رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شعبان وعروس البحر

عبدالرشيد محمودي
كنا ثلاثة أشخاص – رجلين وامرأة – نقف أمام التمثال صامتين تحت مظلات سوداء. كأنما كنا أصحاب حاجات أمام أثر مقدس. والمطر كان يهطل شلالات، والبحر يرغى ويزبد. ثلاثة لا غير. التمثال يجتذب فى الجو الصحو أعدادا كبيرة من الزوار، يأتون لزيارة عروس البحر البرونزية التى أصبحت رمزا للمدينة. ولم يكن لى حاجة سوى أننى أشعر بندم محموم لأننى ارتكبت حماقة لا تغتفر فصرت أتسكع فى منطقة الميناء حتى انتهيت إليها. وأصبح على الآن أن أنتظر يومين قبل أن تظهر كاترينا.

 رقم الهاتف الذى حصلت عليه بشق الأنفس ظل نائما فى محفظتى إلى أن أصبحنا فى الأسبوع من إقامتى فى كوبنهاجن، فاستيقظ وانهارت مقاومتي. لا بد أن أراها قبل أن أغادر إلى لندن وليحدث ما يحدث. أريد أن أفهم.

وهتفت عندما سمعت صوتي: «يا شعبان يا مجنون. لم تتغير. كيف اهتديت إلى رقم هاتفي؟ كيف عثرت علي؟ وأين أنت الآن؟ وماذا تفعل فى كوبنهاجن؟ وما هو شكلك الآن؟

هل ما زلت وسيما كما عرفتك؟ وهل أصبحت إنسانا حقيقيا حقا؟» أمطرتنى بالأسئلة دون أن تنتظر جوابا. وقلت فى النهاية: «أعتقد أننى أصبحت إنسانا حقيقيا حقا. وأريد أن أراك. وإياك أن ترفضي، فقد أصاب بسكتة قلبية». ومرت ثوان قبل أن تقول ضاحكة: «لم تتغير يا شعبان. ولكنى لا أستطيع أن أراك قبل نهاية الأسبوع، فلدى مواعيد كثيرة فى العيادة».

وانتظار الدكتورة كاترينا يومين فى مدينة ممطرة محنة قاسية. ولن تستقل القطار من ضاحيتها الشمالية إلا صباح السبت لكى تلقانى أمام التمثال فى متنصف النهار. وعزيت نفسى شيئا ما بأننى لست إنسانا حقيقيا حقا: ابن عربجى من طنطا يتجول فى هذه المدينة النوردية ويتكلم الدنماركية حبا فى كاترينا. أستطيع إذا توقف المطر أن أذهب إلى حديقة تيفولي. فى الماضى كان الطلاب الأجانب يترددون عليها للتودد إلى الفتيات. وهى هواية لا أستطيع الآن أن أمارسها. ولكن من يدري؟ قد تسنح الفرصة، ولن أفوتها إذا سنحت. وليس للحب سن. أما إذا لم يتوقف المطر، فأستطيع أن ألجأ إلى مطعم أو مقهى وأطلب سندويتشا – كوبنهاجن بلد السندويتشات الرائعة – وقهوة ولا أفعل شيئا سوى تلقى التحيات. إذا أقبل إنسان – رجل أو امرأة – وجلس بالقرب منك، حيا. وهو يحيى عند الذهاب. الدنيا أمان. وفى الأماكن المغلقة مجال أفضل للفرص. هنا قد تقع المعجزة. يستطيع الزائر الغريب أن يسأل أهل البلد – ذكرا أو أنثى - ويسترشد برأيهم. وكلمة من هنا وكلمة من هناك، وعندئذ قد تقع المعجزة، وينفتح باب الأمل. كلمة من هنا وكلمة من هناك مع ترك الباقى للطبيعة. ولن تتردد إذا وقعت المعجزة فى أن تتقبل ما تتيحه الطبيعة وترفه عن نفسك قليلا قبل وصول الدكتورة. وقد تأتى بالشمس معها. وقد أذهب إلى ذلك الشارع الجميل الذى حظر فيه مرور السيارات وأزور تلك المكتبة الجميلة. وهناك لا بد سأجد كتابا صعبا يساعدنى على النعاس حتى التاسعة مساء.

وجلست إلى مائدة فى أحد المقاهي. وجاء الجرسون بما أريد. فقضمت من السندويتش قضمة واحدة ثم توقفت عندما أقبلت سيدة فجلست إلى مائدة مجاورة دون أن أدرى هل حيت أم لم تحيي. فلماذا لا أتعظ؟ ولماذا لا أتوقف عن ارتكاب الحماقات؟ هل أنا مصاب بشعور مزمن بالذنب فلا أكف عن جلد نفسي؟ فى أول أمسية جاءت فيها إلى شقتى اختبأت وراء باب وأطفأت النور. وقالت: «لنلعب الاستغماية. حاول أن تجدني». ثم دارت بنا الغرفة. كان سقفها محدبا وكانت تشبه السفينة. وتحركت بعد أن كانت راسية. تحركت فما عرفت هل هى سفينة فضاء أم غواصة. وانتقلت العمارة، وتحركت الأرض. وكانت هناك شهب وكواكب دوارة وأمواج وأعماق سحيقة تشقها سهام من أشعة الشمس. وتنبهت عندما تأهبت السيدة للذهاب. ارتدت معطفها الأزرق السماوى وغطت رأسها بإيشارب، ومضت. وكانت كاترينا تتهيأ للذهاب عندما جلست لتلبس حذاءها. وعندئذ قالت: «إياك أن تتوهم أننى أحبك». ابتسمت بينى وبين نفسي. المجنونة: كيف تتصور أن ذلك يعنيني. ما لنا وللحب؟ لا يعنينى من هذا الأمر شيء كيفما كنت تسمينه. المهم أننا نستطيع الإبحار فى ذلك المحيط. خذينى أينما شئت، فلن أسألك ماذا تريدين منى ولا أين تذهبين بي. أنت السكر الأعظم، وأنت السعادة، وأنت الموسيقي.

وفى المكتبة كان بصرى لا بد أن يقع على مؤلفات كيركجورد فيلسوف البلد. وقررت على الفور أن أتجنب الأعمال التى يتناول فيها سيرته الذاتية وقصته مع صاحبته ريجين. أعرف بعض أطراف القصة ولا أريد اختلاط الحابل بالنابل، شكرا جزيلا. أريد كتابا صعبا يصدع دماغى ويساعدنى على النوم. ووقع اختيارى على كتاب «إما أو». أعلم أننى سأتثائب بعد الصفحات الأولي، فأغلقه، فأضع رأسى على الوسادة فلا أتحرك حتى التاسعة، موعد ذهابى إلى العمل. وذلك ما حدث، لولا أن النوم لم يكن حقيقيا، كان أشبه باليقظة وأسوأ منها وأشد تنبها. فها هى المؤامرة التى نسجت حولى وأستطيع الآن أن أمسك بخيوطها. بدأت الخطة عندما اقترحت أن نلعب الاستغماية – حاول أن تجدنى - وأمسكت بها فى الظلام. ثم وقع الآسر فى الأسر ذات يوم تأخرت فيه عن موعدنا، وكان ذلك أمرا مفهوما لأن السماء كانت تمطر، والرعد يقعقع. وأصابنى قلق تزايدت حدته مع دوران عقارب الساعة. وتحول القلق إلى رعب بعد أن مر نصف الساعة ولم تظهر. فهى لن تأتى إذن. ولماذا لم تتصل لتعتذر؟ وهل معنى ذلك أننى لن أراها بعد اليوم وستختفى إلى الأبد؟ وكيف أقضى هذا المساء على أى حال؟ أين أمضى فى هذا الجو اللعين؟ وماذا أفعل غدا وبعد غد؟ ولما رن جرس باب العمارة لعنتها، ولكنى هبطت السلم قفزا. وما إن فتحت الباب حتى ارتمت بين ذراعي. كانت تبكى وكانت مذعورة، فهى تخاف البرق والرعد. والأسوأ من ذلك أن القطة اللعينة خمشت ساقها وهى تجلس على عتبة الحديقة، وعكرت مزاجها طيلة اليوم وذكرتها ببؤس الحياة. وها هى إذن طفلة تبكى بين ذراعي، وتطلب الحماية. وقد كنت حتى تلك اللحظة أشبه بسمكة تسبح حرة فى البحر ثم أنشب فيها شص لا فكاك منه. الفتاة الطفلة كانت هى الشص. رأيت ذلك بوضوح، لولا أن غامت الرؤية بعد قليل. ألم تكن بداية الخطة تلك العبارة التى تفوهت بها وهى تستعد للذهاب – عبارة لم آبه لها فى حينها – ولكنها كانت بمثابة الإنذار: «لا تتخيل أننى أحبك»؟ لا بد أن هذه كانت نقطة البداية. وإلا كيف أفسر هذه الحقيقة: أنها لم تعترف بأنها تحبنى فى أى يوم من الأيام؟ لا شفاهة ولا كتابة. رسائلها كانت تقول: «كم أفتقدك»، «كم أحن إليك»، «أنا فى انتظارك دائما»، وما إلى ذلك. أما عبارة «أنا أحبك»، فيبدو أنها كانت محرمة. وذلك رغم الحديث عن التجوال فى العالم معا كالغجر – أنا أغنى وهى ترقص - وعن السكن معا فى كوخ بعيدا عن الزحام: أنا أذهب إلى المدينة لأغنى وأكسب الفلوس القليلة التى تكفينا، وهى تبقى فى البيت لترعى المزرعة الصغيرة وتربى الدواجن وبقرة حلوبا لتغدق على الأطفال. وكيف يتفق ذلك وما حدث ليلة طردتنى من مسكنها شر طردة؟ فى تلك الليلة قالت بعد ساعة من الشجار: «لم أعد أحتمل. أنا متعبة وأريد أن أنام». قلت: «ولكن ليس هناك ما يدعو للقطيعة». فقالت: «أريد أن أنام». قلت: «نامى كما تشائين، ولكنى أتساءل لماذا تحبسيننا هنا؟ تذهبين إلى العمل وتعودين مرهقة ولا تكفى عن الشكوى لأن عليك أن تتسوقى وتجهزى العشاء وتغسلى الأواني. ولماذا لا تدعين لى بعض هذه المهام؟ أنا أقضى النهار كيفما اتفق، وأشعر بالضجر لأننى لا أفعل شيئا سوى انتظارك. فلماذا لا نغير هذا الروتين ونخرج؟ نستطيع أن نتعشى فى مكان ما، أو نشاهد فيلما، أو...» فقاطعتنى بقولها: «أرجوك أن تسكت بحق السماء. ألا تستطيع السكوت؟ أريد أن أنام». قلت: «أنا ضيفك، وقد دعوتنى إلى زيارتك. فهل ...» وقاطعتنى مرة أخري: «أنت تريد استئناف الشجار وأنا متعبة». وأصابنى اليأس. والشص لا يريد أن ينفك. ماذ أفعل لكى أسرى عنها؟ كيف أعبر لها عن حبى ووقوفى إلى جانبها وهى تسد فى وجهى جميع الأبواب؟ ولماذا تعزلنا فى هذا الجو الكئيب بعيدا عن العالم؟ قلت: «يبدو أن وجودى هنا أصبح عبئا ثقيلا عليك. هل تريدين أن أذهب؟» فلم ترد. وسمعت غطيطها. هل داهمها النوم فلم تسمع سؤالى أم أنها تتظاهر؟ وأخيرا جاءنى النوم. ولكن إغفائى لم يدم طويلا، فقد أصابت ساقى رجفة فانتفضت ووجدت أمامى فكرة واضحة تمام الوضوح: هناك رجل آخر. لا بد أن يكون هناك رجل آخر. وها هو خيط آخر من خيوط المؤامرة. وكيف غاب عنى ذلك؟ ألم تخبرنى ذات يوم فى لندن أن صديقا لها فى كوبنهاجن أرسل لها عشرين جنيها؟ وكان ذلك إحسانا منه لأننا كنا فقراء. وأليس هو الفتى الذى ظهر أمس الأول؟ قال بعد أن قدم نفسه إن كاترينا كلفته بأن يأتى إلى الشقة ليركب لاعبة الاسطوانات الجديدة. وأدى الفتى ذو الشعر الأشقر الذى لا يفتأ يتهدل على جبهته مهمته وانصرف دون أن أتنبه إلى أنه غريمى فى حبها. كيف فاتنى ذلك؟ ومن سوء الحظ أنه يأتى إلى الشقة قبل أن أخرج. وقد التقيت بغريمى إذن. فيا للمصيبة! هو الرجل الذى أكلنا من ماله. يا للعار! وحوالى الخامسة صباحا غيرت وضعها لتنام على ظهرها، وخيل إلى أنها رأتني. فقد رفعت رأسها قليلا، وكانت على الحافة المقابلة من السرير بمحاذاة قدمي. وخيل إلى أنها سمعتنى أهمس: «هل تريدين أن أذهب؟»، فاستدارت على الفور لتنام على بطنها. وهناك إذن أمر بطردي. ونهضت فأعددت الحقيبة. ثم توقفت عند باب الخروج لأعود أدراجي. وسرت على أطراف قدمى إلى درجها، فجمعت كل رسائلى إليها. يا طالما قالت إنها ستوصى أهلها قبل موتها بأن يسعوا إلى نشرها! سأحرمها إذن من تلك المتعة. وسأرد الصفعة بصفعة. وهناك إذن مؤامرة تستهدفني. هناك قوة ما وضعت خطة محكمة لاستدراجى – «لا تتخيل أننى أحبك» - وطردى فى النهاية. آه، كم كان النصل الذى قطع به الرباط بيننا حادا شديد الوطأة كأنه البتر أو الكى بالنار دون مخدر!

وأقبلت من بعيد. ولما رأتنى أسرعت نحوى مفتوحة الذراعين. فى الماضى كانت تهرع إلى حضني. أما الآن، فإن الدكتورة كاترينا هى التى تدعونى إلى صدرها. والفتاة التى كانت تعانى من انعدام الثقة فى النفس أصبحت الآن تعالج المرضى من مخاوفهم. وأنا فى حاجة إلى علاج. وعلى مائدة الغداء قلت: «أرجوك أن تعذريني. كنت مغنيا فقيرا، مفلسا فى الواقع ولا أصلح لشيء» وقالت: «لم تتغير يا شعبان. ما زلت أنت المهرج الذى عرفته. خيل إلى أنك تغيرت بعد كل تلك السنين». قلت: «تغيرت ولم أتغير. فما زلت لا أصلِح لشيء». وقالت: «لا أصدقك عندما أنظر إلى ملابسك الفخمة. هذه بدلة واضح أنها غالية الثمن. وصدارك الكشمير، والساعة «الروليكس» فى معصمك. وهذا الغداء الفاخر الذى دعوتنى إليه. كلا، يا عزيزى شعبان، لا أصدقك. من أين لك بالمال؟ هل أصبحت مغنيا مشهورا؟ قلت: «ما زلت مفلسا كما كنت. أغنى بين حين وآخر فى مطعم أو فندق أو على ظهر سفينة. وتمر الأسابيع والشهور أحيانا قبل أن تسنح فرصة أخرى للكسب. وأنا على أى حال لا أستطيع الادخار. وأعيش من يوم ليوم. اصرف ما فى الجيب يأتك ما فى الغيب، كما نقول فى بلادنا. ومظاهر الثراء التى ترينها هى من مال الغير.» وقالت: «أرجو ألا تكون لصا تسطو على البنوك.» قلت: «هى هبات من أجل الحب. أرسل إليّ الله مؤخرا إحدى حبيباتى القديمات، وهى تعولني. يعنى أننى أسكن فى بيتها دون أن أدفع أى إيجار، وتقدم لى الوجبات الثلاث والشراب والسيجار مجانا، وتتكفل بشراء ملابسى لأنها تصر على أن أكون أنيقا. وما أكسبه – إذا كسبت – هو مصروف جيبي.»

وقالت: «أنا أيضا كنت عبئا ثقيلا ... عليك وعلى نفسي. على نفسى بصفة خاصة. كنت أعمل طيلة النهار، وكان المرتب ضئيلا لأننى لم أكن مؤهلة. وكنت كما تعلم أدرس فى المساء لكى أحصل على شهادة إتمام الثانوية حتى ألتحق بالجامعة. وقد زرتنى فى تلك الفترة ورأيت بنفسك.» قلت: «رأيت بنفسي». ولكن ما أجمل تلك الأيام! هل تذكرين مقهى «القمر وستة بنسات» حيث كنت أغني؟ وقالت: «وكيف أنسى ذلك؟ كنت أنتظر بفارغ الصبر العشاء الذى كان يجود به صاحب المقهى فى فترة الاستراحة الأخيرة قرب منتصف الليل». وقلت: «لم يكن يجود به. كان ذلك جزءا من أجري. ولم يكن لديه ما يقدمه للمغنى والمستمعين سوى طبق واحد عليه كومة من الأرز وملء مغرفة من اللحم بالكاري. وكنا بعد السهرة نرتقى ذلك الطريق الصاعد الذى يطل عليه المقهي. وكان ذلك هو عصرنا الذهبي».

وقالت: «كنت أعانى من الاكتئاب. تخيل فتاة فقيرة تعيش وحدها فى مدينة باردة. تكدح طيلة النهار وجزءا من الليل. وتعود إلى مسكنها فى المساء مهدودة القوى لتجد أمامها كتب الجبر والهندسة وحساب التفاضل والتكامل، والواجب الذى ينبغى أداؤه من أجل اليوم التالي... كانت حياة مميتة تدفع إلى الانتحار. وقد انتقلت بعد ذلك إلى سكن أفضل. ولكن الأزمة ظلت باقية، وظل اليأس قائما. ولم تكن لدى ثقة فى نفسي. وكنت أشك فى أننى قادرة على الحب: أن أتلقاه أو أن أعطيه.» قلت: «ومع ذلك، فقد كنا نحلم بالزواج والإنجاب.» قالت: «كنا فى مقتبل العمر. والشباب قادر على الحلم. ولكننا كنا كأننا نسبح فى مياه عميقة، وكنا نتشبث أحدنا بالآخر حتى لا نغرق. أنا شخصيا كنت مشرفة على الغرق. أما أنت يا شعبان...» وسكتت لتستأنف الحديث: «أما أنت ياعزيزى شعبان، فإنك لا تغرق أبدا». قلت وأنا أقهقه: «كيف تقولين ذلك؟ ومن أدراك؟ لقد غرقت عدة مرات.» قالت: «ربما. ولكنك تجد دائما طريقة لكى تطفو. أنت من هذا النوع.» وسألت: «من أى نوع؟» قالت وهى تبتسم: «من النوع الذى يتلقى معجزات... مثل السيدة التى أرسلها لك الله. أما أنا...» وتوقفت عن الكلام لتسألنى عن السيدة المعجزة: «خبرني. هل هى جميلة؟ أراهن على أنها أرملة عجوز ولكنها غنية طروب.» قلت: «هى بالفعل أرملة طروب. وهى غنية شديدة الغني. ولكنها حسناء. وردة انجليزية فى كامل ازدهارها.» وسألت: «من الواضح أنها تحبك. فهل تحبها؟ أعنى هل أنت مخلص لها على الأقل؟» قلت: «نعم حتى هذه الساعة.» ونظرت فى ساعتي: «هى الآن الثالثة إلا ست عشرة دقيقة. فماذا يحدث بعد الآن؟ ذلك من علم الله.»

وسرنا معا تحت مظلتى نحو المحطة لتركب القطار المتجه إلى كلامبنبورج. وكانت تريد أن تسير وحدها إلى المحطة، ولكنى أصررت على أن أصحبها. كنت أتشبث بها. وقد اقترحت عليها ونحن فى المطعم أن تمضى المساء معي. قلت: «تعالى لتسمعى كيف أغنى الآن.» قالت: «كم أود ذلك ولكنى لا أستطيع.» قلت: «أنت تخشين ما يحدث بعد السهرة». قالت: «بالفعل. بعد السهرة ستقول: «فاتك آخر قطار، فلماذا لا تقضين الليلة معي؟» قلت: هذا ما سيحدث بالفعل إن وافقت. ولكن هناك عدة أشياء ينبغى أن تضعيها فى الاعتبار. أولا، أن المكان الذى أغنى فيه لن يقدم لك فيه طعام مثل طعام «القمر وستة بنسات». وثانيا، أننى سأغنى بعض الأغانى التى كنت تحبينها. وثالثا، أننى سأترك لك السرير وسأنام على الكنبة». قالت: «لا أصدقك. أنا أعرفك يا شعبان. أنت لا تتوب. كم مرة فى حياتك استخدمت مثل هذه الحيل: تعالى معى وسأترك لك الفراش وأنام أنا على الكنبة. أنا لا أصدقك».

ويعلم الله أننى كنت صادقا. لم أكن أريد لها أن تذهب. كنت أتشبث بها رغم أن الغموض الذى أحاط بقصتنا أخذ يتبدد تحت المظلة. ما قلناه على مائدة الغداء كشف فيما يبدو عن حقيقة ما حدث. كانت على حق عندما رفضت اقتراحى أن تقضى الليلة معي. لم يكن ذلك حيلة لاستدراجها. ومع ذلك، فهو اقتراح سخيف لا يصدر إلا عن مجنون. كيف يمكن لزوجة أن تبرر لزوجها أنها قضت الليل فى غرفة واحدة مع رجل كانت تعرفه فى الماضي؟ وهل سيشعر الزوج بأى طمأنينة إذا قيل له إن الرجل نام على كنبة؟ كانت على حق. ولم يتآمر عليك أحد يا شعبان إلا هذه المرأة التى تلمس كتفها كتفك. كانت تحبك على طريقتها، وكان هناك رجل آخر تركته فى كوبنهاجن، وأحبته على طريقتها. وطريقتها كانت هى أنها فتاة فقيرة كادحة تحاول أن تطفو، وكانت فى حاجة إلى من يمد لها يده. وقد انتظرتك طويلا لكى تتقدم. ولكنك اكتفيت بأن تحيا معها فى ظل الأحلام. كانت تحبك، ولكنها كانت تنتظر قدومك لكى تحملها حملا إلى عش الحياة معا. وما كان حديثها عن التجوال معك فى أرجاء العالم، وعن الدواجن، والبقرة الحلوب إلا تعبيرا مشفرا عن استعدادها للعيش معك تحت سقف واحد فى أى مكان وفى ظل أى ظروف. ولو أنك أقدمت على الخطوة الحاسمة وحملتها، لذهبت معك إلى مصر أو كوبنهاجن أو لبقيت معك فى لندن. وكانت ستقول لك ما لم تقله إذا أنت أقدمت. فلماذا لم تقل ذلك؟ لأنها نوع من الفتيات يرى أن التفوه بتلك العبارة عقد ملزم، وأقوى إلزاما من أى اتفاق مكتوب. وكانت تريد منك أن تقول أنت الكلمة الأخرى المناسبة. ولكنك لم تفعل. وانتظرتك طويلا. ثم وجدت الرجل الآخر عندما عادت إلى كوبنهاجن. وكان مترددا بدوره ولا يستطيع حسم أمره. فاستدعتك من لندن لتضعكما وجها لوجه. حبستك فى ركن من البيت ورفضت الخروج معك وقاطعتك حتى تصلك الرسالة: إما أن تقدم على الخطوة الحاسمة أو ترحل. وكذلك وضعت الرجل الآخر على المحك، وجعلته يراك بدلا من أن يسمع بك، فأقدم. فعل ما لم تفعله أنت. وكان عليك عندئذ أن تخلى المكان. وكانت على حق ولا بد أن تعجب بها. فتلك الفتاة الضعيفة كانت قوية شديدة البأس. رأت أن الفرصة قد حانت لكى تنقذ نفسها من الغرق. وانظر كيف قطعت الشوط من الثانوية إلى الجامعة والتخصص فى طب الأمراض النفسية. وكل ذلك وهى تعمل لتجنى قوت يومها. كانت على حق فى جميع الحالات. قلت: كل ذلك مفهوم الآن ولكن الجراحة كانت بلا مخدر.

وكانت يدها فى يدى قبل أن تذهب إلى رصيف القطار، فقلت لها: «لقد كنت على حق». فقالت دهشة: «من أى ناحية؟» قلت: «لأنك رفضت قضاء الليلة معى رغم أننى كنت صادقا فيما يتعلق بنومى على الكنبة». وأشرق وجهها بابتسامة عذبة: «الآن فهمت إذن». قلت: « فهمت كل شيء. وكنت على حق أيضا عندما أنهيت علاقتنا». وسألت: «فأنت إذن لست ناقما عليّ». قلت: «وكيف أنقم عليك وأنا أحبك؟» وطافت بوجهها غمامة رقيقة سرعان ما نفضتها لتسألنى فجأة: «لماذا أخذت الرسائل؟» ولما لم أجب، اشتدت لهجتها: «لماذا سرقتها؟ كانت من حقى ما دمت قد أرسلتها إلي». واعترفت لها بالحقيقة: «كان الجرح مؤلما. وأردت أن أنتقم». وحدقت فيّ للحظة ثم خفضت بصرها وسحبت كفها. ولو ان الكلام كان مجديا لأخبرتها أننى عندما طردت انهرت وقضيت سنوات لا آوى فيها إلى الفراش إلا وتصاب ساقى برجفة – تماما كما حدث ليلة الطرد – ثم تمتد الرجفة إلى الساق الأخرى فسائر الأطراف، ويتصبب العرق وتتقطع الأنفاس ويزداد الشعور بالاختناق فيما يشبه الصرع. حالة تشبه حالة الضفدعة إذا مرر فى طرف لها تيار كهربائي. ولو كان الكلام مجديا لأخبرتها أننى عندما توقف التيار الصاعق وتعافيت أصبحت لا أغنى إلا لها. ما إن يبدأ العزف حتى تحضر. باى باى يا حبي.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق