رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى «عتمة الدمار» .. نبحث طرق الإفلات «إلى المستقبل»

د.محمد حسين أبو الحسن

قد يصمت الالم برهة ونحن نرى أوضاع العالم العربى. إلا أن أعاصير النار فى سوريا واليمن لاتترك لأى أحد فرصة حتى يبتسم، كما أن الجرح النازف فى فلسطين «قضية العرب الأولى» تضغط على العقول والضمائر. وقبل أن يحمل عام 2017 أوراقه ويرحل فإن المصالحة الفلسطينية كانت الخطوة الكبيرة التى رعتها مصر، إلا أن تفاصيل صغيرة يجب الأ تقف فى وجه إنهاء قطيعة عشر سنوات. هنا نتوقف أمام جراحنا النازفة لنتأمل خياراتنا وسبل الخروج.

«خيارات قاسية» لتفادى أعاصير النار فى سوريا

د.محمد حسين أبوالحسن

عندما ترقص الأوطان "تانجو" مع الهلاك، تتعمد ببحار الدم، تذوب سريعا كقطعة زبد فوق صهد النار، تسلم نفسها للعدم.. فوق جبل قاسيون بدمشق بدأ القتل، أجهز قابيل على أخيه هابيل، تأسيسا لمشوار الحقد والإفناء، فى 15 مارس 2011، خرجت جماهير إلى الشارع السورى، على غرار انتفاضات تونس ومصر، لكن سوريا سرعان ما أصبحت مسرحا لحرب أهلية –عالمية، أفرزت كيانات ممزّقة وأخرى خائفة، جماعات إرهابية لامثيل لعنفها، ومن ورائها قوى إقليمية ودولية، تحرض وتغذى، تفجرت أنهار الدماء، وتناثرت آلاف الجثث، الملايين تدفقوا فى مواكب الهجرة والمذلة، تهاوى الاقتصاد، تكشفت أزمة هوية وولاءات عابرة للحدود والأوطان، سبع سنوات قاربت على الانتهاء ومازالت دمشق تحاول لملمة أشلائها، تبحث عن "بوابة الخروج" من الدمار إلى إعادة الإعمار ومداواة الجروح العميقة، رغم السباق المحموم على قرارها، تحت أعاصير النار المشتعلة.

تبرز مؤشرات على أن سوريا التى نعرفها لم يعد لها وجود، وأنه سواء تم حل الأزمة أو تأخر الحل، فإن بناء جديدا يتخلق فى هذا البلد، على وهج النيران والقتل والتدخلات الأجنبية. ترصد تقارير المنظمات الدولية أن تلك الأزمة هى الأكثر مأساوية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أفضت حتى الآن إلى قتل نحو ثلاث مائة ألف شخص ومليون مصاب، نحو 14 مليونا إما لاجئين خارج البلاد أو نازحين من بيوتهم إلى أماكن أخرى داخلها، أى أن أكثر من نصف السوريين (23 مليونا) جرى تشريدهم، وما أكثر السفن الغارقة فى جوف المتوسط، بأعداد غفيرة منهم.

فى سوريا، يمكن أن تعثر على سنّى وعلوى ودرزي، عربى وكردي. دون أن تعثر على السوري. كيف تفسر أن سوريا يقاتل إلى جانب قوقازى لأنه سني، وعلويا يقاتل إلى جانب إيرانى لأنه شيعي، يحلم الأكراد بالانفصال، وتنهمك إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر فى إذكاء النيران، داعش وأخواتها تتراجع نعم، لكن أهوال جرائمها ستتكشف، حين يتوقف إطلاق النار، الخسائر الاقتصادية تقارب 300 مليار دولار، وتحتاج أكثر منها فى حال "إعادة الأعمار". على امتداد السنوات الماضية، تعددت المبادرات الدولية، بحثا عن تسوية للأزمة دون أن تسفر عن الوصول إلى حل سياسي، جينيف 1 و2 و3، والأستانة، وسوتشى، مناورات ومراوغات منصات المعارضة وقواعد النظام. تحولات متوالية فى مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين، من مسببات الصراع، لاسيما بعد أن فرضت روسيا بتدخلها العسكرى معادلات جديدة على الأرض، مثل الموقف من بقاء نظام بشار الأسد من عدمه، بدءا من مطالبة المعارضة المسلحة وغيرها بتخليه عن السلطة، ونهاية بقبول بقائه فى مرحلة انتقالية محتملة، بوصفه ضالعا فى محاربة الإرهاب، ولغياب بديل له، نظرا لتشتت "المعارضة" واختلاف مرجعيتها الإقليمية والدولية، وتضارب رؤاها حول عملية التسوية نفسها. كثرة الطهاة أفسدت الطبخة السورية، كلما اقتربت من لحظة النضج والحل، تدخل أحد الطهاة هنا أو هناك، ليفسدها ويقلب المائدة على الباقين، وحتى لا نذهب بعيدا، هى معركة طاحنة بكل معنى الكلمة تدور بين لاعبين دوليين وإقليميين ومحليين، ينقسمون إلى فريقين: روسيا وإيران والصين والدولة السورية وحزب الله اللبنانى. وفريق آخر يطالب بإزاحة الأسد: الولايات المتحدة وتركيا وقطر والسعودية والجماعات المسلحة وتشكيلات المعارضة، إنها مبارزة كونية لن تفرز حلا إلا بالتوافق بين المتصارعين.

ومن ثم فإن إطفاء جذوة الصراع بسوريا يظل مرهونا بنضج عوامل التسوية، وفقا لما تعكسه مصالح القوى الكبرى، تحاول روسيا تقليل انخراطها العسكرى وسحب جزء من قواتها، وحصر وجودها فى قواعدها الدائمة فى حميميم وطرطوس ، وتسعى لإيجاد توافق مع طهران وأنقرة، مثلما حدث فى قمة سوتشى بين بوتين وروحانى وأردوغان، بينما تصر الولايات المتحدة على إطالة أمد الأزمة، وتعمل على إغراق السوريين، حكومة ومعارضة، ومن ورائهم الدول الداعمة فى مستنقع يستنزف طاقات الجميع وقدراتهم، عبر دعم الأكراد (قوات سوريا الديمقراطية) وتغذية الجماعات المسلحة بما تحتاج، تحت عناوين الجهاد التى ولد معظمها من رحم الأزمة الأفغانية، ثم العراقية، وبذلك تحقق واشنطن استراتيجيتها فى صورة حرب ذكية تنجز أهدافها، سواء التخلص من الجماعات الجهادية المسلحة، أو إسقاط الأنظمة وتفتيت الدول الإقليمية التى ترى أنها تهدد مصالحها أو مصالح حليفتها الأولى بالمنطقة إسرائيل. أكثر من مرة قامت الولايات المتحدة بتوجيه ضربات صاروخية لمواقع الجيش العربى السورى، وشنت مقاتلات التحالف الدولى غارات على قواته حينما تقدمت صوب الحدود السورية- العراقية، فى محاولة أمريكية –غربية لمنع تطويق القوات الكردية وجماعات مسلحة متطرفة، بل كانت روسيا وأمريكاعلى مسافة قريبة أحيانا، من مواجهة مباشرة، تذكيها انتصارات الجيش السورى ونظيره العراقى على الجانب الآخر من الحدود.

بعض الأطراف تطوعت لمحاولة نقل الإرهابيين وجماعات العنف التى أرهقت الجيش السورى، من الرقة إلى سيناء، بحسب تصريح الرئيس التركى أردوغان أخيرا، مما يعكس حجم التشابك والارتباط بين سلامة سوريا وأمنها وصيانة الأمن القومى المصرى والعربى.

كانت مصر وسوريا دولة واحدة فى بداية الستينيات، وانتزع الجيشان المصرى والسورى النصر على إسرائيل فى أكتوبر 1973، كما أن الرئيس السيسى كان قاطعا وشديد الوضوح فى ضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها وعلى رأسها الجيش، وأهمية دعمه حفاظا على كيان الدولة وللتصدى للإرهاب، سواء فى سوريا أم ليبيا أم غيرهما. ومن ثم يتطلع قطاع واسع من الشعب السورى إلى القاهرة؛ لأنها الوحيدة التى لم تتلوث أيديها بالدم السورى، والوحيدة القادرة على مخاطبة جميع أطراف الأزمة، وطرح الحلول إن توافرت لديهم الإرادة.

يدرك الجميع أن المعركة على الأراضى السورية، خاصة فى المنطقة الشرقية تتجاوز مجرياتها ونتائجها المسرح الداخلى إلى موازين القوى ومعادلاتها فى المحيط الإقليمي، وأرباح وخسائر إيران وتركيا والعراق ولبنان والأردن ومصر والخليج، والمد الإرهابى المتدثر بعباءة الدين، وإلى مستقبل التسوية السياسية للصراع العربى-الإسرائيلى. لن يستمر الصراع فى المشهد السورى إلى مالا نهاية، بديهية يدركها الجميع، لاسيما أن خط النهاية يلوح من بعيد، فى صورة تسوية ما، برعاية موسكو ورضا واشنطن وحلفائهما، لكن هدير المدافع والكر والفر بين وفود النظام والمعارضة فى ردهات التفاوض المختلفة، خلال الأعوام الماضية، تحجب عن الأنظار احترابا من نوع آخر، هو الصراع المحتدم فى صمت للفوز بنصيب من "كعكة إعادة إعمار سوريا"، قدرت التقارير المسربة إلى وسائل الإعلام التكلفة المبدئية لها، بنحو 400 مليار دولار، على أساس أن تأخذ روسيا على عاتقها التنقيب عن الغاز والنفط فى الساحل السورى. وتقوم إيران بإقامة محطات لإنتاج الكهرباء والطرق، وإعمار دمشق وحمص، الغريب أن المخطط يتضمن قيام الشركات التركية بإعادة تأهيل الجسور والمطارات وإعمار حلب وريفها. السؤال: هل تقبل الولايات المتحدة والدول الغربية هذه القسمة الثلاثية، وترضى الخروج من "المولد السورى بلا حمص"، وماذا عن الأطراف العربية المتوارية فى خلفية المشهد؟! لاشك أن الخيارات السورية كلها قاسية وعسيرة، لكنها ليست مستحيلة، لاسيما أن شروط التسوية تتبلور ببطء، خصوصا أن العالم وأوروبا بالذات ضج من طوفان اللاجئين. دمشق ترمومتر الشرق الأوسط، جرح لا تطببه الأعشاب، تنسج أنوال الحزن والألم من أصدقاء وأشقاء.. لكن سوريا مصرية الهوى، تنتظر من "أم الدنيا" أن تخرجها من المأزق وتطفئ لهب الفتنة وتخمد جذوته، حفاظا على وحدتها: الناس والوطن والمؤسسات، لكبح شرور أحفاد قابيل عن بقية البشر.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق