رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الإعلام الغربى بين «طفلة الأصفاد» و «طفلة نوبل»

دينا عمارة
عهد التميمى - ملالا يوسف

طالما صنف الإعلام الغربى نفسه بـ «الحيادى» فى تعامله مع مختلف القضايا, ولكن فى الفترة الأخيرة يبدو أنه قد تجرد فجأة من مفاهيم الموضوعية والمهنية، ليحل محلها «الانحياز» لخدمة المصالح الدولية المتبادلة, وليس أدل على ذلك من طريقة تناول «الميديا» الغربية لقضيتين متشابهتين كانتا محور اهتمام العالم خلال الفترة الماضية، إلا أن .التناول والمعالجة كانتا تخضعان لحسابات سياسية معقدة

القضية الأولى كانت بطلتها الفتاة الباكستانية «ملالا يوسف» التى تعرضت عام 2012 فى أثناء ذهابها إلى المدرسة لهجوم إرهابى على أيدى طالبان كاد يودى بحياتها, والثانية بطلتها الفلسطينية «عهد التميمى» التى تحتجز الأن فى السجون الإسرائيلية تمهيدا لمحاكمتها بتهمة صفع جندى إسرائيلي.

فرغم إختلاف الجنسيات والبيئة التى نشأت فيها الفتاتان، فإنهما تتشابهان فى أشياء كثيرة, طفلتان عاشتا تقريبا نفس ظروف القهر والظلم والإرهاب, تم إغتيال براءتهما وأصبحتا فجأة تحملان على عاتقيهما الدفاع عن قضية بلاديهما, غير أن هذا التشابة الذى بنى عليه رد فعل الفتاتين، يقابله إختلاف فى تناول الإعلام الغربى لقضياتهما، وهذا ما كشف عنه المقال الذى نشرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية للكاتبة هبة خان بعنوان «صفعة التميمي.. ردة فعل طفلة مضطهدة» تحدثت فيه عن عهد ذات الـ 17 عاما التى وجدت نفسها فجأة فى مواجهة جنود إسرائيليين بعد ساعة واحدة من إصابة أحد أقاربها بطلق نارى فى الجمجمة وإقتحام الجنود لمنزلها, فما كان من الطفلة الغاضبة إلا التصدى لهم مسجلة صفعتها الشهيرة على وجه الجندى الإسرائيلي, تلك الصفعة التى كشفت عن انقسام كبير فى الآراء وبدا الإعلام الغربى حائرا فى تصنيف الفتاة الجريئة, فهناك من إعتبرها «أيقونة» جديدة لنضال الفلسطينيين، وهناك من رآها فتاة «مستفزة» تدعو إلى العنف, مستشهدين بفيديو تحرض فيه الفلسطينيين على رمى الجنود بالحجارة والقيام بعمليات إنتحارية, بل راح البعض لأكثر من ذلك واصفا صفعتها بكونها لا تتعدى «شو» إعلاميا أكثر منها تحدى لبنادق الإحتلال, معللين ذلك بأن مظهرها الذى يشبه مظهر الـ «موديل» ببياض بشرتها وشعرها الأشقر لا يتسق وصور المناضلات، كأنما ثمة صورة مستقرة وناجزة للمناضلات!

غير أن الكاتبة حاولت أن تظهر الجانب الآخر للقصة الذى لم يرد أحد أن يراه, فـ «صفعة عهد» ما هى إلا ردة فعل طفلة فقيرة مضطهدة ترعرت فى بلد حيث العنف والاحتلال هما القاعدة، ودعت الكاتبة إلى تخيل المشهد من وجهة نظر طفلة تعيش فى خوف مستمر من احتلال يقتحم منزلها ويقتل أقاربها, احتلال يمنع عنها حق الحصول على متطلبات الحياة كالغذاء والماء والرعاية الصحية اللازمة, ألا يكون الألم والإحباط والغضب هو الوضع السائد؟. وتتابع الكاتبة قائلة إن تعاطفنا وإنسانيتنا مع الأطفال الذين يكبرون مع الجروح النفسية بسبب العيش فى منطقة صراع على ما يبدو لا يمتد حتى الآن لإستيعاب فتيات مثل عهد, فالوحشية التى يواجهها الفلسطينيون معقدة جدا سياسيا وفوضوية لجعل هذه الفتاة القوية إنسانا يتمتع بكامل الحقوق الإنسانية, ولكن الأهم من ذلك هو أنه عندما ننظر إلى صور هذه الفتاة فى الأصفاد، فنحن نراها طفلة صغيرة, لا تقولوا لى إن المحكمة هى التى تختص بمحاكمتها، ولا تقولوا لى إن الإدانة الدولية بدلا من التفاهم والرحمة هى ما تستحقه, هكذا علقت الكاتبة.

ورغم أن صور «التميمي» غطت بعض محطات الحافلات فى العاصمة البريطانية لندن مزينة بشعارات تطالب بالإفراج عنها، فإن الكاتبة ترى أن هذه المناضلة الصغيرة لم تلق الاهتمام العالمى المنشود من المجتمع الدولى وهيئات الدفاع عن الأسرى والمعتقلين، ولم تحظ، ولو بالقليل مما حظيت به الفتاة الباكستانية «ملالا يوسف» التى واجهت مصيرا مشابها، لكن التعاطف العالمى العاصف معها جعل من قضيتها عنوانا للحرية والمقاومة.

فبعد إعتداء طالبان عليها نقلت «ملالا» إلى بريطانيا لتلقى العلاج فى مستشفى الملكة إليزابيث حيث أكملت دراستها هناك, وتبنت منظمات حقوقية كثيرة قضيتها وانتشر هاشتاج «أنا ملالا» لمساندتها, كما نشر للفتاة الباكستانية كتابا بعنوان «أنا ملالا: ناضلت دفاعا عن حق التعليم», وفى أكتوبر عام 2014 تم منحها جائزة نوبل للسلام لكفاحها من أجل حصول الفتيات على حقهن بالتعليم, واعتبرت وقتها أصغر حاصلة على جائزة نوبل فى العالم حيث كانت تبلغ من العمر 17 عاما, وهو نفس عمر «عهد التميمي» تقريبا الأن. وفى إبريل عام 2015 صدر الفيلم الوثائقى «سمانى ملالا» الذى تم تصويره فى الولايات المتحدة والإمارات.

ملالا أيضا قابلت رؤساء دول ووزراء وسفراء من بينهم الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما وعائلته والملكة إليزابيث الثانية, وفى ذكرى ميلادها تحدثت فى الأمم المتحدة للدعوة لدعم التعليم فى جميع أنحاء العالم لتطلق الأمم المتحدة على هذا اليوم إسم «يوم ملالا».

وبينما تستعد «طفلة نوبل» للجلوس على مقعدها بجامعة أوكسفورد البريطانية لدراسة الفلسفة والسياسة والاقتصاد, تظل. «طفلة الأصفاد» محتجزة فى إنتظار مصيرها المجهول.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق