رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

روح المكان فى أعمال الراحل «محمد اسماعيل الأقطش»

مؤمن سمير

رغم رحيله فى 2017، يظل الكاتب الشاب «محمد إسماعيل الأقطش»، اسما متميزا وسط الأدباء المصريين، وهنا سأتوقف أمام المكان فى أعماله، بكل دلالاته الرمزية، واختزاله الحياة بتجلياتها الممكنة والمتخيلة، كما تبدى من مجموعته الأولى «نورس وحيد بجناحَيْن من ورق» (2005)، التى يظهر فيها البحر كمكان يتأرجح بين ثبات يعج بالحركة، وحركة حبُلى بحلم الهدوء، ويتماهى مع حيوات شخصياته التى تتقلب بها الدنيا، وتتأسطر بتفاصيلها الصغيرة. وتُمِثِّل المدينة المكان المخاتل، الثابت كتفاصيل جغرافية ولو إلى حين، والمتقلب كزمن وأيام ووشم على الأرواح، إنها الفضاءالذى يقترب ويبتعد ويعلو ويهبط تبعا لتطلعات البشر الذين تتوزع لحظاتهم بين حواريها وشوارعها، والصور واللحظات الحميمة، أو القاسية التى تجرح الروح. وفى كتابه الثانى «بورسعيد..بيروت.. أبجدية البحر والحرب، (2011) يتبدى المكان بأبعادٍ أكثر اتساعا وتحليقا، رغم تلمسه الروح الإنسانية وتفاصيلها الصغيرة، وذكرياتها وحنينها الممض، ونجح الأقطش فى خلق مكان خاص للإنسان، سواء كان المكان المقصود به الشاعرية مثل البحر، أو وجوديا ونفسيا يتعالق فيه الخراب والقتل بتحولات النفوس والأرواح كالحرب التى تَسِمْ المكان ببعد يكاد يكون من فرط واقعيته ميتافيزيقيا. كما تندثر الأحداث فى منطقة «البسطة» بلبنان بسبب الحرب، وإن ضاعت المقاهى واختفت محطة القطار، لكن تبقى بطولات «القبضايات»، وأدعية الذكر الصوفى التى عاشت فى النفوس فى مواجهة القوات الأجنبية المتعددة، لتُجدد بها النفوس قدرتها على المقاومة. وهى المقاومة المستمرة منذ حفر قناة السويس كحدث محفور بعمق فى التاريخ والجغرافيا، تعايش أهالى بورسعيد مع انعكاساته الإيجابية على حياتهم، من دون أن ينسوا أرواح 120 ألف مصرى ماتوا أثناء الحفر. حيث يجلس البطل وحيداً فى شرفة منزله المطلة على ميدان «جمال عبد الناصر»، وعلى كورنيش «عين المريسة» فى بيروت، ويقيس مسافة الصواريخ التى أطلقها حين كان قائداً للقوات المشتركة «اللبنانية السورية الفلسطينية»، ويحكى لنفسه كيف قتلت تلك الصواريخ زوجته فى النهاية، ولم يجد إلا البحر ليبثّه حزنه. وهناك أيضا «صابيرا» المرأة الوحيدة التى تعمل بالصيد فى بيروت، اتخذت البحر مرفا ومحلا للرزق، بعدما ابتلع زوجها، وبمرور الوقت توقن أن البحر احتفظ بزوجها لنفسه حبا فيه، وأورثت ابنها مهنة الصيد ليكمل العناد مع البحر كون البحر المكافئ للحياة. فالمكان إذن ليس موضوع الكتابة وإطارها وحسب، لكنه محفزها وخالق شكلها ومحدد محتواها ومؤطر زمنها، ومنطلقات التفاعل والحكي، وتختلف حساسية الإبداع باختلاف المكان، فالمقهى غير ساحل البحر، وتتباين طبيعة العلاقات بين سكان الشارع، عنها فى الحارة والزقاق، وتختلف أبعاد المكان الواقعى عن المكان النفسى والأسطورى والمتخيل. إن الإبداع عند هذا الكاتب ليس فى أنه يكتب (عن المكان) بشكل وصفي، لكنه يكتب(بالمكان)، ينقل روح الزمن والتاريخ وحيوات الشخوص الموَّارة عبر المكان، وإظهار اختلاف رؤاهم وتوجهاتهم ومصائرهم بتأثير ثبات المكان أو تحولاته، فيحكى تفاصيلهم المنقوشة على الجدران، ويقارن بينها، ليظهر المكان كمسرح للحدث بنفس قدر ظهوره كفاعل أصلي.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق