رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى الحلقة الثانية من كتاب «ولاء أعلى» مدير «إف بى آى» السابق يواصل قصف جبهة الرئيس الأمريكى (2-3)
ترامب وإدارته «حريق هائل» يلتهم قيم أمريكا ومعاييرها

لندن ــ منال لطفى
الرئيس الامريكى ترامب مع جيمس كومى

  • يقود الولايات المتحدة بأسلوب مقايضة ويتعمد الاستهانة بضوابط وتوازنات حماية الديمقراطية

  • يجهل واجباته الأساسية كرئيس.. وسلوكه خارج عن كل قواعد «البروتوكول»

  • زعيم الديمقراطيين بمجلس الشيوخ: ترامب يتكلم دون أن يفكر وعلاقته بالحقيقة واهية
  • الرئيس الأمريكى ينظر للعالم كمعادلة صفرية فكل خسارة له مكسب لطرف آخر والعكس
  • أخبرته أن روسيا لديها شريط فيديو يسجل لقاءاته مع فتيات ليل بموسكو فقال: لا تخبر زوجتى


أصبح دونالد ترامب رئيسا لأمريكا، ووضع هذا قادة أجهزة الاستخبارات الأمريكية فى موقف دقيق، فخلال الحملة الانتخابية، أمر الرئيس الأمريكى آنذاك باراك أوباما بإجراء تحقيق فى دور روسيا بالانتخابات، وبعد النتيجة توجه رؤساء وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سى آى إيه) ومكتب التحقيقات الفيدرالى (إف بى آي) ووكالة الأمن القومى إلى البيت الأبيض لإطلاع أوباما على عملهم فى جلسة الإحاطة الثالثة والأخيرة حول هذه التحقيقات، وكان من بين النتائج أن روسيا استثمرت الكثير من المال والجهد والوقت للتأثير على نتائج الانتخابات الأمريكية عبر حملات فى وسائل التواصل الاجتماعى ساعدت حملة ترامب، لكن كان من ضمن معلومات الملف الذى لديهم، والذى أعده عميل سابق فى الاستخبارات البريطانية، أن موسكو لديها شريط فيديو يمكن أن تستخدمه لاحقا فى ابتزاز والضغط على الرئيس الأمريكى المنتخب ترامب.

ويتضمن الشريط لقاءات بين ترامب وفتيات ليل فى فندق بموسكو 2013 خلال تنظيمه لمسابقة ملكة جمال العالم التى كان يشرف عليها، وبعد أسئلة واستفسارات مع أوباما ونائبه جو بايدين ومسئولين آخرين، أوضح قادة أجهزة الاستخبارات أنهم سيطلعون صبيحة اليوم التالى «عصابة الثمانية»، أى كبار مسئولى الكونجرس الأمريكى من الجمهوريين والديمقراطيين على «الملف»، قبل أن يتوجهوا إلى نيويورك لإطلاع الرئيس المنتخب وفريقه عليه.

جيمس كومى المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالى يقول فى كتابه «ولاء أعلي.. الحقيقة والأكاذيب والزعامة» إن أوباما لم يعلق على محتوى الشريط أو يعبر عن أى رأى بخصوصه، لكن عندما وضح أن جيمس كومى شخصيا هو من سيطلع ترامب على نتائج التحقيقات فى دور روسيا، ويخبره أيضا بمحتوى الشريط واحتمالات تأثير ذلك، نظر أوباما إلى كومى نظرة تحمل معني: «حظا سعيدا» دون أن ينطق بكلمة.


ويواصل كومى أنه فى وقت لاحق من ذلك اليوم تلقى مكالمة من جيه جونسون، وزير الأمن الداخلي، الذى حضر الإحاطة فى البيت الأبيض صباحا، والذى كان صديقا له منذ عملا معا كمدعيين فيدراليين بمانهاتن بمدينة نيويوك فى الثمانينيات. قال جونسون لكومي: أنا قلق حيال خطة إبلاغك الرئيس المنتخب وحدك بمحتوى الملف. فرد كومي: وأنا أيضاً. فسأله: هل قابلت دونالد ترامب؟، ولما كانت إجابة كومي: لا. حذره جونسون قائلاً: توخى الحذر. كن حذرا جدا. الأمور قد لا تسير على ما يرام.

وبرغم قلق كومى من تلك المواجهة المبكرة وغير المريحة مع الرئيس المنتخب لم يكن لديه بديل، فمحتوى الملف معروف بالفعل لكل أجهزة الاستخبارات وأعضاء فى الكونجرس ومسئولين بإدارة أوباما، وفى رأيه لم يكن من العادى أن يذهب إلى ترامب ويخبره بالجوانب المتعلقة بتدخلات روسيا فى الانتخابات الأمريكية بدون أن يتطرق إلى مسألة شريط الفيديو برغم محتواه الحساس والمحرج، كما لم يجد كومى بديلا عن عقد لقاء مغلق وخاص مع الرئيس المنتخب، فمن المستحيل سرد محتوى الشريط على الرئيس المنتخب أمام آخرين، وفى كل الحالات كان الأمر معقداً وحرجا، واستقر كومى على أن يؤكد لترامب أن التحقيقات «متعلقة بالأنشطة الروسية» وليس به هو شخصيا، فالنقطة المهمة بالنسبة لمكتب التحقيقات الفيدرالى ليس أن ترامب التقى فتيات ليل فى موسكو قبل سنوات، بل إن الأجهزة الروسية قد تستغل ذلك لابتزازه والضغط عليه بوصفه رئيساً لأمريكا.

وكان اللقاء بين ترامب وكومي، الذى كان آنذاك «بطلاً» لدى القواعد الشعبية التى انتخبت ترامب بسبب قراره إعادة فتح تحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالى فى قضية البريد الإلكترونى للمرشحة الديمقراطية هيلارى كلينتون قبل أيام من التصويت، ما أدى إلى تراجع حظوظ المرشحة الديمقراطية بشكل كبير، وتم اللقاء فى «برج ترامب» فى نيويورك قبل أيام من تنصيب ترامب رسمياً رئيساً للبلاد. ويقول كومي: «ظهر ترامب كما كان يظهر على شاشات التليفزيون. كان أقصر بقليل مما كنت أتخيله، وبرتقالى قليلاً، والجيوب البيضاء تحت العين بيضاء، على الأغلب بسبب الكمادات التى يرتديها تحت العين خلال جلسات تسمير البشرة لإعطائها اللون البرونزى (التان). وشعر أشقر لامع بالنظر الدقيق له وجدت أنه شعره فعلاً».

وأخبر كومى ترامب عن محتوى الملف الذى أعده عميل استخبارات بريطانى لـ»إف بى آي» حول علاقة ترامب والمقربين منه بروسيا، قائلاً له إن من ضمن ادعاءات الملف أن لدى الحكومة الروسية شريط فيديو لترامب مع فتيات ليل فى أثناء رحلة إلى موسكو خلال مسابقة ملكة جمال العالم 2013. ويقول كومى إن ترامب نفى تماما الأمر، وبدا كأنه يدافع عن نفسه، قائلاً إنه «كيف يكون بصحبة عدد من فتيات الليل وهو يخاف من الجراثيم».


ويستكمل كومي: ضحكت ورددت قائلاً: إن الادعاءات ربما يكون قد تم فبركتها، وإن عمل الـ»إف بى آي» هو حماية الرئيس من إجباره أو إكراهه على شيء، وخلال تلك المقابلة طلب ترامب من كومى إخفاء هذه المعلومات «إذا كان هناك احتمال واحد فى المائة أن تأخذها زوجته ميلانيا على محمل الجد».

يوضح كومى أنه على الرغم من أن ترامب أنهى الاجتماع بشكل جيد، إلا أن الاتهامات ضده ظلت عالقة فى ذهنه ــ فعلى الأقل ــ مرتين خلال الأسابيع اللاحقة، سرد ترامب أمام كومى جدولا زمنيا خلال رحلته إلى موسكو، كى يظهر له أنه من المستحيل لشريط كهذا أن يوجد أصلاً، ووفقاً لمذكرات كومي، فقد أخبره ترامب بالبيت الأبيض لاحقاً فى يناير 2017 أنه تحدث مع العديد من الأشخاص الذين كانوا فى الرحلة معه، وقال ترامب لكومى إن هؤلاء الناس «ذكّروه» بأنه لم يقض الليل فى موسكو، موضحاً أنه وصل فى الصباح، وحضر سلسلة من الفاعليات، ثم ذهب إلى فندق للاستحمام واللبس لحضور احتفال ملكة جمال العالم، وبعد الحفل غادر روسيا.

وفى اجتماع آخر فى فبراير فى المكتب البيضاوي، أخبر ترامب كومى أن حكاية فتيات الليل هذه «لا أساس لها أصلاً».

ثم يتحدث كومى عن لقاء ثان بينه وبين الرئيس الجديد فى فبراير 2017، بحضور رئيس طاقم البيت الأبيض السابق رينس بريبوس، ويسرد كومى أنه خلال عشاء مشترك، طلب ترامب منه الولاء الشخصي، ثم ضغط عليه ليترك التحقيق فى قضية اتصالات المستشار السابق للأمن القومى الأمريكى مايكل فلين مع الروس، ثم سأل الرئيس كومى سؤالا مليئا بالإيحاءات حول ما الذى يمكن أن يفعله لإزالة الشكوك عن قضية العلاقات بين أعضاء حملته الانتخابية وروسيا، ويقول كومى إنه خلال تلك اللقاءات لم ير ترامب يضحك أبداً، وهى علامة يصفها بأنها دليل على شعور عميق بعدم الأمان أو الثقة، وعدم قدرته على الظهور بمظهر الضعف أو تقدير روح الدعابة لدى الآخرين.

ولا يتردد كومى خلال صفحات الكتاب فى رسم صورة تطابق بين زعماء المافيا الذين تصدى لهم خلال سنوات عمله، وبين الساكن الحالى للبيت الأبيض، ويوضح أنه بعد اللقاء على العشاء تذكر أيام عمله كمدع فيدرالى يواجه المافيا، حيث «الدائرة الصامتة من الموافقين على كل ما يقوله الرئيس. الهيمنة المطلقة للزعيم. قسم الولاء. سيادة رؤية (نحن مقابل هم). الكذب حول كل الأشياء كبيرها وصغيرها لخدمة بعض قواعد الولاء التى تضع المنظمة الإجرامية فوق القيم الأخلاقية وفوق الحقيقة».

ويسرد كومى فى كتابه «ولاء أعلي» كيف أن سلوك ترامب كان خارجا عن كل قواعد السلوك الرئاسية الاعتيادية، وكم هو جاهل بشأن واجباته الأساسية كرئيس، وكيف أنه استهان عن عمد بالضوابط والتوازنات التى تحمى الديمقراطية الأمريكية، بما فى ذلك الاستقلال الأساسى للقضاء وتطبيق القانون».

لم يستطع ترامب إخضاع كومى أو خطب وده واستمرت سحابة التحقيقات فى الحلقة الروسية فوق رأسه، وعندما أقاله فى مايو 2017 قال لزائرين روس فى المكتب البيضاوى عن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية إنه «مجنون» وإن إطاحته مصدر راحة كبيرة بالنسبة له، وذلك قبل تعيين روبرت موللر ليحل محل كومى على رأس التحقيقات حول العلاقة بين روسيا ومسئولين فى حملة ترامب وتدخلات موسكو فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

لا يقدم كتاب كومى معلومات جديدة عن التحقيقات التى يجريها مكتب التحقيقات الفيدرالى برئاسة موللر حالياً، وهذا طبيعى بالنظر إلى أن مثل هذه التحقيقات مستمرة وتتضمن مواد ومعلومات سرية، كما يفتقر الكتاب إلى التحليل القانونى المفصل، وربما تعمد كومى هذا، لكنه فى المقابل يقدم شيئا آخر، وهو نوع العلاقة بين رئيس لا تحكمه أى قيم أخلاقية كبري، كما يقول كومي، وبين محقق قانونى لا يحيد عن القانون أو القيم العامة.

هذا التوتر والتناقض ثم الصراع والمواجهة حتى الإقالة، ثم تبادل موجات لم تتوقف من الإهانات، يمنح القارئ تجربة أشبه بمنازلة أو صراع درامى بين الخير والشر، لكن على أعلى مستويات السلطة (الخير والشر هنا ليسا مفهومين ثابتين، ففى نظر أنصار ترامب، كومى هو الشخص الشرير الذى كشف معلومات سرية عن مقابلاته مع الرئيس لم يكن يفترض أن يكشفها، ثم شهد ضده فى أسوأ تجارب الخيانة فى تاريخ البيت الأبيض).

ومن سيرته عبر الكتاب يظهر كومى باعتباره مسئولا حكوميا مستقيما مثل السيف، خادم لمبدأ سيادة القانون واحترام الدستور، صاحب سمعة لا يمكن التشكيك فيها، أو نموذج الـ«جى ــ مان»، اختصاراً لـ «جفرنمنت ــ مان)، وهو تعبير أمريكى رائج يعنى «المسئول الحكومي» النظيف المستقيم الذى يقف ضد فساد المسئولين مدفوعاً بقيم الدين والعائلة والوطن، فهو كمحام شاب فى أوائل الثمانينات كان جزءاً من الفريق الذى أسقط المافيا فى نيويورك، حيث قام بمقابلة القتلة وأعضاء العصابات الإجرامية، وأكل معهم المكرونة وشرب القهوة «الإسبرسو» لكسب ثقتهم، قبل أن يعطوه معلومات أدت إلى اعتقال زعمائهم على رأس عصابات المافيا.

هذه التجارب الأولى علمت كومى ــ كما يقول فى الكتاب ــ إن «للشر وجها عاديا. إنه يضحك، يبكي، يبرر الجرائم ويصنع مكرونة رائعة. فهؤلاء القتلة كانوا أناساً تجاوزا خطا فى التجربة الإنسانية عن طريق اختيار نمط حياة أخري. فقد قاموا ببناء سردهم الخاص لشرح وتبرير جرائمهم. فلم ير أى شخص منهم نفسه كإنسان سييء»، وبعد تجربة عصابات المافيا، تعلم كومى من عمله كنائب للمدعى العام للتعامل مع قضايا ما بعد 11 سبتمبر 2001 خلال إدارة الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش الابن، ثم رئيساً لمكتب التحقيقات الفيدرالى بدءاً من 2013 وحتى إقالته. ويسرد كومى قصصا عن خلافاته مع أعضاء إدارة بوش الابن، ويقدم صورة سلبية عن سياسيين ومسئولين من بينهم وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس وديفيد أدينجتون، المستشار القانونى لنائب الرئيس آنذاك ديك تشيني، ويقول كومى إنه بعد 11 سبتمبر من وجهة نظر هؤلاء فإن «الحرب على الإرهاب تبرر كسر القانون»، ويروى أنه خلال عمله فى وزارة العدل خلال تلك الفترة ضغط ديك تشينى وفريقه من أجل أساليب استجواب قاسية ضد المشتبه فى تورطهم بالإرهاب، إضافة إلى تقنين مراقبة ملايين الأمريكيين على الإنترنت باسم حماية أمريكا، وهى الإجراءات التى رآها كومى مفرطة وغير قانونية ودفعته لمواجهة تشينى ومحاميه على أساس عدم دستورية هذه الإجراءات. ويروى كومى أنه فى إحدى ليالى عام 2004 هرع إلى غرفة المستشفى حيث كان يعالج جون أشكروفت وزير العدل الأمريكى فى إدارة بوش لمنع مسئولى الإدارة من استغلال مرض أشكروفت وإقناعة بالموافقة على إعادة تفويض وكالة الأمن القومى بمراقبة ملايين الأمريكيين، وهى الخطوة التى كان يرى كومى وغيره من مسئولى وزارة العدل الأمريكية أنها ستكون انتهاكاً واضحاً للدستور الأمريكي.

لقد عمل كومى فى ثلاث إدارات أمريكية سابقة، وفى كل الوظائف ولدى كل الإدارات كان معروفاً باستقلاله الكامل ومهنيته، وهو يأخذ تلك الخبرات التى توافرت لديه عبر التعامل مع الإدارات السابقة للحكم على ترامب. لا يذكر كومى ترامب بالاسم إلا فى الفصول الأخيرة من الكتاب، لكن وصوله كان متوقعا فى كل صفحة من الكتاب تقريباً، فما تحدث عنه فى الفصول الأولى من تجربته حول المخاطر التى تتهدد أمريكا من عدم احترام القانون والمؤسسات، ودور المال، والكذب، وهى التهديدات التى قضى كومى معظم حياته المهنية يصارعها كمحام، ولاحقاً كمدير لمكتب التحقيقات الفيدرالي، وهى نفس القضايا التى واجهها خلال العمل فى إدارة ترامب، وبنفس المعايير الأخلاقية التى طبقها خلال مسيرته، يصف كومى ترامب وإدارته فى كتابه بـ «حريق هائل» يلتهم قيم امريكا ومعاييرها...هذا الرئيس غير أخلاقي، ومتحلل من الحقيقة والقيم المؤسسية. أسلوبه فى القيادة أسلوب مقايضة، مدفوع بالأنا والولاء الشخصى له».

وخلال شهادة كومى أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأمريكى فى يونيو الماضي، لاحظ تشاك شومر زعيم الديمقراطيين فى مجلس الشيوخ الأمريكى أن الروايات المتناقضة بشكل جذرى فى كثير من الأحيان بين ترامب من ناحية وكومى من ناحية أخرى تطرح السؤال التالي: من يجب أن نصدق؟، ويرد شومر ضمناً بقوله إنه إذا وضعت سجل الرجلين وسمعتهما ومسيرتيهما المهنية والشخصية جنباً إلى جنب من الصعب تخيل شخصين أكثر اختلافاً من ترامب وكومي، وبالنسبة للكثيرين سؤال: من نصدق؟ من السهل الإجابة عنه، فالاختيار كما يقول السيناتور الأمريكى هو بين شخصين: أحدهما لا يتكلم بدون تفكير ويختار كلماته بعناية، بحيث لا تكون هناك أى ضبابية، والآخر يتكلم بدون أن يفكر بلغة فضفاضة وتعبيرات تحمل أوجها كثيرة، وعلاقته واهية بالحقيقة، رئيس يذكر معلومات زائفة أو مضللة بمعدل 6 مرات فى اليوم، ويعانى عقدتى الاضطهاد والعظمة معاً، وينظر للعالم كمعادلة صفرية وبشكل عدمي، فكل خسارة له هى مكسب لطرف آخر وكل مكسب له هو خسارة لطرف آخر. جاهز للتنكيل بأعدائه ومعارضيه. والثانى -وهو كومي- كتب أطروحته فى الجامعة عن السياسة والأخلاق قائلا «الرجل يدخل عالم السياسة من أجل تحقيق العدالة ومنع الأقوياء من التهام الضعفاء»، ولديه شعور عميق بسمعته ونزاهته لدرجة أنه عندما أعطى زميله السابق جيمس كلابر مدير الاستخبارات الوطنية السابق رابطة عنق هدية، حرص على أن يخبره انها كانت هدية سابقة من شقيق زوجته.

فى 9 مايو 2017 أقال ترامب كومى فجأة، وبرغم أن الرئيس شعر أنه تخلص من عبء ثقيل، لكن الإقالة سببت سخطاً وغضباً فى «أف بى آي» وحتى داخل البيت الأبيض، ويقول كومى فى كتابه إن الجنرال جون كيلى وزير الأمن الداخلى آنذاك، والذى أصبح لاحقاً رئيس طاقم البيت الأبيض، اتصل به بعد الإقالة وقال له إنه يشعر بالغثيان من الطريقة التى أقيل بها كومى من منصبه، كما قال إنه يفكر فى الاستقالة احتجاجاً، فرد عليه كومى متمنياً عليه البقاء فى البيت الأبيض «لأن ترامب يحتاج إلى شخصيات ذات مبادئ مثله» إلى جانبه فى البيت الأبيض.

وإذا كان ترامب تمنى أن تكون إقالة كومى بداية لإغلاق الملف الروسي، فقد حصل على عكس ذلك تماماً، فالمدعى العام الخاص الذى تم تعيينه روبرت موللر، لم يظهر تباطؤا فى متابعة الملف، والأكثر من ذلك أنه فتح تحقيقاً فى الطريقة التى أقال بها ترامب كومي، فالأسباب التى ساقها الرئيس تضاربت مع الوقت، فعند إقالته فى البداية برر ذلك، بأنه بسبب طريقة إدارة كومى للتحقيقات فى الملف الروسي، وبأنه لا يقود مكتب التحقيقات الفيدرالى بشكل فعال، وبعد ذلك بيومين استشهد ترامب بالتحقيق المتعلق بروسيا فى مقابلة أجرتها معه شبكة «إن.بي.سى نيوز» مكرراً نفس الأسباب، لكنه عاد وقال لاحقاً إنه لم يقيله بسبب الملف الروسي، بدون أن يحدد أسباب الإقالة بدقة.

أما كومى فيقول فى كتابه «ولاء أعلي» إنه لا يعلم على وجه الدقة لماذا أقاله ترامب، لكنه يوضح أنه يشكك فى حقيقة أن تكون الإقالة بسبب طريقة إداراته لمكتب التحقيقات الفيدرالي، ومن المفارقات أن كومي، الذى أراد أن يحمى مكتب التحقيقات الفيدرالى من السياسة ودهاليزها، انتهى به الأمر بوضع «إف بى آي» فى خضم عاصفة سياسية على خلفية انتخابات 2016، كما أنه من المفارقات أيضاً أن يكون المسئول القانونى الذى يفتخر بأنه غير سياسى ومستقل، يجد نفسه فى قلب معركة سياسية يتداخل فيها البيت الأبيض والكرملين، وترامب وهيلارى كلينتون. معركة لم تنته كل فصولها بعد وقد تكون نقطة تحول أخرى فى التاريخ.

فى الحلقة الأخيرة: أسرار الأوراق السرية

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق