رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كاتالونيا .. الخلاف الدستورى و «الهروب الكبير»

> يسرا الشرقاوي
ارتقاء مسألة كاتالونيا مع الحكومة المركزية فى مدريد من مستوى إلى آخر بالنسبة لكلاسيكيات الأزمة الدستورية حتى بلغت مستوى «الهروب الكبير» لرئيس الاقليم كارليس بويجديمونت وفريقه وإصدار مذكرة اعتقال أوروبية ضدهم ، له عشرات الدلالات وعلى أكثر من صعيد. والدلالة الرئيسية وذات التأثير يمكن وصفها بـ «التأثير المتجاوز للحدود»'، بمعنى أنها تتخطى نطاق المسألة المحدود لتعكس تطورا فى العلاقات الدولية وتحديدا فيما يتعلق بتحديثات فكرة «الشرعية الدستورية» وعلاقتها بمباديء مثل «السيادة» و«الاختيار الحر للشعوب» و «الوحدة القومية».

لا يستهدف ما سبق إحداث إرباك وإنما التقديم لسؤال أساسى : كيف يمكن الجزم بشرعية موقف طرف دون آخر فيما يخص المسألة الكاتالونية خاصة أن كلا منهما: إدارة الإقليم الكاتالونى والجماعات المؤيدة لفكرة الاستقلال التام من جانب، والحكومة الإسبانية من جانب آخر- قد وظف وباقتدار متفاوت البراهين على بيان شرعية موقفهما من البداية وحتى الوقت الراهن. مبدئيا وفيما يخص موقف إدارة كاتالونيا ودعاة انفصال إقليمها، فإن أهم مسوغات الشرعية المفترضة تكمن فى سلمية المسعي، ويقصد بذلك أن قضية كاتالونيا تخطت مرحلة الصراع المضاد لقمع نظام فرانشيسكو فرانكو قبيل عودتها لنظام «الحكم الذاتي» سبعينيات القرن الماضي، واكتسبت من حينها صلاحيات متصاعدة فيما يخص الحفاظ على خصائصها الثقافية واللغوية، فضلا عن حرية تطبيق سياساتها فى قطاعات العدل والصحة والتجارة الإقليمية.

ويضاف عامل آخر أسهم فى خدمة «سلمية» و»شرعية» مسعى كاتالونيا، ويقصد به تطوير الأدوات الديمقراطية وشيوع ممارستها، حيث تتوافر القوالب الديمقراطية المعترف بها مثل الهيكل الحزبي، فيسرت للتيارات القومية ودعاة الحركات الانفصالية الخروج إلى الساحة السياسية لعرض خطابها وقضيتها بشكل شرعي. ويسرت لها أيضا المشاركة الإيجابية فى عملية التبادل السياسي. وطبعا كان هناك توافر قنوات إبداء الرأى الشعبى وبشكل شرعى سلمى -مثل الانتخابات والاستفتاءات- فأسهم هذا كله فى صعود الحزب القومى فى كاتالونيا إلى سدة الحكم قبل عامين ثم تنظيم استفتاءين الأول كان رمزيا عام 2015 والثانى فجر الأزمة الأكبر فى التاريخ الحديث للعلاقات بين كاتالونيا ومدريد مطلع هذا الشهر. ويضاف إلى مسوغات الشرعية التى يدفع بها أنصار الاستقلال الكاتالوني، أن مشروعهم وببساطة مرتبط بـــ «حق تقرير المصير»، أحد الحقوق الأصيلة للفرد فى المجتمعات الديمقراطية، وأن يلاحظ أنه بالنسبة للمسألة الكاتالونية تحديدا، فإن الاستفتاء بدأ مشروعا سياسيا فى أغلبه وانتهى إلى نتيجة اعتراضية فى أغلبها.

يكمن تفسير ذلك بمراجعة نتائج استطلاعات الرأى السابقة على الاستفتاء، والتى كشفت أن نسبة تأييد فكرة الاستقلال فى الأوساط الشعبية لم تتجاوز 40%، إلا أن نسبة التأييد لفكرة الاستفتاء فى حد ذاته وضمان الحق فى إبداء الرأى تجاوزت هذه النسبة بكثير.

ومنطقيا سعى القوميون إلى توظيف حتى عثراتهم أمام مدريد لدعم خطاب »الشرعية«. فقيل إن قرار البرلمان الإسبانى بتفعيل البند الدستورى 155 الذى بموجبه فرضت مدريد الحكم المباشر على كاتالونيا وأقالت العشرات من كبار مسئولى حكومة بويجديمونت وتحديدها 21 ديسمبر المقبل لإجراء انتخابات مبكرة عبارة عن «انتهاك» و «تجاهل» لإرادة الشعب الكاتالوني. وحتى هروب بويجديمونت الكبير إلى بروكسل البلجيكية يصاغ على أنه مقاومة جديدة لـ «غبن»مدريد بإطلاق قيادات الاقليم إلى المنفي، ولكن لحماية قضية الاستقلال بعيدا عن الاتهامات التى تسددها مدريد وتتنوع بين التمرد والتحريض عليه وسوء استغلال المخصصات الحكومية وقد تصل عقوبتها مجتمعة إلى السجن نحو 30 عاما. ففى جميع الأحوال، يدرك بويجديمونت أن الأدوات الديمقراطية لن تسعفه، خاصة أن استطلاعات الرأى الأخيرة ترجح أن انتخابات 21 ديسمبر ستنتهى بخسارة القوميين لأغلبيتهم البرلمانية واقتسامهم البرلمان الإقليمى مع الأحزاب المؤيدة لوحدة أراضى اسبانيا.

وإن يصعب تصور استمرار القيادات القومية فى إدارة فعالة على المدى البعيد لخطاب الشرعية، إلا أن تقييم القضية لا يكتمل إلا بتفقد مسوغاتها عند الطرف الثاني، حكومة مدريد تبنى موقفها فى الأساس على تعارض مشروع الاستقلال الكاتالونى مع مبادئ الدستور القومي، الذى وإن منح حق الحكم الذاتى لبعض الأقاليم الإسبانية، فإنه يحفظ أيضا وحدة أراضى البلاد وسيادة الدولة عليها. ويفسر ذلك صلابة موقف الحكومة الاسبانية التى رفضت التفاوض حول مسألة الاستقلال من الأساس وأصرت على توضيح رسمى من جانب حكومة كاتالونيا حول وضعها فيما بعد استفتاء أكتوبر، بحيث تبنى عليه تحركاتها. وما وصل بالأزمة إلى حد الانفجار أن إدارة الاقليم راوغت فى مواجهة كان يفترض أن تكون بالغة الاستعداد لها عقب استنفارها من أجل الاستفتاء .

مدريد شيدت موقفها أيضا على حماية البناء الاقتصادى لكاتالونيا تحديدا واسبانيا إجمالا، فالإقليم خسر أكثر من 1700 من كبار البنوك والشركات منذ إجراء استفتاء مطلع أكتوبر وحتى اليوم. والتزمت كذلك بالتشكيك فى أن «الانفصال»ليس بالقضية القومية فعلا، خاصة مع خروج المظاهرات المتوالية داخل برشلونة للمطالبة بحفظ وحدة إسبانيا ورفض مشروع الانفصال. ودعم مدريد فى مسعاها، وتوافق الاتحاد الأوروبى ودوله بالإضافة إلى كبرى القوى الغربية مثل الولايات المتحدة وكندا على رفض فكرة انفصال كاتالونيا ودعم وحدة أراضى وسيادة اسبانيا.

ثم إنه إجمالا، لا تحظى قضية كاتالونيا بمردود واسع فى المجتمع الدولي، ولهذا سبب وجيه مرتبط بكلاسيكيات «الحركات الانفصالية»، يشرح ذلك الكاتب الأمريكى وزميل معهد واطسون للعلاقات الدولية ستيفن كينزر بشكل أفضل. فيرى أن مشروع كاتالونيا لا يقوم على معضلة أساسية تبرر مشروع الانفصال، إذ لا يقع على تلك المنطقة قمع ولا ينال أهلها اضطهاد، كما أن خروجها على مدريد بغرض الاحتفاظ بعائدات الضرائب لا يكفى كسبب لتفتيت وحدة البلاد، خاصة أن مثل هذه القضايا تزيد من اضطراب عالم يعانى عدم الاستقرار أساسا.

ختاما، يمكن القول إذن إنه حتى مع تطوير العملية الديمقراطية، فإن حسم مسألة الشرعية الدستورية من عدمه لم يعد أمرا يسيرا أبدا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق