رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الإرادة والتحدى

أنا رجل فى الخامسة والأربعين من عمرى نشأت فى أسرة بسيطة سعى عائلها بكل جهده لتوفير متطلبات الحياة من عمله البسيط, وأم تفانت فى تربية أبنائها كربة أسرة, وشاء الله أن أكون الابن الأكبر ومحور اهتمام والدى فى وقت لم يكن لى فيه أخوة، ومنذ صغرى وأنا أعانى الصمم وضعفا فى النطق وسعى والداى بكل جهدهما لتعليمى وكنت خجولا منطويا دائما لا أجيد شيئا سوى مذاكرة دروسي، وهكذا سارت حياتى على وتيرة واحدة لأكثر من أربعين عاما.. عمل متواصل من الأب وكفاح مستمر من الأم لتدبير شئون المنزل واجتهاد منى فى تحصيل العلم وكنت أنعم بحب الأهل والزملاء والأساتذة, وهكذا جاءت الثانوية العامة، وكانت بداية تغير كامل فى حياتي، فلقد اجتهدت للحصول على أكبر مجموع يؤهلنى لإحدى كليات القمة، لكن الظروف حالت بينى وبين الإلتحاق بها، فدخلت كلية أخرى واضعا نصب عينيّ تحقيق هدفي, وحلت إجازة العام الثانى من الكلية وزادت آلامى من طنين شديد بالأذنين وصداع مستمر يستحيل معه التركيز فى أى شيء وهكذا استأنفت رحلتى مع المرض والأطباء، وأنفق والدى كل ما يملك فى سبيل التوصل إلى علاج ولكن كان لكل طبيب تشخيص مختلف عن الآخر, وقد أجمعوا على أننى لا أعانى مرضا عضويا ملموسا، وأنه ربما يكون ما أعانيه حالة نفسية، وبدأ العام الدراسى الثالث وبدأت أشعر بأن السمع يضيع تدريجيا فكنت مشتتا بين اجتهادى فى الدراسة والسعى لدى الأطباء والمستشفيات بمساعدة والدى والأقارب. وللأسف لم نتوصل إلى شىء، وبرغم عدم قدرتى على تدوين أى محاضرات أو دروس علمية، فإن الله هدانى وأنار بصيرتى وساعدنى زملائى المقربون لى فى كتابة المحاضرات والدروس العملية، وحصلت فى ذلك العام على أعلى التقديرات فى جميع التخصصات، وواصلنا رحلة العلاج التى لم تنقطع، ولم نترك إخصائيا معروفا أو غير معروف فى تخصص مرضى إلا واستشرناه وفى النهاية كانت الكلمة الأخيرة بعد مرور عام من المرض لقسم السمعيات بالجامعة، فبعد فحص للمخ بالكمبيوتر تبين وجود ورم فى مراكز السمع، وأكد الأطباء أن استئصاله ستكون له آثار خطيرة، وربما لا تنجح هذه الجراحة فى مصر، وأشار علينا بضرورة السفر إلى الخارج للتخفيف من آثارها السلبية المتوقعة ولكن من أين لى ولأسرتى حتى بالعلاج داخل مصر؟.. ولم يطل الوقت إذ شاءت إرادة الله أن أجد من يساعدنى على التوصل إلى الجهات المسئولة عن السفر على نفقة الدولة وسافرت إلى لندن، وأجريت لى عدة جراحات وكنت قد وصلت إلى مرحلة فقدان السمع تماما وتأثر الاتزان فى أثناء السير والنطق, وحينما أخبرنى جراح الأعصاب القائم بالجراحة بلندن وإن علىّ الاتجاه إلى أى عمل بسيط بعيد عن الدراسة العملية، رددت عليه بثقة وإلهام من الله بأنه سبحانه وتعالى هو الذى سيقرر مصيرى وسأكون راضيا بقضائه. وفكرت كثيرا كيف أتغلب على هذا الوضع وعاهدت الله على أن أكمل طريقى دون تغيير، وبعد الجراحة بشهر ضعف اتزانى وأصبت بشلل فى الوجه وضعف فى الذراعين وأصابع اليدين وعدم القدرة على الإمساك بالقلم، ووجدت أن كل ذلك يتحسن بالعلاج الطبيعى، وكم كان والدى وأهلى وأصدقائى عظماء فى الصبر معى خصوصا أمى التى لا استطيع أن أوفيها حقها ما حييت، فلقد كانت تصحبنى يوميا لإجراء العلاج الطبيعى على مدى أكثر من عام صابرة، ولا أرى سوى ابتسامتها التى خففت عنى الكثير من المتاعب، أما والدى فبرغم معاناته مرضا متوطنا كان يشكو منه يوميا فإنه تحامل على نفسه, وحاول مساعدتى, وبعد شهور قليلة عدت إلى الدراسة وأقبلت بكل جهدى على تحصيل محاضراتى واتخذت من زملائى المقربين لى وسيلة للتغلب على فقدان السمع فى أثناء المحاضرات والدروس العملية، ومازلت أتبع هذه الطريقة حتى اليوم لكى اتواصل مع المجتمع المحيط بي، وحصلت فى ذلك العام على أعلى التقديرات، ولا أخفيك سرا أننى كنت أتمزق حزنا عدة مرات فى اليوم الواحد بسبب نظرات العامة من الناس، وكل من يقابلنى لأننى أتحرك بصورة مزعجة، وبشكل غير طبيعي، ولكن الله لم يجعل لليأس سبيلا إلى نفسي.

وبعد تخرجى ساعدنى أهل الفضل فى العمل بأحد المعاهد البحثية المتخصصة فى دراستى حيث شغلت وظيفة أمين المكتبة بالمعهد، وتعودت على التعامل مع الآخرين, وبتوفيق من الله استطعت خلال شهور قليلة أن أكون صديقا للجميع لإصرارى على معرفة كل شيء مفيد فى مهنتى، وساعدت الكثيرين فى التوصل لما يريدونه من مواد علمية سواء بمكتبة المعهد أو خارجها، وشجعنى من حولى على الاستمرار فى الدراسة، ووجدت تشجيعا كبيرا من أساتذتى بالكلية والمعهد، وأصبح العمل والدراسة هما سبيلى للتغلب على إعاقتى، وعملت طول اليوم من السادسة صباحا إلى الثامنة مساء، ونلت احترام وتقدير زملائى وأساتذتى، وأصدقك القول بأننى كنت أحزن حينما أجلس وسط زملائى ولا أتمكن من مبادلتهم الحديث, وشيئا فشيئا بدأوا يستخدمون الكتابة معى واستغللت هذه الفرصة فى الدراسة المكثفة حتى حصلت على الماجستير ثم الدكتوراه.

أما حياتى الاجتماعية فقد هدانى الله إلى الارتباط بإنسانة ساعدتنى على الاستمرار فى طريقي، والتحقت بعمل اضافى، وفيه اختلطت بشريحة أخرى من الناس اكتسبت من خلالها قدرات جديدة فى التعامل والتحدث، وزاد عطاء الله لى فوهبنى ابنا يشبهنى تماما وهنا عرفت الابتسامة طريقها إليّ بعد أكثر من عشر سنوات لم ابتسم فيها مرة واحدة بحكم إعاقتى وعدم قدرتى على تحريك عضلات وجهى ثم وهبنى الله ابنا ثانيا ثم ابنة ثالثة. واستمررت فى عملى حتى أصبحت أستاذا باحثا فى تخصصى ثم رئيسا للقسم الذى نشأت بين جدرانه وعاصر كفاحى وصمودى أمام المرض ويا لها من سعادة وسرور بانتصار إرادة الله, وقد أردت أن أقول للجميع وبصفة خاصة الشباب أنه لا شىء مستحيل، فبالإرادة والعزيمة والتوكل على الله تتحقق الأهداف.

< ولكاتب هذه الرسالة أقول:

لقد ضربت المثل فى الإصرار والعزيمة, وحققت أمانيك برغم الصعاب التى واجهتك، والظروف المرضية التى ألمت بك, ودفعتك ثقتك بالله وتوكلك عليه إلى نسيان ما تعيشه من محنة الألم, ولم تلتفت إلى نظرات الشفقة من الآخرين, بل إنك كلما أحسست بتلك النظرات ازددت صمودا فى مواجهة العواصف وثباتا على موقفك, وهكذا أضفت الكثير من الدروس والعبر للأصحاء ممن يستسلمون للإحباط وينعون حظهم فى الدنيا مع أول عقبة تعترض طريقهم, وسوف تظل اسهاماتك العلمية من أبحاث وعلوم جديدة وتلاميذ منتشرين فى كل مكان شاهدا على عطائك الكبير.

ويكفيك يا سيدى الإحساس الجميل داخلك بانتصار إرادتك، وبأنك قطعت ربع قرن من الزمان فى بحر العلوم والمعارف, وما كنت لتحقق كل هذا الإنجاز بغير إيمان بالله, وبأنه وحده هو الذى يملك مقاليد الأمور، ولقد ذكرتنى رسالتك القيمة بما جاء عن أبى الدرداء رضى الله عنه حيث قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقا يبتغى فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة, وإن الملائكة لتضع أجنحتها إرضاء لطالب العلم, وأن العالم ليستغفر له من فى السموات, ومن فى الأرض حتى الحيتان فى الماء, وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب, وأن العلماء ورثة الانبياء, وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما, وإنما ورثوا العلم فمن أخذه اخذ بحظ وافر»، وإذا كان الأمر كذلك للعلماء الأصحاء, فما بالنا بمن تحدى الصعاب, وتحمل ما تنوء بحمله الجبال ووصل إلى غايته وحقق مراده.. بالطبع فإن له منزلة خاصة عند من لا يغفل ولا ينام, ولن يضيع حقه فى الدنيا, فلتكن قصة نجاحك درسا بليغا للشباب والكبار على حد سواء، وأسأل الله أن يكتب لك التوفيق والسداد، وأوجه الشكر لزوجتك الرائعة، ولكما منى التحية والسلام.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    ^^HR
    2018/03/02 09:30
    0-
    11+

    جائزة السماء كما كان يطلق عليها العظيم الراحل أ.مطاوع
    "إنما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب" وها أنت ايها الابن قد نلت جزاء الصبر والاصرار وقوة الارادة فهنيئا لك ولأسرتك العظيمة"ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين" صدق الله العظيم
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق