رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نافذة يدخل منها الفجر

ملاك ميخائيل شنودة
كانت الشمس تموت فى الأفق البعيد نزفت شفقا قانيا بلون الدم.أحاط بها نزيفها الدامى كدائرة يقل احمرارها ويبهت لونها الدموى كلما اتسعت.من ينظر للشمس فى تلك اللحظات؛لا بد أن يشعربالشفقة عليها؛ويرثى لها.

هذه الجبارة التى تمنح الحرارة والحياة لكل من وما يوجد على هذه الأرض،تموت أيضا ككل شىء آخر فى الدنيا.لا شىء سيبقى للأبد فى هذا العالم.بدأت الشمس تترنح وتهوى الى أحضان البحر.كان البحرالكبيريفتح لها صدره اللانهائى الاتساع ليأخذها فى أعماقه المظلمة.أمواج البحرهادئة، لكنه الهدوء الغادر.يخدع نفسه من يأمن لهذا الهدوء اللحظى.تبقى أمواج البحرساكنة وشبه نائمة وهى تخفى مشاعرها الحمقاء؛وتكبت كل رغباتها المجنونة ؛ وتتحمل فى صبرثقل السابحين على صدرها.فجأة ؛تثورالأمواج الساكنة،وتفتح الأبواب بشهواتها العدوانية والشريرة.تصبح شيطانا مجنونا يطيح بكل ما يجده أمامه.ينقلب البحرالهادىء المنبسط الى هوة عميقة سوداء؛تبتلع فى أعماقها كل الأشياء.... تنهد وهو ينظرالى الضفة الأخرى من القناة.الضفة الشرقية وسيناء الحبيبة الغالية.اللون الأصفريصبغ كل شىء.لون رمال الصحراء ينعكس فى مرآة الأفق.يضيع اصفرار الموت حول الشمس النازفة الهاوية وهى تلفظ أنفاسها الأخيرة.أربع سنوات وهو فى نفس المكان؛يرى نفس الأشياء ويسمع ذات الأصوات،فيملؤه ذلك الملل القاتل من رتابة الحياة وتشابه الأيام.أربع سنوات منذ أن جاء الى مكانه هذا على جبهة القتال، وفى كل يوم من أيام السنوات الأربع الماضية، وهو يرى هذه الحكاية المتكررة:تأتى الشمس فرحة ضاحكة فى كل صباح،تتوهج متلألئة وتتوسط السماء فى منتصف النهار،تنشق أنهارجراحها عن نزيفها الدامى عند غروب،تتسربل بأكفان الليل السوداء؛وتهوى الى أعماق البحرفى آخراليوم.تظل أمواج البحرهادرة وهائجة طوال النهار؛وعندما تحتضن فى أعماقها رفات الشمس الغارقة،تسكن الأمواج وترتاح فتنام....لكنه هو لا يستطيع النوم أبدا.يزداد تعبه وأرقه بمجىء الليل.تؤرقه أحلامه، تتحول كل الأشياء الملونة الى أشباح سوداء مرعبة.(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم...).قالها لنفسه متمتما بها فى محاولة منه لابعاد هذه الخيالات التى تتعب رأسه.اليوم هو العاشرمن شهررمضان.منذ طفولته المبكرة وهويحرص على صيام الشهرالكريم.تذكر الرعب القاتل الشهيربالثانوية العامة ودخل الجامعة.فى السنة الأولى حلم بأن يكون معيدا.فى الثانية تمنى من الله أن ينجح فقط.فى الثالثة ارتجف رعبا خوفا من الرسوب.قبّل يديد وجها لظهرمتمتما بحمد الله عندما قرأ اسمه فى كشوف الناجحين بالسنة الرابعة.حصل أخيرا على الشهادة الكبيرة كما يسمونها فى قريتهم..... فى الجامعة أيضا عرف الحب.كان هو بالسنة الثالثة،وكانت هى بالسنة الأولى.رآها وتعرف بها فى حفل التعارف الذى تقيمه الكلية فى بداية كل سنة دراسية.أحس بالفرحة عندما رآها،ودخلت قلبه من أول نظرة.

ناضل حتى وجد مكانا للجلوس بجوارها.تبادل معها حديثا عاديا وبسيطا جدا.طال بينهما الكلام،فأحس بأنه يعرفها منذ سنوات طويلة.تحدثا فى كل شىء يمكن أن يتحدث فيه اثنان يتقابلان لأول مرة.لم يتحدثا أبدا عن الحب ولا بكلمة واحدة.شعرأنها ترى حبه لها فى وميض الفرحة المتلألئة فى عينيه،وتسمعه فى نبضاته الخارجة من قلبه.فى لقائهما السابع ارتبطا بعهود الحب والوفاء،وتعاهدا على الزواج بعد التخرج.لا يعرف لماذا أحب(نادية)بالذات دونا عن كل البنات اللاتى عرفهن من قريباته وزميلاته؟!.القرابة والزمالة والصداقة شىء،والحب شىء آخرمختلف تماما.الحب لا يعرف الأسباب؛ولا يعترف بها أبدا.لم يعد يتحمل غيابها عنه ولا للحظة واحدة..

ولما تخرج فى الجامعة؛جاء الى مكانه هنا فى جبهة القتال،ليؤدى دوره فى فى حماية الحبيبة الأولى مصر، والدفاع عن الوطن.. والنفس والأهل والكرامة والحق والحياة.منذ أربع سنوات وهو يتمنى أن يعبرللجبناء القابعين على الناحية الأخرى من القناة.يحلم بأن يطرد هؤلاء الذين يلوثون بجبنهم وحقارتهم أرض سيناء الطاهرة..أخيرا سمع الخبرالذى انتظرسماعه طوال السنوات الماضية، كان الجيش المصرى يعبرالقناة منذ الظهيرة.

توالت الأنباء الأولى عن نجاح العبورالعظيم،ودك المصريين الأبطال لحصون بارليف الخرافية.اشتد عليه شعوره بالجوع؛جوع لا يشبعه طعام ولا يرويه ماء.تنبه لوجودها بجواره.نسى جوعه ونسى العالم كله وهو ينظراليها.ضمها الى صدره بقوة؛وتمنى لواستطاع أن يدخلها فى قلبه.قبلها قبلات كثيرة ومحمومة حتى دمعت عيناه.ربت عليها بحنان وهو يمسح عنها دموعه التى بللتها.حملها برفق؛ثم وضع بندقيته على كتفه.فى فوهتها الصغيرة سر حياته وكل وجوده.ذكرته بحبيبته(نادية).منذ أن تسلمها وهويسميها باسم حبيبته.لم يسمح لأحد غيره أن يلمسها أبدا.ينام وهى فى حضنه،ويستيقظ وهى على كتفه.كان يراها أعظم وأجمل وأغلى ما فى حياته.قرصه الجوع ولكنه لا يرغب فى تناول أى طعام.انه نفس الجوع الذى صاحبه وعاش معه منذ أن جاء الى مكانه هذا على الجبهة.جائع لرمال سيناء؛التى لم يولد بها ولم يذهب اليها ولا مرة واحدة فى حياته، ولكنه يحس بها فى داخله؛ينام فيحلم بها؛ويستيقظ فيتمنى أن يذهب اليها ويحتضن رمالها.كأنها قريته الصغيرة التى ولد وعاش فيها كل عمره.... فجأة جاءه الأمربالعبورمع فرقته من مشاة المدرعات.قفز كالفهد؛وعبركالضوء.فى لحظات لم يحس بها الزمان؛كان قد أصبح هناك؛فى سيناء.زملاؤه الذين عبروا منذ الظهيرة كانوا قد طهروا المكان من جرزان الليل.بمجرد أن وطأت قدماه أرض سيناء،ألقى بنفسه على الرمال؛وراح يغترف منها الى صدره،ويقبلها بكل ما فيه من شوق الأيام وحرمان السنين.تمنى لو استطاع أن يحتضن اليه كل هذه الصحراء التى لا يرى لها نهاية.مرّ فى ذهنه شريط سريع للتاريخ الذى قرأه وحفظه عن كل الغزاة الذين قبرت أحلامهم ودفنت آمالهم وأطماعهم فى رمال سيناء المقدسة.بينما كان ساجدا يقبّل الرمال؛أحس بشىء ساخن يخترق ظهره.حاول أن ينهض واقفا؛فلم يستطع النهوض.خيّل اليه وكأن غمامة رمادية اللون تحيط به من كل جانب.بدأت نظراته تزوغ.لمح أشباحا تقترب من بعيد.حرك يديه بصعوبة مؤلمة وألقى قنبلة كانت معه بكل ما بقيت له من قوة.انفجرت دبابة؛ورأى النارتلتهمها.لمح شبح أحد أفراد طاقم الدبابة المحترقة يحاول الهرب.قررألا يدعه يفلت. قاوم العجزوالألم القاتل،واستند على الرمال.سحب بندقيته ببطء؛وصوبها بصعوبة.دوت فى الفضاء صرخة عالية.سقط الجندى الهارب من الدبابة وهو يعوى.انفجرت الدبابة بعد لحظات وصارت مجرد قطع صغيرة ومتناثرة من الحديد الأسود المتفحم....

بدأت عيناه تثقلان بالنوم.استند بذقنه على كومة من الرمال.أحس وكأن بعض القوة تعود اليه من جديد،فعاودته الرغبة فى الوقوف.قاوم آلام ظهره المبرحة.استند بيديه على الأرض،ونهض على ركبتيه قليلا. لمح على البعد جنديان مصريان يسوقان أمامهما قطيعا من الأسرى الصهاينة.ابتسم ولوح لهما محييا؛ولم يدرك أنهما لم يرياه.هاجمه الدوار؛فترنح ووقع على الأرض ثانية.قبض بقوة على حفنة من الرمال،وتأوه فى أعماقه.أحس بالضعف يتسلل اليه ليسلب ما بقى من قواه.بدت له كل الأصوات التى كانت تدوى فى مسامعه منذ قليل،وكأنها تأتيه من بعيد،من آخرالعالم،أومن عوالم أخرى لا يعرفها.

سحب بندقيته حبيبته(نادية)ليضمها الى صدره،فلم يجد لديه القوة الكافية لاحتضانها كما كان يفعل من قبل.حاول أن يفتح عينيه فأحس بجفنيه ثقيلين كالجبال.تنهد.بدأ يستسلم رغما عنه للوهن الذى كان يهاجمه بقسوة واصرار.سمع من حوله أصواتا خافتة.أحس ببعض الأيدى وقد راحت تحمله برفق واعتناء.همس:(اتركونى هنا،لا تأخذونى ودعونى مع حبيبتى...أريد أن أموت فى حضنها؛كما عشت دوما لها...انها أرضى...دعونى أنام فى قلبها). لم يسمعه أحد.أحس ببعض الاهتزازات؛فارتعش جسمه النحيل المتهالك.حرك حدقتيه قدراستطاعته،وفتح عينيه بصعوبة وألم.رأى سيناء كلها بنظرة واحدة.ضم يديه بقوة على حفنة الرمال التى تشبث بها واحتفظ بحباتها فى يده.عندما كان جفناه يهبطان ليمنعا عنه الرؤية،توهجت أمامه دائرة شديدة اللمعان.ابتسم فى وهن عندما رأى الشمس ترسل أشعتها سيوفا من نارونورلتفتح بها فى قلب الليل المعتم نافذة يدخل منها الفجر.لمعت فى عينيه أول أنوارالنهارالجديد.بسمل وحوقل فى صوت هامس لم يسمعه سواه.لم ينتبه الذين كانوا يحملونه الى اختلاجة شفتيه.ثم سكنت حركاته الى الأبد....

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق