رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

من لا عزاء لهم فى الترجمة

طاهر البربري
فى السنوات الأخيرة من القرن الماضى بدأت أتعرف إلى كتابات كازو كازو إيشيجورو عبر الكاتب والمترجم الراحل سيد عبد الخالق.

وقتها كنت قد انتهيت من ترجمتى لرواية إله الأشياء الصغيرة The God of Small Things للكاتبة الهندية آرونداتى روى Arundhati Roy. كنت قد أدركت يقينًا أن الكتابة الإبداعية الحقيقة التى تنشر باللغة الإنجليزية لا تأتى من بريطانيا أو الولايات المتحدة، وإنما من المستعمرات البريطانية السابقة. الأمر الذى جعلنى أولى اهتمامًا معتبرًا لأفكار الاستعمار وما بعد الاستعمار colonialism and post-colonialism خاصة وأن الأسماء الجديدة فى الكتابة الروائية أتت وما زالت تأتى من تلك المستعمرات، بين هذه الأسماء التى أصبح لها حضورًا قويًا فى عالم الكتابة الإبداعية باللغة الإنجليزي: سلمان رشدي، حنيف قريشي، آنيتا ديساى وابنتها كيران ديساي، والبنجالية مونيكا علي، جمال محجوب وليلى أبو العلا (السودان)، أهداف سويف (مصر) وقائمة طويلة أخرى تضم تشينوا آتشيبى النيجيرى وآخرين. إن قائمة الأسماء لا تنتهى بما يجعل المتابع الجيد غير قادر على الإحصاء.

من لاعزاء لهم The Unconsoled هى الرواية الثانية لروائى نوبل 2017 كازو إيشيجورو Kazuo Ishiguro. بعد روايته الأولى بقايا النهار The Remains of The Day. صدرت هذه الرواية فى العام 1995، وصدرت ترجمتها العربية عن المركز القومى للترجمة فى العام 2005 وكان أحد أهم العوامل التى دفعتنى لترجمة هذه الرواية هو الجو الغريب الذى تنطوى عليه. العالم المشوش، الذى يشبه الحلم غير المترابط. رايد الموسيقار المعروف يسافر إلى مدينة فى وسط أوربا كى يعزف أحد مؤلفاته الموسيقية فى حفل موسيقى كبير فى الأيام القادمة. وعلى الرغم من أن الأحداث تدور فى نقطة زمنية ما فى القرن العشرين إلا أن زمكانية الأحداث تبدو فى أفق ضبابى غير معلن. الرواية أيضًا تعتبر الأطول على الإطلاق أعمال إيشيجورو الروائية كلها، ورغم ذلك فهى تحكى أحداث بضعة أيام فقط. الجو الكافكاوى أيضًا يُعد أحد العناصر المهيمنة على الحبكة فى رواية «من لا عزاء لهم».

حقيقة، اكتشفت عبر ترجمة هذا العمل الروائى الضخم فى قيمته وحجمه، إلى أى مدى يتضمن النص الإبداعى من العناصر والرؤى ما يجعله يتجاوز حدود اللغة إلى الفلسفة والتاريخ وعلم النفس والجغرافيا أيضًا. منذ الدقيقة الأولى لوصول رايدر إلى هذه المدينة الأوربية (غير المعلنة) وهو يستقبل أعدادًا من الغرباء يرحبون به بحرارة غير مألوفة حتى فى بالنسبة للمشاهير. وما يلبث هذا الموسيقار ـ الذى أتى لعزف واحدة من مؤلفاته الموسيقية ـ أن يتعرف على أحد هؤلاء الغرباء، حتى يسحبه هذا الغريب إلى أزماته الحياتية الشخصية دون أن يعرف دوره فيما يسمع أو يعايش من أزمات. وتبدأ سلسلة ممتدة من التشتت والاستغراق فى مغبة أزمات لأناس يعرفهم ويراهم للمرة الأولى فى حياته؛ بداية من حمال الأمتعة، جوستاف، انتهاءً حتى مدير الفندق، وأعضاء مجلس المدينة بلا استثناء، مرورًا بابنة جوستاف. شبكة معقد من العلاقات المأزومة تتوالد دهاليزها تباعًا.

قبل أن أفرغ من قراءة النصف الأول من العمل، كنت قد قررت أن أخوض تجربة ترجمته على الفور. لأن الرواية تتضمن لغةً وعالمًا على درجة كبيرة من الإختلاف. على مستوى لغة الرواية، بدأت أتلمس مستوى من الأداء اللغوى ينشغل كثيرًا بإثبات صلاحية الكاتب الذى ينتمى إلى ثقافة أخرى وهوية أخرى للتعبير عن فرادته الإبداعية عبر لغة مكتسبة تخص ثقافة أخرى وهوية أخري، هى بالأساس ثقافة استعمارية وهوية استعمارية. لقد داخلتنى هذه الفكرة ذاتها كثيرًا أثناء ترجمتى لرواية «إله الأشياء الصغيرة». كانت هذه هى الرواية الأولى لكاتبتها الهندية آرونداتى روي، والمدهش أيضًا أنها فازت بجائزة البوكر البريطانية عام 1993، نفس الجائزة التى فاز بها إيشيجورو عام 1989 عن روايته بقايا النهار. اللافت للنظر فى رواية إله الأشياء الصغيرة هو أن حمولة روى الروائية كانت هندية خالصة، ومن ثم كنت أشعر بالقلق من ترجمة عالمها الهندى الخالص عن اللغة الإنجليزية، وإعادة تشفيرهما فى لغة عربية مقروءة. كان الأمر مختلفًا فى رواية من لاعزاء لهم، وكذا فى رواية عندما كنا يتامى When We Were Orphans؛ إذ كان العالم انجليزيًا خالصًا ولكن يتم رصده بعين ذات حدقة يابانية. يظن الكثير من النقاد المهتمين بكتابة إيشيجورو أن وجوده فى حياة بريطانية خالصة منذ السادسة من عمره، قد جعل هويته اليابانية فى الهامش القصى من هويته الإبداعية. لكننى أتصور أن العكس هو الصحيح تمامًا، فالعالم الروائى فى من لا عزاء لهم يعلن عن صرخات متتالية ضد التشوهات التى تعانى منها المجتمعات الأوربية قاطبة؛ وأن هذه المجتمعات ـ الاستعمارية فيما سبق ـ تدفع الآن أثمانًا باهظة مقابل ما فعلوه فى المستعمرات السابقة. ربما تبدو هذه التيمة مشوشة بدرجة ما رواية من لا عزء لهم؛ لكنها فى رواية عندما كنا يتامى تمثل تيمة رئيسة فى هذا العمل. فبريطانيا العظمي، هى من كانت تدير جارة الأفيون فى شنغهاى ومستعمرات الشرق الأقصي. إن تيمة العبودية أيضًا تعد مركزًا لا يمكن غض الطرف عنه فى رواية بقايا النهار. صحيح أن العالم يبدو بريطانيًا خالصًا، غير أنه ـ كما ذكرت آنفًا ـ يتم التعامل معه عبر حدقة يابانية فى الأصل. ومن ثم فالشروع فى ترجمة عمل روائى لكازو إيشيجورو يعتبر مغامرة لابد وأن تكون مسبوقة بمستويات متعددة من الوعى سواء على مستوى الدراسات النصية فى الكتابة الانجليزية بوجه عام، أو على مستوى الوعى بكتابات ما بعد الاستعمار وحمولتها المعرفية والإبداعية على حد سواء.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق