رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دائرة الحياة

أكتب إليك بعد أن اتخذت قرارا بأن أعرض عليك أن أسلك مسار صديق بريد الأهرام الراحل صبرى عبد العال فى العمل الخيرى، واسمح لى بأن أستعيد ما كتبه إليك منذ أكثر من تسع سنوات عن انسان بائس التقى به فى قرية ضهر التمساح التابعة لمركز ايتاى البارود، ووجده اشبه بهيكل عظمى مغطى بطبقة من الجلد الجاف وتنطق ملامح وجهه بحزن عميق، وما أدهشه وقتها انه كان يرتدى الملابس الداخلية فقط, وقد تآكلت أطرافها, وامتلأت أرجاؤها بثقوب عديدة كشفت من جسده الهزيل أكثر مما سترت, وكان المسكين ينتفض أمامه من شدة البرد فى عز الشتاء، وطلب الأستاذ صبرى منه أن يسرع بارتداء «جلابيته» لمواصلة الحديث معه للتعرف على ظروفه ومطالبه، فإذا بالرجل يشير فى حرج بالغ إلى صفيحة قديمة، وهو يقول متلعثما: الجلابية فى الغسيل.

وأترك باقى هذه الرسالة، كما جاءت فى بريد الأهرام على لسان الأستاذ صبرى، حيث قال: «هنا شعرت بصدمة هزت كيانى هزا عنيفا, وتساءلت فى حيرة ومرارة شديدتين: كيف لانسان فى هذه السن الحرجة أن يعيش وحيدا، ولا يملك فى الدنيا إلا جلابية واحدة لاغير, وعندما يغسلها، فإنه يظل هكذا لا يغطى جسده الهزيل إلا قطعتا ملابس باليتان، وفى جو شديد البرودة, ولا أثر لشعاع واحد من الشمس, منتظرا جفاف «الجلابية» الوحيدة, وعلى الفور سلمته بطانية من البطاطين التى حملتها معى لتوزيعها على الفقراء من فاعلة خير، كما اسرع مرافقى، وهو شاب إسمه عماد، واحضر له من طرفه جلابية سليمة تسلمها هذا المسكين غير مصدق، وأخذ يقبلهما وقد امتلات عيناه بدموع الفرح والسعادة البالغتين، وتركناه وزخات المطر الباردة تتساقط من السماء على وجوهنا لتتعانق فى فرح مع زخات اخرى دافئة كانت تسيل فوق الخدود!، وبعد عودتى إلى القاهرة كتبت اليكم عن مأساة هذا الانسان التعيس, فنشرتم مشكورين كلمتى مع تعقيب منكم انسانى جميل, انهيتموه بطلبكم منى سرعة الاتصال بكم لعمل اللازم, ولكن قبل أن اتصل بكم حدث أمر طيب للغاية, إذ فوجئت باتصال شخصى منكم فى نفس يوم نشر رسالتى تطلبون منى سرعة لقائكم فى الأهرام لتسليمى كمية ملابس احضرها فاعل خير, ولا أخفى أن هذا الاهتمام الشخصى من جانبكم نحو إنسان فقير لا حول له ولا قوة قد زادنى اعزازا وتقديرا لكم فحضرت على الفور وتسلمت منكم الملابس،وفى اليوم التالى سافرت إلى القرية نفسها ومعى الملابس ومبلغ من النقود صممت صاحبة البطاطين أن أسلمه لهذا الرجل المسكين بعد أن طالعت رسالتى وتعقيبكم الإنسانى المؤثر, وتوجهت مباشرة إلى كوخ عم ابراهيم ـ وهذا اسمه ـ لأجده واقفا مستندا إلى جداره مرتديا جلابية قديمة، وهو يستدفئ بأشعة الشمس متطلعا إلى السماء ساهما حزينا, لا يعلم ما بداخله من هموم وأوجاع إلا علام الغيوب, وما إن تسلم «كيس الملابس» حتى أخذته نشوة من الفرح الغامر لدرجة أنه خلع معظم ما عليه من ملابس قديمة ونحن بالشارع، وأدخل جسده النحيل فى كل ما يخرجه من «الكيس» وهو سعيد للغاية, أما أنا ومرافقى فقد كنا أكثر منه سعادة.

ولم تمض أيام قليلة حتى جاءتنى مكالمة ثانية منكم تطلبون فيها احضار هذا الرجل إلى «الأهرام» ليتسلم شيكا تبرع بمبلغه فاعل خير، وجرت اتصالات بينى وبين بعض معارف هذا الشخص الذين تولوا احضاره إلى القاهرة وتسلم بنفسه الشيك, وكان بمبلغ طيب أعانه على قضاء الكثير مما كان محروما منه.إننى أعيد سرد هذه الوقائع بعد أن استجد أمر مهم يستحق الذكر, فقد تعودت خلال جولاتى فى ربوع مصر بصحبة أهل الخير متابعة ما سبق انجازه, وعندما عدت للمرور بقرى الضهرية والكومى وأرمينا بإيتاى البارود حتى وصلت إلى قرية ضهر التمساح, وبينما كنت أتجول فى إحدى طرقاتها, فوجئت بمن يحتضننى بقوة، ويمطرنى بالقبلات وينادينى باسمى.. انه عم إبراهيم الذى رأيته وقد تبدلت أحواله, فصار حفظه الله ـ بشوشا حليق الذقن, تغمر وجهه الطيب علامات الرضا, يرتدى ملابس نظيفة, وقد امتلأ جسده قليلا, بعد أن أنعم الله عليه ببعض نعمه التى أرسلها إليه أهل الخير عبر بريد الأهرام, ففرجوا كربة مؤمن محروم, ليفرج الله عنكم بإذنه كرب يوم القيامة».

هذه هى تجربة من تجارب الرجل الإنسان صبرى عبد العال رحمه الله، وأرجو ألا تحرمنى أن أصنع صنيعه، ولك خالص الشكر.

< ولكاتب هذه الرسالة أقول:

بل الشكر لك ولمن يسعى إلى فعل الخير، وهم كثر، ويظل هذا العطاء قائما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والحقيقة أننى لم استطع أن أحبس دموعي، وأنا أستعيد كلمات الأستاذ الراحل صبرى عبد العال التى أعادتنا إلى قصة ذلك الرجل البسيط الذى عرف طعم السعادة بقروش قليلة وملابس متواضعة, وما أكثر من يعيشون بيننا من أمثال هذا الرجل لكننا لا نشعر بهم أو نحس بوجودهم, فهؤلاء عفيفو النفس يرفضون سؤال الناس, ولذلك يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف, ويجب علينا أن نتلمس الخطى إليهم, وأن ننقب عنهم فى كل مكان، ونأخذ بأيديهم ونؤازرهم فى المحن التى يمرون بها.ومن حكمة الله تعالى ألا تتوقف السعادة على ما يملكه الإنسان من مال، وما يتمتع به من صحة, إذ لا يد للإنسان فى ذلك, وإنما تكون السعادة دائما داخلية ومردها شعور بالرضا والطمأنينة, بعد بذل الجهد والاستعانة بالله والتوكل عليه والرضا بقضائه.من هنا كان الرجل راضيا دائما بما قسمه الله له, ولذلك عاش هادئا مطمئنا, ومتوكلا على الله, فأرسل إليه سبحانه وتعالى من ينتشله من عالم البؤس والحرمان, وأنعم عليه ببعض نعمه على أيدى عباده الصالحين، وهذا هو الدرس الكبير الذى يجب أن يتعلمه الأثرياء والفقراء على حد سواء, فيسارع الأثرياء إلى الانفاق على المحتاجين ومساعدة البسطاء، ويرضى الفقراء بما قدره الله لهم، ويحتسبون عنده ما أصابهم من ابتلاءات، ولو فعلنا هذا لاكتملت دائرة الحياة, ورضى كل إنسان بنصيبه فيها ولأوكل أمره إلى خالقه، وهكذا يعيش فى الدنيا راضيا, ويلقى الله فى الآخرة وقد صفت نفسه وعلت مكانته، فتعالوا نبدأ عهدا جديدا مع الله بأن نكون ممن صفت نفوسهم, ورضوا بما قدره سبحانه وتعالى لهم لكى نفوز فى الدنيا والآخرة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    ^^HR
    2018/04/13 00:49
    0-
    0+

    واقع الحياة"أبناء الطلاق: معظم الظلم يأتى من جانب الآباء"
    أسئلة مبنية على واقع نعايشه: كم تبلغ نسب الرجال الذين يستمرون فى الانفاق على اولادهم بعد الطلاق كما كان ينفقون عليهم قبله؟!...وكم تبلغ نسبة الذين يقدمون النفقة ولوازم معيشتهم طواعية بعيدا عن المحاكم والتقاضى؟!...وكم تبلغ نسبة الذين يوفرون سكن لائق لاولادهم بعد الطلاق؟!....وغير ذلك الكثير،،،،أما إن جاء العنت والتعسف من جانب الامهات المطلقات فهذا لا يحدث الا بالاستقواء بالغير كأن تكون منتمية لأسرة ذات عزوة او حيثية او نفوذ او بلطجة الخ
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق