رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التوازن الاقتصادى ومعضلة التنمية بالخليج

مجدى صبحي

على الرغم من أن دول النفط الخليجية العربية تتبع خطا ليبراليا فى إدارة اقتصاداتها حيث الحرية مكفولة للقطاع الخاص ولعمل آليات السوق، إلا أن طبيعة الهيكل الاقتصادى بسيطرة قطاع النفط والغاز منحت للحكومة دورا مؤثرا، بل ومسيطرا. ويشير البعض إلى أنه حتى التوسع الذى شهده القطاع الخاص اعتمد تاريخيا وبشكل أساسى على إنفاق الحكومة سواء فى شكل دعم مباشر أو بالاستفادة من العمليات التى تقوم الحكومة بتمويلها عبر الموازنة العامة خاصة فى بعض القطاعات مثل التشييد والبناء. وقد تزايد وزن ودور الحكومة مع تدخلها عبر الموازنة العامة لإعادة توزيع عائدات الثروة الوطنية بزيادة الإنفاق على مجالات تكوين رأس المال البشرى (الصحة-التعليم) والدعم المباشر للعديد من الخدمات والسلع المنتجة محليا، فيما عرف باسم «دولة الرفاهة النفطية».

والواقع أنه لم تكن هناك مشكلة كبيرة فى تمويل الموازنة طالما كانت أسعار النفط فى السوق العالمى مرتفعة نسبيا. لكن الهبوط الكبير فى أسعار النفط، وبالتالى إيرادات الموازنة، كما حدث مؤخرا بدءا من عام 2014، تطلب خفضا فى الإنفاق والبحث عن مصادر لتمويل العجز وخاصة عبر محاولة زيادة وتنويع إيرادات الموازنة من القطاعات الأخرى غير النفطية. ويقدر أن سعر برميل النفط الذى يحقق التوازن فى الموازنة العامة للدولة يبلغ نحو 127 دولارا فى حالة البحرين، و106 دولارا فى السعودية، و103 دولارات فى عمان، و73 دولارا فى الإمارات، و67 دولارا فى الكويت، وأخيرا 55.5 دولار فى قطر. ومع الوضع فى الاعتبار انهيار الأسعار من أكثر من 110 دولارات للبرميل من نوع برنت فى يونيو 2014 ليبلغ متوسط السعر خلال عام 2016 أقل من 44 دولارا للبرميل، كان أن واجهت كافة دول الخليج النفطية عجزا فى موازناتها العامة بدءا من عام 2015.

وكان من الطبيعى إذن عودة دول الخليج بدءا من عام 2015 إلى نفس الخطوات التى اتبعتها فى منتصف وأواخر التسعينيات من خطط للتقشف لضغط الإنفاق، ومحاولة زيادة الإيرادات عن طريق زيادة أسعار الخدمات العامة (الكهرباء والاتصالات والمياه) والمشتقات النفطية المدعومة.

ولاشك أن تلك السياسة المالية الجديدة سيكون لها انعكاساتها الاقتصادية البعيدة الأثر، فالعديد من الشركات المعتمدة على الحكومة فى نشاطاتها ستزيد من لجوئها إلى ترشيد نفقاتها من أجل إدارة اقتصادية أكثر كفاءة. وقد طرحت بعض البلدان فرض ضرائب جديدة أو رسوم على العمالة الوافدة، أو فرض ضرائب على بعض السلع والخدمات. وينتظر أن تطبق بعض بلدان الخليج بدءا من العام الحالى ضريبة القيمة المضافة للمساعدة على توفير إيرادات جديدة للموازنة بدون الاعتماد على القطاع النفطي. إلى جانب ذلك طرحت بعض البلدان كالمملكة السعودية خططا طموحة لتنويع الهيكل الاقتصادى بعيدا عن الاعتماد على القطاع النفطي. إضافة إلى خطط للخصخصة تتضمن طرح أسهم فى شركة مثل أرامكو السعودية، حيث ستطرح 5% من أسهمها فيما يعد أكبر طرح عالمى ينتظر أن تكون حصيلته قريبة من 100 مليار دولار. ويتكرر نفس الأمر فى الإمارات بطرح حصة من أسهم شركة بترول أبو ظبى الوطنية «أدنوك».

وقد تميز عام 2017 من بدايته بتطبيق خطة لخفض إنتاج النفط عالميا بالاتفاق بين المنتجين فى منظمة الأوبك وبعض المنتجين العالميين الكبار وعلى رأسهم روسيا. وقد نجم عن تطبيق الخطة ارتفاع ملحوظ فى سعر النفط الخام خاصة خلال الثلث الأخير من العام الماضي. ومن المنتظر أيضا استمرار ارتفاع الأسعار خلال العام الجديد بدفع من تطورين: الأول يتمثل فى ارتفاع معدلات النمو الاقتصادى العالمى لتبلغ 3.7% وهو أعلى معدل نمو منذ عام 2010 مما يؤدى إلى زيادة الطلب على النفط. أما التطور الثانى فهو الانخفاض المستمر فى المخزون من النفط ومنتجاته لدى الدول المستهلكة الرئيسية فى ظل تقييد الإنتاج من قبل الدول المصدرة.

ورغم أنه فى التجارب السابقة سرعان ما تراجعت البلدان النفطية عن خططها لضغط النفقات والاتجاه لزيادة الإيرادات غير النفطية فى الموازنة العامة مع تحسن العائدات النفطية مرة أخرى، إلا أن ردود الفعل هذه المرة مختلفة نسبيا على الرغم من زيادة أسعار النفط مؤخرا. فقد قدمت المملكة السعودية موازنتها السنوية للعام 2018 وهى أضخم موازنة فى تاريخ المملكة. وقد تم التراجع عن الخطة الداعية لتحقيق توازن الميزانية فى عام 2020 بمد التاريخ إلى عام 2023، وذلك من أجل العمل على دفع معدلات النمو الاقتصادى بعد انخفاضها خلال العامين الأخيرين، ومع ارتفاع معدلات البطالة بين شباب المملكة. إلا أنه تم مع هذا المضى قدما فى خطط زيادة الإيرادات غير النفطية، حيث تقدر الموازنة زيادة نسبة هذه الإيرادات إلى 50% من الإجمالى بعد أن كانت لا تزيد تاريخيا عن 10%. كما تم التمسك بخطط ضغط الإنفاق خاصة عبر رفع أسعار بعض المنتجات المدعومة كمواد الطاقة، حيث ارتفعت أسعار البنزين مع بداية العام بنسبة تزيد على 80%. ويلاحظ نفس الأمر فى الإمارات التى مضت فى خطة فرض ضرائب على بعض السلع فى سبيل تعزيز الإيرادات غير النفطية للموازنة العامة.

الأرجح إذن مع توقع استمرار ارتفاع أسعار النفط فى عام 2018، ومع خطط وضع سياسة مالية أكثر توازنا أن تحقق دول الخليج توازنات اقتصادية أفضل فى العام الجديد، ويبقى انتظار كيف سينعكس ذلك على الأداء الاقتصادي.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق