رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مرجيحة الاسطى باهى

سكينة فؤاد
من يوم المصيبة التى فعلها مخلوق لا تعرفه ولا تعرف لماذا فعلها وهى عندما تشتاق أن تخطف «تعسيلة» من نوم لم يعد له عندها وقت.. إلا وترى الكابوس نفسه ـ أعداد كبيرة من ناس لا تعرفهم كبار وصغار يجرون وراءها وهى تجرى منهم حتى ينقطع نفسها ـ

ينادون عليها باسمها الحقيقى «بهية».. لا تعرف كيف عرفواـ تنتفض فتجد أنها مغسولة بعرقها وقلبها طبلة فى صدرها... كانت اختبأت وراء كومة قش عالية فى مخزن مهجور لتهدئ وجع ظهرها وعظمها كله وتعاود نقاشة الحائط المتبقى وتنهى عملها فى الموعد الذى اتفقت عليه وتقبض المعلوم المحترم لتشترى ملابس ولوازم المدرسة لأولادها الثلاثة وعلاج زوجها الذى وضع تحويشة عمره فى توك توك ـ انقلب به واحترق وأخرجه أولاد الحلال بمعجزة ربانية من داخل النار ـ أفقدته الإصابة النطق وتركته مشلولا.. فخرجت تبحث عن عمل بدبلوم الصنايع ـ قسم ديكور وزخرفة ـ الشغل باليومية فى البياض والنقاشة ـ العمل الوحيد الذى وجدته ـ ورغم أن جسمها مثل عود القصب بعد عصره ـ وجدت عيونا لا يملؤها إلا التراب تشق ملابسها القديمة وتدخل تحتها.. قتلت بهية التى حملت اسمها منذ ولدت وتحولت بجلاليب زوجها ورأسها الحليق تحت رابطة رأسها إلى «الأسطى باهى».. وإلا جيرانها الأقرب وأقاربها.. الكل لا يعرف إلا الأسطى «باهى».

العودة إلى بيتها آخر النهار بكل ما يحتاج إليه العيال وأبوهم ينسيها الشقاء ويخفف وجع كل شبر فى جسمها... ارتاحت لما تعود أهالى الحى على «الأسطى باهى» ونسوا بهية.. أصابع الأسطى «تتلف» بالحرير أصبحت شهرتها ومع ذلك ظل الرزق صعبا وأعمال النقاشة والزخرفة التى تتقنها يقل الطلب عليها.. والمرتاحون فى المركز يهجرونه ولا يعودون إليه مرة ثانية.

مع انكماش الرزق العيال تكبر ومصاريف علاج زوجها تزيد ومطالب العيال تكبر معهم ـ تستطيع أن تعمل ساعات أطول.. خوفها مما تحمله الأيام لهم أكثر منه قلقها من الغريب الذى لا تعرف من أين جاء وماذا يريد... قالوا لها إنه نشر صورتها وقصتها على شبكة العنكبوت كما سمعوا.... لعنت أبو الشبكة التى لم تفهم معناها ولا كيف عرف حكايتها التى هى نفسها نستها ـ تعرف أن لا أحد يكتم السر فى بلدهم... ثم هى لم تفعل ما يشينها.. أخفت بهية لتحميها من الطمع وفراغة العيون... وبعرقها وذراعيها تستر عيالها وزوجها ونفسها.

لا تعرف كيف التقطوا صورها وهى فوق السقالة تنقش سقف بيت من بيوت باشوات المركز.. سألوها عما تريده.. طلبت منهم أن يحلوا عن سماها لتنهى عملها ولا تضيع يومية جديدة مثل اليوميات التى لم يحاسبوها عليها بعد انتشار حكايتها وصورها لم تفهم سبب فرحة جيرانها بنشر صورها وحكايتها... ونادوا عليها ترد على الأستاذ فى المحمول... يا أولاد الـ... ستضيع يومية جديدة.. انقذوا المحمول منها قبل أن تضربه فى الحائط... طير ما بقى فى رأسها من عقل علامات السعادة والفرحة على وجوههم... قالوا لها إنها وش السعد عليهم وعلى مركزهم المنسى من سنين طويلة.. الباشوات الكبار وعدوا بوصول المياه والنور وستنتهى العتمة التى عاشوا فيها وقبلهم آباؤهم وأجدادهم... ولم يمشوا حتى تنقطع أنفاسهم ليصلوا إلى شاطئ الترعة البعيدة ويملأوا «جراكن» المياه ليأكلوا ويشربوا ويغسلوا ملابسهم ويستحم العيال و«البهيم».

> حمدت الله أن جعلها سبب خير لمركزها وناسه وعرفت منهم أن الباشوات وعدوا أن يحددوا أوقات وصول أعمدة الكهرباء ومواسير الشرب فى مواعيد قالوا إنه لن يطول انتظارهم لها بمشيئة الله.

> هدأت الأمور.. واطمأنت أنهم نسوا حكايتها.. وواصلت شقاءها اليومى حتى استلقت ترتاح من نار أغسطس داخل المخزن المهجور وراء جبل من قش الأرز نسوا أن يحرقوه مع جبال القش التى ملأت سماء المركز الاسبوع كله بالدخان الأسود حتى اصطبغ كل ما فى المركز بلون الدخان.. البيوت والوجوه. والمياه الراكدة فى الترعة البعيدة.

سمعتهم يعاودون الضجيج والنداء عليها... فى البداية ظنت أنها الكوابيس القديمة.. فتحت عيونها وأذنها.. لتجد الكابوس مستمرا والصراخ أعلى.. ظنت أن حرائق القش كما اعتادوا وصلت إلى البيوت القريبة منها... سمعت الأصوات كلها تنادى «الأسطى باهى»... نفضت نفسها من وسط القش ـ وهى تحكم «عصب» رأسها وتنفض القش الذى غطى الجلباب ظلت تردد الدعاء الذى تطرد به خوفها وفأل الشر عندما تكثر الغربان السود وتنزل وتحف برءوسهم ـ اللهم اجعل المخبى لطيف... اللهم اجعل المخبى لطيف... اللهم اجعل المخبى لطيف... اتجهت لمكان عملها وقف الخلق الذين يبحثون عنها فى طريقها... أمسكوا بها.. وأحاطوها بزفة صاخبة وعلت أصوات «زغاريد» نساء.. وأخذوا طريق مركز الشرطة.. هناك وجدت عربة فى حجم بيوتهم الصغيرة.. تبرق كأنهم دهنوها «بفنطاس» دهان يبرق... قالوا لها إن سعادة الباشا الوزير المحافظ أرسل سيارته.. وفى انتظارك فى مكتبه حاولت أن تتخلص منهم وقاومت لتعود إلى عملها.. قالوا لها إن الأوامر سينفذونها ولو كتفوها وأخذوها مقيدة إلى مكتب معالى الباشا الوزير المحافظ.

وهى فى الطريق الطويل للمحافظة وسرعة العربة تثير عواصف من الأتربة.. والمطبات والحفر تخضها وتحطم عظامها.. والطيور السوداء تزن فى رأسها... ماذا فعلت.. ماذا يريدون منها... ماذا سيفعل أولادها وزوجها إذا غابت عنهم... من سيسأل عنهم وعنها إذا حبسوها... طول عمرها لم تمد يدها إلا لحقها وحد الله كان بينها وبين الحرام.. اللهم اجعل المخبى لطيف.. اللهم اجعل المخبى لطيف.. اللهم اجعل المخبى لطيف.

فى المحافظة وجدت خلقا لا أول لهم ولا آخر.. صعدوا بها فى صندوق كبير حوائطه كلها مرايا... أصابها رعب من المخلوق العجوز الذى رأته أمامها.. لا تتذكر آخر مرة رأت نفسها حتى نست شكلها.. كان العيال الثلاثة المرايا التى ترى فيها نفسها من يراها من أهلها القدامى يقولون الخالق الناطق أمكم فى عز جمالها وشبابها. أفاقت على رتب كثيرة حولها.. فهمت أن سعادة معالى الباشا الوزير المحافظ بمكتبه فى انتظارها.. ضغطت عظام ذراعها تتأكد أنها ليست فى كابوس من كوابيس ليلها المؤرق بانتظار الفجر حتى تبدأ يومها الجديد ولا تستسلم لشيطان الراحة. معالى سعادة الباشا الوزير المحافظ ـ كما يناديه كل من حوله ـ استقبلها استقبالا لم تصدق أنها المقصودة به... طلب منها أن ترتاح على المقعد الهزاز الكبير ـ الذى لم تر مقعدا فى حجمه فى بيوت أكبر كبرات المركز فى بلدهم.. وأن تهدأ أنفاسها.. وتطلب ما تشاء.. ما يخطر ببالها ولكن بعد أن تشرب العصائر والمثلجات والشاى والحليب والسحلب والحلبة والقرفة... أمسكت أقرب كوب لها فانسكب على يديها ساخنا يغلى طلبوا استدعاء طبيب معالى الباشا الوزير المحافظ... وأسرع بعضهم بضمادات يحاولون ربط حرق يدها.. زاحتهم بعيدا... ولم تقل لهم إنها من طول ما اتلسعت واتكهربت وانكوت.. أصبح جلدها لا تحرقه نار.. لولا العيب لرفعت الجلابية ليروا أنه لا مكان فى جسدها بغير أثر.

طلب معالى سعادة الباشا الوزير المحافظ من معاونيه أن يضغطوا زر الهز الكهربائى للمقعد على أول درجاته والخاص باسترخاء الأعصاب لتهدأ «الأسطى باهى» أكثر وتطلب وتأمر وطلب من معاونيه أن يدونوا بدقة كل ما تطلب ويعتبروه أوامر منها تنفذ على الفور طلب منهم أن ينصتوا لها جيدا... أغمضت عينيها ـ وسكت صوتها.. وانقطعت أنفاسها.

قالوا لمعالى الباشا الوزير المحافظ.. كأنها نامت... من بعيد وصل صوت رجل يحاول شق الزحام وقال: إن جماعته فى البيت بنت عم «الأسطى باهى» وأن جماعته كسرت اللقمة على عينيها وحلفت ميت يمين أن ابنة عمها نسيت النوم.

صاحت سيدة عجوز لها عمر الزمن ولعنت جهلهم وطلبت منهم أن يلحقوا بهية بطاسة الخضة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق