رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بقايا كازو بين الرواية والفيلم

محمود قاسم
تأتى أهمية جائزة نوبل من مسألة الفارق بين الهوية والجذور, فى كافة الأفرع التى تعلن بها بدون استثناء, وفى الأدب فإن الأمر يعكس الى أى حد الثقافة التى هاجر اليها الكاتب خاصة مع أسماء مثل هيرتا موللر, وجان اكس حيان , وجون كوتسيا, و,

وأخيرا كازو إيشوجورو الذى اقترنت لديه الهوية الحالية بالأصول. فالكاتب الصينى جيان كتب كل رواياته عن الصين التى تركها ليعيش فى فرنسا , حتى وإن كان يكتب بالفرنسية , أما إيشيجورو فإن ملامحه الأسيوية تطارده بقوة جتى وان كان بريطانيا حتى النخاع فى ثقافته, وهذا الأمر مثير للنقاش مع كثرة توافد الأسيويين والأفارقة الى الغرب, والأمر يختلف بالطبع بالنسبة للكتاب السوفييت سابقا , الذين انشقوا عن بلادهم وصار عليهم العودة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

وكان يمكن أن نقول إن إيشيجوروهو كاتب يابانى يعيش فى بريطانيا لولا هوية روايته « بقايا النهار» التى تدور أحداثها فى داخل المجتمع البريطانى العتيق بنبلائه وخدمه , وهى رواية لايمكن أن يكتبها الا الكلاسيكيون من أدباء بريطانيا الذين عاشوا فى المجتمعات البالغة الرقي

إيشيجورو المولود فى نجازاكى عام 1954 رحل الى بريطانيا عام 1960, والأمر هنا يختلف عن أقرانه الكثيرين من الهنود باعتبارهم ابناء مستعمرة بريطانية سابقة , الا أنه سرعان مااندمج, ودرس فى الجامعات البريطانية, وتضاءلت ذكرياته اليابانية , ولم يعد قط الى الشرق أو الى مدينته ناجازاكي, التى تدور فيها أحداث روايتيه الأولييين, اللتين سمع قصصهما من والديه « لم أعرف اليابان قط, لقد عرفت عنها من خلال أمي.. ولكنى لم أجرؤ على أن أقترب منها,ومازلت أتعامل معها كطفل» , ولعل هذا السبب أدهشنى فان اليابانيين عقب اعلان الجائزة وهم يبحثون فى تراثهم الأدبى الحديث عن أديب يابانى اسمه إيشيجورو.

هاتان الروايتان الأوليان هما «مشهد شاحب للتلال» عام 1984, و«فنان عالم الطوفان»1987, وفى عام 1989فاز بجائزة بوكر عن روايته « بقايا النهار»’ وهى الرواية التى التقطها بذكاء المترجم الراحل طلعت الشايب باسم « بقايا اليوم» ضمن المشروع القومى للترجمة , وأعتقد أن الجائزة قد شفعت كثيرا للرواية فهى عمل بريطانى فى المقام الأول, وتتناسب مع القارئ خارج بريطانيا , لكننى للحق لم اقرأ هذه الرواية الا بعد أن نبهنى كاتب الأطفال يعقوب الشارونى اليها , ونحن نلتقى فى مكتبة المجلس, رغم أننى كتبت عن المؤلف بشكل عام فى موسوعة « ادباء نهاية القرن العشرين» المنشورة لدى الدار المصرية اللبنانية 1997, وانا أذكر هذا كى أدلل أن البعض قد استعذب هذه الرواية باعتبار أن الكثير من المثقفين قد اعلنوا استغرابهم للاسم وهم يتباكون أن الجائزة لم تذهب مجددا الى كاتب مصرى أو عربي.

رواية لكاتب بريطانى ذى ملامح أسيوية تدور أحداثها فى أحد القصور العتيقة البريطانية فى العشرينات من القرن العشرين , من خلال خادم وزميلته فى القصر, لكنه ليس الخادم التقليدى الذى نعرفه فى الثقافات الأخرى انه يكاد يكون واحدا من هذه الطبقة بثقافته , وسلوكه وعاداته , ومفاهيمه , وقد ارتقى بالمسمى الوظيفي, ولعلنا نعرف أمثاله من خلال العديد من الافلام من أبرزها فيلم الخادم» اخراج جوزيف لوزى الذى قام ببطولته كل من ذيرك بوجارد ,وجيمس فوكس وسارة مايلز عام 1963 , وكتبها للسينما المسرحى هارولد بينتر, الذى سيفوز بجائزة نوبل فى الأدب, كما أنه سوف يكتب أحد أفلام جيمس ايفورى الذى سيأتى ذكره فيما بعد ,وترك لدى كل من شاهده انطباعات لا تنسى حول العلاقات بين الخدم واللوردات فى مثل هذه المجتمعات , أما الانطباع العام المتعلق رواية بقايا النهار « فهو أنه لماذا يكتب شاب ذو ملامح , واصول يابانية مثل هذه الرواية, وهو السؤال الذى سيظل بلا اجابة طوال التاريخ الأدبى لقرون قادمة , حيث تأتى العبقرية أنه كيف لكاتب مغترب أن يسبر أغوارالحياة الاجتماعية , والتاريخ السياسى لبريطانيا خلال الصراع مع العالم ابان سطوة الانجليز بعد انتصارها فى الحرب العالمية الأولي

هذا الخادم الذى تجاوز سن الخمسين , اتاحت له وظيفته أن يتوغل فى الطبقات الاجتماعية الراقية. والرواية ليست عن طبقة اجتماعية بقدر ماهى عن القصر الذى يمتلكه لورد دارلنجتون الذى يدعو رجال الصفوة من المجتمع لحضور حفلات العشاء, وحول المائدة الفخمة المليئة بالمراسم الراقية تدور الحوارات المتنوعة حول كل مايخص هذه الطبقة وأغلبهم من العواجيز أو من هم فى وسط العمر مثل اللورد , وفى هذا العالم فان الخادم ستيفنسن يقوم بواجبه على أحسن وجه , سواء فى ادارة المنزل , وتحضير أنواع الطعام الملائمة , وتقديمها , وعليه أن يتصرف كأنه لايسمع أى شئ رغم أنه فى علاقته بوصيفة البيت مس كينتون يتصرف كشخص ثرثار لبق, لكنه فى النهاية يعرف كيف يتصرف.

هذه الوظيفة اتاحت للخادم أن يكون على مقربة من كافة طبقات المجتمع باعتباره من عامة الشعب, يقيم أحيانا خارج القصر, رغم تواجده الغالب داخل القصر, فمن أعلى هناك سادة البيت, ومن أسفل هناك الوصيفات والخدم الذين لن يكونوا أبدا من الطبقات الراقية ,والجميع هنا يعيش فى عالم صلد , بالغ التحفظ ,جاف وصارم , لقد تولى خدمة هذه الاسرة خمسة وثلاثين عامافى قصر متسع ونبيل. كان يمتلكه من قبل أمريكى ثري. لذا فان ستيفنسن لم يأخذ فى حياته أى إجازة, وعندما جاء سيده الجديد اقترح عليه أن يأخذ العجوز فورد أثناء غيابه,من أجل القيام معها بنزهة لبضعة أيام, ويذهبان معا الى الغرب فى رحلة لمدة ستة أيام يزوران فيها كل من سالزبورج ودورست, حيث يقوم بالتردد على كافة بيوت السيدة العجوز.

ويروى ستيفنسن عن نفسه أنه ابن اسرة من الخدم. عملت طويلا فى منازل الاثرياء الانجليز ويؤكد أن هذه المهنة العريقة غير موجودة فى بلدان العالم الآخر بمثل هذه المراسيم, وهو يرى أن سكان القارة الأوروبية لايعرفون الخدم الحقيقيين» ويرى أن البريطانيين هم الوحيدون الذين يمتلكون شرف المهنة على أصولها.

تدور الرواية على لسان ستيفنسن , الذى يشعر بسعادة فى الحديث عن مهنته مع أقربائه الآخرين. ويدور الحديث طويلا عن المشاكل التى قد تعترضه, وايضا عن أسرار المهنة, ويقول الخادم إن سيده من البشرالذين ولدوا كى يخدمهم الآخرون,ويرى أن الحشم صنعوا ليؤدوا الخدمات على أحسن ماتكون الخدمة,وهم يتركون للسادة مهام الاهتمام بالمسائل الكبري,مثل قضايا الوطن,وكى يترك الانسان أثرا فى ذلك العصرفعليه الاهتما م قدر الامكان بكبار هذا العصر فهم يصنعون الحضارة وحسب الناقدة الفرنسية نيكول رند فى جريدة لوموند -23 فبراير1990-فان براعة الكاتب تحلت فى قدرته على اختيارمفردات الخدم البريطانيين فى صياغة الرواية, وهى مفردات مليئة بالوقاروالاحترام والسذاجة,, وكأن الخادم يتحدث الى أسياده القراء, مثلما يتحدث بالمفردات نفسها الى اسياده فى القصور, وهو يعترف أن أفضل ساعات النهار هو المساء الذى يأتى فيه الضيوف.

ويتحدث الخدم عن الآنسة كينتون, وهى موظفة كبيرة فى الجهاز الحكومي. صار عليها أن تترك القصر من أجل الزواج , كما ان الخادم حريص على اختيار الألفاظ الخاصة بكل شخص فى القصر,فاللوروالنجتون يرى أن الكرامة هى نوع من العبودية

«وستيفنسن يرى أن» كفاءة الخادم ليست فى أنه يهجر الشخصية التى تسكنه,ولكن الخدم يجب أن يتخلوا عن هويتهم لصالح أسيادهم لذا. على الخادم أن يتحدث بتبجيل عن اسياده فى يحضوره أو غيابه,ولذا فهو يردد:«سعادته» عندما لايكون غير موجود,وعليه فنحن أمام رجل هدم كل مابذاته من أجل بناء جانب آخر من هذه الذات ,ولايميل الكاتب للحديث عن هذا العالم الخالى من الصراخ والزمجرة, ولذا فان المشاكلات الحياتية التى يقابلها ابطال روايته تبدو تقليدية. وسرعان مايتم حلها.

هذه رواية بالغة الخصوصية لكنها مكتوبة بلغة جذابة , وكان لابد أن تشد انتباه مخرج من طراز جيمس ايفوري. او كأنها كتبت من أجل أن يخرجها , وموضوع تحويل الرواية الى فيلم أمر بالغ الغرابة يحتاج الى كتابة منفصلة , حيث يقف ثلاثة أطراف مع هذا الحدث, الأول المخرج نفسه الذى تعاون فى كل افلامه تقريبا مع المنتج البريطانى ذى الأصول الهندية اسماعيل ميرشنت, الذى كان شغوفا ايضا بالروايات الكلاسيكية , وكانت الروائية روث برادر جها بفالا هى أبرز مافى التعاون , فهى روائية , وكاتبة سيناريو كونت الضلع الثالث فى المثلث الذى لم ينفصل الا بالرحيل الأدبي, وهو ثالوث لامثيل له بالمرة فى السينما العالمية , حيث كانت ايفورى يشاركها احيانا فى الكتابة , وقى أغلب الاحيان كان يتركها تكتب ماتختاره, وقد حولت بعض رواياتها الى سيناريوهات أخرجها ايفوري, و شغف الثلاثة بروايات كتاب أوائل القرن العشرين التجديدين ومنهم هنرى جيمس , ومن بين تلك الأفلام:»» الأوربيون»,وعام 2979. أهالى بوسطون»1984’, و»الكأس الذهبية» عام 2000,وكلها من أعمال هنرى جيمس, كما قدموا للكاتب ا.م. فورستر أكثر من أربعة روايات فى افلام مثل:«غرفة تطل على مشهد» عام 1985, و« موريس» 1987,و«هيواردز اند» 1992, بالاضافة الى افلام روائية حول جين أوستن , كما أن ايفورى استعان بالكاتب المسرحى هارولد بينتومن الواضح أنه كان أمامهم مشروع سينمائى محدد يقدم بريطانيا فى واحد من أفلامه, وقد وجدوا فى رواية « بقايا النهار» نفس الملامح الذى تمتع بها أعمال ادباء هذه الحقبة, واللطيف أن ايشيجورو نفسه حل مكان روث وكتب سيناريو فيلم «الكونتس البيضاء»عام 2005, ولم يكن هناك أى فريق سينمائى متحمس لهذا الأدب الا هذه الأسماء, وكلهم غارق فى عالم الأدب باعتبار أن روث أيضا سبق لها الفوز بجائزة بووكر مثلما حدث لإيشيجورو.

استعان ايفورى فى أفلامه بالممثل المسرحى البريطانى أنطونى هوبكنز, وايضا بالممثلة ايما طومبسون فى أكثر من تجربة ما يعنى أن المخرج قد وضع نجوم المسرح البريطانى اللامعين فى اطار خطط عمله وهذا الفريق كان يتعامل مع النص الأدبى بأهتمام شديد , ووقار, ولم يكن أحد منهم يجرؤ على اضافة احداث من الرواية , أو الحذف, وساعد على ذلك حرفية ايفورى فى عمل الصورة الحلوة من روايات مليئة بالبلاغة , وحسب ماجاء فى موسوعة الويكبيديا , باللغة الفرنسية فانه لم يكن هناك اختلافات تذكر بين الفيلم والرواية , عدا مشهد المقدمة حيث تنزل العناوين على خلفية سيارة تتحرك فى المزارع باعتبار أن ذلك تصوير خارجى لفيلم أغلب أحداثه كانت داخل قصر اللورد.

وعليه فاننا أمام نص أدبى مأخوذ عن رواية قامت كاتبة السيناريو بالاعتناء به , والحرص على نقل الحوارات باللغة الانجليزية الكلاسيكية لهذا العصر, دون أن تضع فى حسبانها أن ذلك قد يثير الملل لدى المشاهد وعليه فالرواية التى قرأناها فى كتاب,تكاد تتطابق تماما مع الفيلم الذى شاهدناه يجمع بين الكلمة والصورة

ليست هناك دهشة بالمرة أن كاتبا فى الثالثة والستين من العمر يحصل على جائزة نوبل , فهذا أمر مألوف, لكن الغريب أن عدد الروايات المنشورة للكاتب هى بالضبط سبع روايات , وهو عدد قليل جدا من الابداع قياسا الى من حصلوا على الجائزة قبله.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق