رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثقافة «الشواشى»

محمد جبريل

سأحدثك عن ثقافة العناوين، أو السندوتش، أو «التيك أواى». سمها ما شئت، لكنها تحولت فى حياتنا إلى ما يشبه الظاهرة .

لنجيب محفوظ فلسفة الحياة التى تتضح فى مجموع أعماله، منذ قصصه القصيرة الأولى إلى «صدى النسيان» أحدث مجموعاته القصصية. الدين والعلم ثنائية مهمة فى فلسفة محفوظ الحياتية، بعدهما الثالث: العدالة الاجتماعية. وهو ما يتبدى فى معظم - إن لم يكن كل - أعمال كاتبنا الكبير.

...........................

التوقف - على سبيل المثال - عند شخصية الجبلاوى فى رواية محفوظ « أولاد حارتنا « - وهى الشخصية التى جر تناولها النقدى الخاطئ أعاصير وزوابع، كنا فى غنى عنها لو أن الرواية قرئت باعتبارها عملاً فنياً وليست كتاباً فى التاريخ الدينى، فضلاً عن المشكلة التى تعانيها أعمالنا الإبداعية والفكرية عموماًـ هذا التوقف، يدلنا - بالضرورة - على أن البعض يكتفى بقراءة العناوين، أو بما يكتب أو يقال عنها.

الحكاية القديمة تتحدث عن الشاب المعمم الذى زار بيت قاسم أمين، وطلب أن يلتقى زوجة صاحب كتابى تحرير المرأة والمرأة الجديدة. وسأله قاسم أمين : هل تعرف زوجتي؟ قال الشاب: لا !. قال قاسم أمين: فلماذا تطلب الجلوس إليها؟!. قال الشاب: أنت ذكرت هذا فى كتابيك. قال قاسم أمين: هل قرأت الكتابين؟.. قال الشاب فى استنكار: أنا لا أقرأ كتباً فاسدة!..

مشكلة أعمال نجيب محفوظ أن الكثيرين شاهدوا أفلاماً ومسرحيات منقولة عنها، أو قرأوا واستمعوا إلى ما يسىء لإبداع محفوظ وفكره وفلسفته الحياتية. وقد أشار الناقد الدكتور محمد حسن عبد الله إلى أنه فوجئ عندما سأل طلبته فى الدراسات العليا عن قراءتهم لأعمال محفوظ، فأكد غالبيتهم - ببساطة - أنهم شاهدوا الأعمال الفنية المأخوذة عنها!.

والحق أن محاولة البعض تفسير شخصية الجبلاوى بأنها الذات الإلهية ينطوى على كفر معلن من أصحاب المحاولة أنفسهم، لأن الذات الإلهية لا تجسد - الجبلاوى فى « أولاد حارتنا « هو الإيمان الدينى، اليقين الدينى. لو أننا نظرنا إلى شخصية الجبلاوى فى هذا الضوء، فلن تكون هناك مشكلة، ولن تثار اتهامات ودفوع، إلى آخر ما أحدثته فى حياتنا - للأسف - تلك الاجتهادات الغريبة. ذلك ما أكده الدكتور محمد حسن عبد الله فى قوله: إن موت الجبلاوى وإحياءه فى الرواية، رمز لترك الكفر، والعودة إلى الإيمان، لأن عرفة نفسه وجد أن مبادئ العلم مجردة عن مبادئ الدين، جعلته وسيلة شريرة فى يد ناظر الوقف الذى يمثل السلطة. نحن لو قرأنا رواية نجيب محفوظ « رحلة ابن فطومة »، وأحسنا التأمل والمناقشة والفهم، بدلاً من الاقتصار على «الشواشى»، فسيطالعنا تأكيد موقف نجيب محفوظ، ليس من الدين فى عمومه ، وإنما فى الإسلام تحديداً. إنه يعيب على المسلمين أن بلادهم تعتنق ديناً عظيماً، لكنه لا يخضع للتطبيق . إنها بلاد إسلامية بلا مسلمين. رحلة ابن فطومة تحتاج إلى تناول مستفيض، للتوصل إلى جوهر النظرة الدينية - الإسلامية تحديداً - عند نجيب محفوظ .

...........

ثمة مقولة تؤكد أن « الثقافة هى ذاكرة الشعب». من الخطأ – على سبيل المثال - تصور أن التردد على الدجالين والمشعوذين وقف على الطبقات الدنيا وحدها. ما أعرفه أن المثقفين يشكلون شرائح مهمة فى التعامل مع الخرافة. تعرفت إلى عشرات الحالات. ولعلى حدثتك عن حالتين، أولاهما لصديقى الطبيب الشهير الذى كان يؤجل موعد فتح عيادته بمصر الجديدة يوماً كل أسبوع، ليتردد على شيخ فى إحدى قرى الدقهلية، يؤمن بمكاشفاته، ويسأله عن صورة المستقبل. أما الحالة الثانية فصاحبها عالم، له عشرات الكتب التى تنتصر للعلم، وتدين الخرافة والتخلف. فاجأنى - ذات مساء - بدعوتى إلى جلسة تحضير أرواح، وحين ذكرته بعلمه، قال فى بساطة: تحضير الأرواح يختلف عن العلم الذى أدعو له!

فى المقابل، فإن غياب الثقافة ادعاء إذا تصورناه معاناة هؤلاء الذين لم يتعلموا. انهم يضيفون إلى حصيلتهم المعرفية، ووعيهم بما يحصلونه بالقراءة والسماع والمشاهدة والحوار واكتساب الخبرات ما أمكن، وانعكاس ذلك على الفعل، بحيث يصبح فعلاً ثقافياً، هو بالضرورة تعبير عن شخصية مثقفة، بصرف النظر عن مستواها التعليمى، أو حصيلتها المعرفية. بل إن السلوك الثقافى هو المعرفة حين نتمثلها فى حياتنا الخاصة، وفى صلاتنا بمن حولنا، وفى علاقاتنا بالمجتمع عموماً. ظنى أن قول ماثيو آرنولد بأن الثقافة معبر إلى الجمال والإشراق، وإنها الخلاص من الحياة المادية التى استغرقت الطبقة الوسطى، وحرمتها من الحياة الروحية. فهى إذن قيمة عالية جداً تمتلكها صفوة المجتمع.. هذا القول يحتاج إلى مراجعة شديدة. من الصعب تصور أن الثقافة تقتصر على طبقة ما، سواء من حيث التفكير الثقافى، أو الفعل الثقافى. للقائد الثقافى دوره فى صياغة ملامح المجتمع، أو إعادة صياغته، لكن من الخطأ أن ينتسب القائد الثقافى إلى صفوة مختارة.

لبايزيد البسطامى مقولة، تجد فى ظل الفكر السطحى ما يبدو نفاقاً عند المستنيرين، قد يكون – فى الحقيقة – مما نستشعر أنه إخلاص عند المستجدين ( أى قليلى المعرفة).

يروى حسين البصرى أنه سأل طفلاً يمشى، وفى يده شمعة: من أين يأتى هذا الضوء؟. أطفأ الطفل الشمعة، وقال للبصرى: أخبرنى أين ذهب الضوء، حتى أخبرك من أين جاء.

ثقافة الشواشى، المعرفة السطحية، هى التى تقتصر على إلقاء السؤال: من أين يأتى الضوء، ولا يشغلها السؤال: أين يذهب الضوء؟

أذكر أن الصنايعى فى دكان الترزى، أسفل بيتنا [ أشرت إليه فى كتابى «حكايات من جزيرة فاروس »] فتح لى نوافذ جديدة كانت مغلقة تماماً، أتاح لى أن أشاهد منها ما لم أكن أتصور أنى أشاهده، أقرأ المعرفة الإنسانية فى أهم تجلياتها، تركت له أمر توجيهى للقراءة، أقرأ ما يستحق القراءة، وأرفض ما يراه سخيفاً، أو ساذجاً. أتاح لى صديقى أن أقرأ سلامة موسى، قرأت له نظرية التطور وأصل الإنسان، ما النهضة، اليوم والغد، تاريخ الفنون وأشهر الصور، الأدب الإنجليزى الحديث، برنارد شو، الأدب للشعب، عقلى وعقلك، من الحب والحياة، أحلام الفلاسفة ، حرية الفكر وأبطالها ، مشاعل الطريق للشباب ، تربية سلامة موسى ، مختارات سلامة موسى ، دراسات سيكولوجية ، وغيرها .

شدنى تأكيده قيمة العقل والاستنارة ، ومناداته بالعلم فى حياتنا ، وإنشاؤه أول حزب اشتراكى عربى ، ودفاعه عن حرية المرأة , ودفاعه عن التمدين الأوروبى، وأن « حضاراتنا هى حضارة أوروبا، والقول بالسير فيها إلى غايتها، ليس سوى القول بالتطور، والانتقال من حال الدنيا التى نحن فيها، إلى حال عليا»، ودعوته إلى « إحالة مصر من قطر شرقى ضعيف، يعيش على التقاليد، وأساليب الزراعة، إلى قطر أوروبى يعيش على العلم والصناعة واستقلال الشخصية»، وإن تحفظت على ملاحظاته القاسية ضد التراث العربى. أتاح لى صديقى كذلك أن أقرأ تشيخوف وسبينوزا وديكارت وسارتر ودى بوفوار وديهاميل وكامى الذى اعتبرته - منذ قرأت له ترجمة « الطاعون « - ملمحاً مهماً فى تكوينى المعرفى والفنى.

كان حوارنا يبدأ ولا ينتهى، وهو يتنقل بين « البنك « فى جانب ضلفة الباب المغلقة، يقيس، ويقص، ويجلس وراء ماكينة الخياطة، بالإضافة إلى جلوسه على مقعد قد يكون موضع الضلفة المفتوحة، يعيد النظر إلى البروفة، أو إلى البدلة الكاملة بعد صنعها.

كانت البدل للمتعلمين بعامة، وهو ما أتاح له التعرف إلى خبرات، والدخول فى مناقشات، واكتساب وعى ربما لم يكن يتحقق له بغير تردد زبائن محددين على الدكان [ بالمناسبة، فثمة تصور أن بحرى يقتصر على العاملين فى البحر ما بين صيادين وبحارة وباعة سمك، وهو تصور غير صحيح، لأن الحى موطن الآلاف من التجار والموظفين والمهنيين الذين تتكامل بهم صورة الحى ].

لاحظت أن قراءات صديقى واهتماماته الثقافية والسياسية لم تصرفه عن أداء عمله بالصورة المطلوبة. لم يراجعه الأسطى أمامى - يوماً - ولا عاتبه، وكان دائم الثناء عليه، بل إنه كان يشاركنى الإنصات إلى قراءات صديقى وآرائه، وهو يتنقل بين وقفته وراء الطاولة الخشبية، يقيس بالمازورة، ويجرى بالطباشيرة فى مواضع المقاسات، ويجلس أمام ماكينة الخياطة.

أذكر قول ماركيث: إن كافكا هو الذى علمنى أنه من المكن أن أكتب بطريقة أخرى. أخطر ما تفرزه ثقافة العناوين والساندوتش والتيكاواى، أنصاف - أو أرباع - مثقفين، يتصورون أنهم قد حصّلوا من المخزون المعرفى ما يؤهلهم لتولى أخطر المسئوليات فى الساحة الثقافية، مع أنهم مجرد طيور تلتقط الأسماك من سطح البحر دون أن تدرى ماذا تخفى أعماقه!، ربما يتعمدون نطق كلمات فخمة، وضخمة، لو أنك تفحصتها، فستجد أنها لا تحقق هارمونية السرد، تنبو عن السياق، يصبح التلغيز هدفاً قى ذاته.

ثمة من يجلسون إلى المثقفين، يستمعون إلى آرائهم فيما قرأوا، ويلتقطون عناوين كتب، وأسماء أعلام، وملخصات أفلام ومسرحيات ونظريات فلسفية.. ثم ينقلون ذلك كله ــ أو بعضه ــ إلى مجالس أخرى. يتحدث أحدهم عن ديستويفسكى بما ينقل إلى محدثيه شعوراً أنه قد قرأ كل أعماله، ويتحدث آخر عن المذاهب الفلسفية والفنية بلهجة الدارس الذى أجهد نفسه فى المتابعة والمناقشة والتحليل، وتتناثر فى كلمات آخرين أسماء أعلام وكتب واتجاهات، بما يعكس ثقافة واسعة. إنهم يقرأون السطح، الشواشى، دون أن ينفذوا إلى الأعماق. نستطيع أن نتبين حصيلتهم المعرفية، ماذا قرأوا، ماذا شاهدوا واستمعوا، بمجرد أن نطرح النقاش. نلقى السؤال - بحسن نية، أو بذكاء، أو بتخابث - فتروعنا الإجابة التى تعبر عن جهل مركب - على حد تعبير أستاذنا الحكيم - ولعل من وجهنا له السؤال يجد فى الصمت، أو الإجابة المانعة، خلاصاً مما يعانيه. إنه يحفظ العناوين والأسماء جيداً، دون أن يستند فى ذلك إلى القراءة، أو محاولة الفهم، لكنه يدعى المعرفة، هو يعرف كل شيء، وإن كان ما يعرفه مجرد رءوس للموضوعات.

ظنى أنه قد ساعد هذه الظاهرة أسلوب الملخصات الذى تصدر من خلاله بعض دور النشر أعمالاً عالمية مهمة. ولعلى أشير إلى سلاسل تقدم عشرة كتب عالمية فى كتيب محدود الصفحات، أو تختصر التراث الإنسانى بكامله فى بضعة مجلدات .. والهدف المرجو - أو المعلن - أن تكون مؤشراً للأعمال الأصلية.. لكن القارئ يكتفى بما قرأ، ويعتبره غاية المراد من رب العباد، ويتحدث عما قرأ من ملخصات وكأنه قرأ الأعمال الكاملة !

وقد أخذت الظاهرة بعداً آخر، غريباً، فى اعتبار البعض ما شاهده من أفلام أو مسرحيات مأخوذة من أعمال أدبية، نقلاً جيداً عن تلك الأعمال يغنى عن قراءتها، ويسمح بالتحدث فيها، توهماً أنهم قد عرفوا عنها بما يكفي!.. وكم أذهلنى تناول كاتب كبير لرواية أستاذنا نجيب محفوظ « خان الخليلى «. ناقش الرجل فنية الرواية، وحلل الأحداث والشخصيات، ثم أنهى ما كتبه بالإشارة إلى أنه لم يقرأ الرواية، وإنما اكتفى بمشاهدة المسرحية المأخوذة منها!.

تبلغ الظاهرة حد المأساة عندما يلجأ ناقد إلى تلخيص للعمل الأدبى كتبه ناقد آخر، فيبنى عليه مناقشته للعمل.. وهو ما نطالعه -ـ للأسف -ـ فى العديد من الكتب النقدية المعاصرة. يفلح ناقد فى إخفاء سطوه على جهد الآخرين، بينما لا يجد ناقد آخر ما يدعو إلى إخفاء ما فعل. ولعل المثل الذى يحضرنى، ذلك الكتاب الضخم عن توفيق الحكيم، ناقش مؤلفه - فيما ناقش - رواية « زينب « لمحمد حسين هيكل، ثم ذكر فى الهامش أنه قد اعتمد فى كل ما كتب على كتاب على الراعى « دراسات فى الرواية المصرية»، أى أنه - ببساطة - لم يقرأ الرواية التى قتلها نقداً!.. ( يتبع )

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق