت الدعوة مصدر قلق، فكومى بوصفه مديرا لمكتب التحقيقات الفيدرالى شعر بالحاجة إلى أن تكون هناك مسافة بينه وبين ترامب، وهو يتذكر فى الكتاب أنه عندما دعى إلى البيت الأبيض بعد تنصيب الرئيس رسميا مع قادة كل الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية، وقف فى الصف الأخير محاولا أن يختبئ خلف الستارة الزرقاء المخملية التى لحسن الحظ، كما يقول، كان لونها مطابقا للون سترته ذلك اليوم، ويوضح أنه لم يحبذ الاقتراب من ترامب فى ذلك اليوم لسببين: الأول أن مسئولى الاستخبارات لا يحبون وسائل الإعلام، وثانياً: لأن كل هذا يأتى على خلفية انتخابات قسمت أمريكا وأثارت جدلا حول دوره فى نتائجها عندما أعاد فتح التحقيقات ضد المرشحة الديمقراطية هيلارى كلينتون، لكن ترامب لمحه من بعيد ونادى «جييييم»، فتحرك كومى نحو الرئيس وأسوأ كوابيسه أن يعانقه الرئيس أمام الكاميرات، فحرص على أن يمد يده لضمان مصافحة رسمية، لكن ترامب جذبه بقوة وربت على كتفه، ثم اقترب منه وهمس فى أذنه.

بالنسبة إلى كومى كانت هذه لحظة عصيبة، لكنها لن تكون أصعب من الموعد على العشاء مع الرئيس، ففى تمام الساعة السادسة والنصف مساء كان كومى فى البيت الأبيض للقاء الرئيس، وتوقع أن يكون هناك مدعوون آخرون على العشاء، لكنه كان المدعو الوحيد. كان هذا إجراء غير عادى بكل المعايير، فالقواعد تقتضى ألا يلتقى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالى فى جلسة خاصة على هذا النحو.

ويتذكر كومى أنه عندما أراد الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما أن يتحدث معه فى قائمة واسعة من الموضوعات والقضايا قبل تعيينه رسميا فى منصب مدير «إ ف بى آي» عام 2013 اتصل به ودعاه للبيت الأبيض لحديث سياسى فلسفى طويل، وساعتها قال له أوباما «لأننا لن نستطيع الجلوس معا هكذا فى المستقبل»، وكان أول الأسئلة التى طرحها ترامب على كومى خلال اللقاء هو: ماذا تريد أن تفعل؟، مشيرا بشكل واضح إلى مستقبل كومى على رأس مكتب التحقيقات الفيدرالي، ثم استطرد الرئيس قائلا: «تعرف أن هناك آخرين يريدون أن يكونوا مديرين لـ»إف بى أي»، لكننى سمعت أشياء عظيمة عنك وأعلم أنك مصدر تقدير لزملائك».

ويقول كومى إنه رد على ترامب بقوله إنه يدرك أن الرئيس بمقدوره إقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، لكنه يريد أن يبقى فى وظيفته التى يحبها ويجيدها، لكن الدعوة الفردية على العشاء وطرح سؤال مستقبله على رأس «إف بى آي» بهذا الشكل عززا اعتقاد كومى أن ترامب لن يعطيه الوظيفة بلا مقابل، أو بالأحرى لن يوافق على بقائه فى الوظيفة بلا مقابل.

ويتابع كومي: «قلت لترامب إنه يمكنه الاعتماد على دائماً فى قول الحقيقة. أخبرته أننى مستقيم ولا أسرب أسرارا ومحايد سياسياً، وقلت إن من مصلحة الرئيس ألا يكون مكتب التحقيقات الفيدرالى ووزارة العدل جزءاً من القضايا المثيرة للجدل فى البلاد والتحقيقات التى تشمل أعضاء بارزين فى الإدارة»، لكن من الواضح أن كلمات كومى لم ترض الرئيس، فبعد وقت قصير ومع نظرة جادة على وجهه، قال ترامب لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي: «أنا أريد الولاء.. وأتوقع الولاء». صمت كومى وغابت التعبيرات عن وجهه وشعر أنه انتقل إلى عالم سوريالي، فقد طلب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية للتو من مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى الولاء الشخصى له، ويوضح أنه لو فعل أوباما ما فعله ترامب فى تلك اللحظة لانطلقت أصوات الجمهوريين تطالب باستجوابه أمام الكونجرس. لم يرد كومى أن يتحدث فيعطى ترامب انطباعا أنه يوافق على ما يقوله، ولم يجد بديلا عن أن يلوذ بالصمت، فاستأنف ترامب الحديث لكن عن موضوعات أخرى هذه المرة دون أن يعباً كثيراً بصمت كومي.

تحدث ترامب عن «الحشود» التى حضرت تنصيبه وعن قضية البريد الإلكترونى لهيلارى كلينتون، قائلاً إن كومى أنقذها عندما قال «إنه لا يمكن محاكمتها»، وأعرب ترامب عن اختلافه معه، ثم اتفق أنه لم يكن لدى كومى خيار سوى إعادة فتح التحقيقات معها مجدداً قبل أيام من الانتخابات، ثم أخيراً إغلاق ملف التحقيقات للمرة الثانية، ثم تحدث عن الاتهامات له بالتحرش الجنسى ونفاها كلها، وقال إنها بلا أساس، وخلال اللقاء لم تكن هناك «محادثة» بين كومى وترامب. كان الرئيس يتحدث معظم الوقت، وبعد فترة عاد ترامب من جديد إلى مسألة الولاء، فقال لكومي: أنا احتاج إلى الولاء، فصمت مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى لبرهة قبل أن يرد: ستحصل دائماً على الصدق مني. فرد ترامب: هذا ما أريده. أريد ولاءً صادقاً، فرد كومي: ستحصل منى على ذلك، وذلك فى محاولة يائسة، كما يقول كومي، لإنهاء المواجهة المحرجة بينهما، وكان كومى يردد بينه وبين نفسه «أنا أوضحت له بجلاء أين أقف من هذا الموضوع»، لكن يبدو أن رد كومى أرضى ترامب باعتباره نوعاً من الصفقة الكل فيها رابح.

ويتابع كومي: «فى تلك اللحظة، فكرت كيف أن قائد العالم الحر، الذى يصف نفسه برجل أعمال كبير، لا يفهم معنى القيادة. القادة ذوو الأخلاق لا يسألون أبداً عن الولاء».

 

تفاصيل الأوراق السرية

إذا كان كتاب «ولاء أعلي» ليس دامغا بما يكفى لترامب وبعض أركان إدارته، فقد نشر كومى عددا من المذكرات السرية الإضافية يوم الخميس الماضى بعد موافقة وزارة العدل الأمريكية تتضمن تفاصيل جديدة حول علاقته بترامب وأعضاء حكومته، ورد ترامب على نشر ملاحظات كومى السرية بقوله إنها تظهر أنه لم يكن هناك تواطؤ مع موسكو وأن كومى أخطأ بنشر تلك الوثائق، معتبراً أنه «تسريب غير قانوني».

وتلقى الأوراق، وهى محاضر سرية كتبها كومى بعد كل مقابلة مع ترامب لإلقاء الضوء على كيف أن الرئيس الأمريكى بات بشكل سريع أسير نظرية المؤامرة عليه وعلى إداراته من قبل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية من أجل نزع الشرعية عنه، ومن بين ما تكشفه الأوراق السرية أن راينس بريبوس رئيس طاقم البيت الأبيض آنذاك سأل كومى خلال اجتماع فى 8 فبراير 2017 ما إذا كان مكتب التحقيقات الفيدرالى يتنصت على مستشار الأمن القومى الأمريكى فى ذلك الوقت مايكل فلين، وذلك على خلفية نشر صحف أمريكية أن هناك تسجيلات ظهرت لمايكل فلين يتحدث مع السفير الروسى فى واشنطن حول العقوبات التى فرضتها إدارة أوباما على موسكو بسبب تدخلاتها فى الانتخابات، وهى الاتصالات التى أثارت مخاوف بين قادة المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الأمريكية من أن فلين ربما يعمل من أجل مساعدة الروس.

وبالرغم من أن الوثائق السرية المنشورة تتضمن تفاصيل لقاء كومى وراينس بريبوس وسؤال الأخير عما إذا كان الـ»أف بى آي» يتنصت على فلين، إلا أن رد كومى على السؤال تم حجبه من قبل وزارة العدل الأمريكية قبل السماح بنشر الأوراق، لكن من ضمن ما قاله كومى لرئيس طاقم البيت الأبيض ونُشر هو شرح للكيفية التى يجب أن توجه بها مثل هذه الأسئلة من مكتب رئيس طاقم البيت الأبيض إلى المسئولين فى وزارة العدل الأمريكية، ويقول كومى فى المذكرات السرية: «أوضحت له أنه من المهم أن يتم نقل تلك الاستفسارات حول أى قضية بعينها من خلال وزارة العدل لحمايتنا ولحماية البيت الأبيض من أى اتهامات بتأثير غير لائق»، أما مسألة مراقبة فلين، فمن المعروف على نطاق واسع أن وكالات الاستخبارات الأمريكية لابد وأن تكون قد سمعت مكالمات فلين مع السفير الروسي، لأنها تراقب بشكل روتينى تليفونات السفراء الأجانب لدى واشنطن.

 

حرب التسريبات

تشمل الأوراق السرية لكومى أيضا محادثة أخرى مطولة بينه وبين ترامب فى فبراير حول التسريبات للإعلام، التى باتت مصدر قلق كبير للإدارة، وذلك بعدما تم تسريب عدد من المعلومات المحرجة حول ترامب والبيت الأبيض، بما فى ذلك محتوى اتصالات سرية مع زعماء أجانب من بينهم الرئيس المكسيكى ورئيس وزراء استراليا، حيث كانت المحادثتان عصيبتين ومتوترتين جداً، ويوضح كومي، الذى طالما أعرب عن رفضه لأسلوب التسريبات، كيف أنه تمنى ضبط أحد الأشخاص المتورطين فى التسريبات كى يضرب به مثالاً للآخرين، ويواصل: «قلت للرئيس إننى تواق إلى العثور على المتورطين فى التسريبات.. كما تحدثت عن صعوبة الأمر (بسبب قانون سرية مصادر الصحفيين)، فرد الرئيس: إننا نحتاج إلى ملاحقة الصحفيين، وأشار إلى حقيقة أنه قبل 10 أو 15 عاماً كانت أمريكا تسجن الصحفيين كى تجبرهم على الكشف عن مصادرهم، وهذا كان فعالاً»، كما قال ترامب.

ثم أشار الرئيس إلى قضية جوديث ميللر، الصحفية السابقة فى «نيويورك تايمز»، ففى عام 2005 سجنت ميللر لمدة 85 يوما لرفضها الكشف عن مصدر معلوماتها حول هوية فاليرى بليم عميلة الـسى أى إيه، قبل أن تتراجع وتكشف هوية المصدر (كشفت جوديث ميللر هوية فاليرى بليم كعميلة للاستخبارات الأمريكية فى تقرير فى صحيفتها قبل حرب العراق كنوع من الانتقام من زوجها السفير جوزيف ويلسون، الذى كان معارضا شرسا للحرب، وكشفت ميللر لاحقا بعد سجنها أن مصادرها كانوا مسئولين فى إدارة جورج بوش الابن، من بينهم ريتشارد أرميتاج ولويس ليبي، رئيس مكتب نائب الرئيس وقتها ديك تشيني، وقد أدين ليبى بالكذب بسبب كشف هوية فاليرى بليم وحكم عليه بالسجن، ثم خفف بوش العقوبة وألغاها ترامب 2018).

ويقول كومى فى أوراقه السرية: «أوضحت للرئيس أننى من مؤيدى ملاحقة التسريبات بقوة، لكن ملاحقة الصحفيين أمر حساس، لأسباب قانونية ولأن وزارة العدل تتحفظ فى الاقتراب منه»، ويوضح كومى أن ترامب اقترح الحديث مع النائب العام الأمريكى جيف سيشين من أجل أن تكون وزارة العدل أكثر فاعلية فى مواجهة التسريبات.

 

السياسة والأخلاق

«ولاء أعلي» هو أول مذكرات سياسية مهمة من قبل لاعب رئيسى فى ميلودراما رئاسة ترامب ودهاليز السلطة فى بيت أبيض مغاير كثيراً للمعتاد، ولا شك أن المحقق الخاص فى ملف العلاقة مع روسيا روبرت مولر ينظر لشهادة كومى باعتبارها أحد الأدلة التى يمكن أن يستند إليها فى التحقيقات ضد ترامب، ولن تتسبب شهادة كومى فى أى ارتياح لترامب، فالمذكرات السرية والكتاب يشيران بوضوح إلى أن الرئيس الأمريكى حاول «عرقلة العدالة» بدعوته كومى عندما كان مديراً لمكتب التحقيقات الفيدرالي، فعل ما باستطاعته لإزالة الضباب حول إدارته فى العلاقة مع موسكو، والتحرك لمنع توجيه اتهامات إلى مايكل فلين المستشار السابق للأمن القومي، وتتعقد الأمور أكثر بكشف كومى الحديث بينه وبين ترامب عندما طلب منه الرئيس الأمريكى صراحة «الولاء» الشخصى له.

ومع صدور الكتاب وبدء مراجعة ما ورد فيه من معلومات، لاحظت مطبوعات أمريكية من بينها مجلة «بوليتكو» أن رواية ترامب مثلاً أنه لم يقض الليل فى موسكو عندما زارها 2013، لإقامة مسابقة ملكة جمال العالم، غير صحيحة، فبيانات الطيران تظهر أن ترامب غادر أمريكا الجمعة وعاد الأحد من موسكو، وتشير «بوليتكو» إلى أن كذب ترامب فى هذه النقطة أمام كومى يمكن أن يستخدمه موللر فى تحقيقاته الجارية.

لا يحاول كتاب كومى «ولاء أعلي» التدخل فى الجدل السياسى حول ترامب وإدارته، لكنه مع ذلك وكرجل قانون يعطى وجهة نظر أخلاقية لما يدور داخل الإدارة ويقارنها بالإدارات السابقة التى عمل معها: «لا يمكننى تصور باراك أوباما، أو حتى بوش يجتمع بى على عشاء خاص ثم يقايضنى على وظيفتى ويطلب منى الولاء الشخصي»، يقول كومى معرباً عن صدمة كبيرة فيما آل إليه الوضع فى واشنطن وهو ينهى مذكراته برسالة ليست سياسة، بل أخلاقية يعرب خلالها عن القلق من الضرر الذى تلحقه إدارة ترامب بمستقبل البلاد، ويوضح: «أننا نمر بوقت خطير فى بلدنا.. مع وجود بيئة سياسية يتم فيها التنازع على الحقائق الأساسية. ويتم التشكيك فى الحقائق الأساسية. حيث بات الكذب أمرا طبيعيا، والسلوك غير الأخلاقى يمر دون مساءلة».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق