رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عالية المقام

مرعـى مدكور
للمرة السابعة التى تصحينى فى الفجرية وتبدأ – مستغربة - فى سرد حلمها الجميل على مسامعى ومتعجبة من تكرار الحلم بنصه وشخوصه وأحداثه : يطب عليها فى بيتنا والدى مشبكا يده فى يد والدها ، ويد أمها فى يد أمى ، وأمامهم طفل صغير «تبارك الله « قالت إنها لم تتبين ملامحه لكن دمها حن إليه ؛ ربما شقيقها «أشرف»

الذى مات ولم يكمل عامه الثانى وشبع ضربا وركلا من غيرة إخوته ؛ خاصة شقيقه «عبد الرحمن» باعتباره جاء «فوق رأسه» ، أوابننا «محمد» الذى مات فى بطنها ولم ير الدنيا ، انكسر ظهرى بعدها وأخذ ضحكاتى الصافية معه ، وجعلنى حتى بعد 26 عاما من وداعه على طاولة الغسل كلما طاف خياله يرتعش جسدى وتغرغر عيناى دون دموع .

قبل أن تنتهى من سرد حلمها أضمها إلى صدرى محذرا : اصرخى فى وجوههم أن يعيشوا عالمهم ويتركونا لحالنا .. آه يا أبى ؛ أعيش معك الآن أيامنا التى كانت ولا تتركنى حتى الساعة ، وما أن أرجع اسبوعيا إلى البيت حتى تطلع أمى إلى السطح ، وتشاور جهتك بيديها كأنها مرشد فى مطار يهدى الطائرة إلى مهبطها ، دقائق فقط وتكون فوق فرسك أمام حوش بيتنا ، تنزل من على السرج وتضرب الحصان على كفله ليجرى إلى داخل الحوش ، وأمى التى تكون قد نزلت من فوق سطح بيتنا تضحك من فعايل الكلبين الكبيرين اللذين يتنافسان ليضع كل واحد منهما رجليه الأماميتين فوق كتفى ، أداعبهما ، وأمى تضع يديها فوق ظهريهما مغمغمة وهى تنظر لى قائلة :

- سبحان الله ، ما نسيوش ، كأنهم بنى آدمين زينا ...

وتتفرج – من بعيد لبعيد – علينا وأنت تلقانى قادما كل خميس من «بنى مزار» لم أعتد منك حضنا أو ضما أو تتركنى أقبل يدك ، فقط تمتد يدك الكريمة بالتزامن مع مد يدى ، وتتلاقى اليدان ، تضغط بيدك على يدى بشدة حانية وعندما تدعونى ؛ وحدى دون إخوتى ؛ إلى قعدة عرب ، بعد غروب شمس كل خميس ، أقرأ فى عينيك اللامعتين الحانيتين ملامحك فى إعداد خليفتك ، حتى فى غيابك إن تصادف عقد « قعدة عرب « يترك العربان لى ؛ رغم صغر سنى ؛ صدر المجلس والريادة والحسم وإصدار الحكم سواء بتبشع المتهم أو اعترافه كلما اقتربت نار البشعة من لسانه أو فر هاربا..

يعتبرون حكمى فى مكانة كلمتك ...

- ملت عليها وقبلت رأسها ، وهمست لها مطمئنا ؛ والخوف يزلزل داخلى :

أولادك الصغار ( العصافير واليمام ) يزقزقون ويهدلون فى المطبخ ، دخلوا بمجرد أن فتحت باب البلكون ، وأصواتهم عراك فى عراك كأنهم طيور جارحة ، بعضهم يحط فوق كتفى ، ورأسى ، وزقزقتهم وهديلهم يسألنى عن الحبيبة « إيزادورا « ..

نظرت لى مستفسرة فضغطت يدها فى يدى قائلا لها :

-انت أخلص من إيزادورا ، وأجمل من نفرتيتى ، وأحن من الوالدة على ولدها .

لم تهب واقفة كعادتها عندما يشعشع ضوء النهار وتجرى على البلكون ، لكنها أشارت إلى رأسها هامسة فى ضعف :

- صداع هيفرتكها ...

رجوتها وأنا أعيد طبع قبلات على جبينها ، وفوق رأسها ، وعلى خديها ، وعلى يديها ، وفوق رقبتها ؛ أن تتنازل وتترك لى اليوم شرف إفطار أولادها العصافير واليمام .

يقتلنى رقادها ، ويغرس سكاكين ألمه فى قلبى ، كدت أطب ساكتا، طلبت منها أن أغير ملابسى وأبقى فى جوارها ، بصت لى وعيناها ترغرغان بالدموع العصية على النزول ، أعرف هذه الدموع حتى وإن لم أرها ، أحسها ، وأحسبها دمعة دمعة ، أدارت وجهها الناحية الثانية ، سقط قلبى فى معدتى وقاربت إفراغ ما فيها ، وداخت بى الدنيا ..

همست ووجهها فى الجهة الأخرى وصوتها يئن فى ضعف يقتلنى :

- أرجوك .. نتكلم فى التليفون ..

خرجت وطبول الدنيا كلها تدق فى رأسى ... لماذا تجيئها ياأبى أنت وأمى وتحاولان أخذها منى .. لماذا ؟!!!!

ولأول مرة آخذ على خاطرى من شيخ العرب « أبى « .. ياما أنابنى ،دون بقية أخوتى ؛ فى قعدات عرب انعقدت سنوات وسنوات فى بيتنا بعد عشاء كل خميس ؛ حتى عندما يغيب فالشورة ؛ رغم حداثة سنى ؛ شورتى ، وختم الكلام كلامى ، والحكم بعد عرض المظالم والمطالب والمشاورة يخصنى ، وعند حضوره يشد يدى فى قوة أتحملها غصبا عنى ، ولما يرى جورا فى حكم أصدرته يمد يده إلى جيب صديريه اللامع تحت قفطانه الشاهى ويدفع للمظلوم مظلمته ، وكأن ما كان لم يكن .. وأمى التى جاء دورى وأضع يدى مكورة فى يدها وأكرر لها ان تهيص إخواتى البنات بفلوس ما لها نهاية ، وأكرر لها محذرا ؛ عدم الحديث مع أبى فى الأمر فالشورة شورتها والتصرف لها ..

آه ياأبى ، ويا أمى .. لماذا لا تعودان – افتراضيا- وأنا منذ رحيلكما أصبحت يتيما يتما ما بعده يتم ؟!! بشرط أن تفكا حصاركما عن نصفى الآخر ، خذنى ياأبى إلى جوارك ودع صباحى يستمد نوره من إشراقة حبيبتى «ايزادورا « روح روحى وعشقى وفرحى وحزنى وألمى ، وكيف « لا» واسمها مقيم فى القلب والعقل ومالك جوارحى كلها منذ أن سلكنا سكتنا معا خطوة وراء خطوة ، وقتها دفعت روحى إلى جسدها الطاهر، وأطبقنا أيدينا على بعضها فى تشابك ما منه انفصال ، وقالت عيوننا سنعبر الطرق ونجوب البرارى كلها معا ؛ عقلان فى عقل واحد ، وروحان تجليا فى روح واحدة ، وجسدان تجسدا فى رسم واحد .. وها هى روحى هائمة ترفرف حولك ، وأغمض عينى على البعد حتى أراك وألمسك وأحسك ونذوب معا .

........................................

طلبتنى ابنتى الدكتورة « شرشر» قائلة :

- حبيبتك ايزادورا « يابابا معانا فى «المركز الطبى العالمي» وإيه ... وسط كوكبة من الدكاترة والاختصاصيين إضافة إلى بناتك العظيمات والدكتور «هيثوم « يعنى أحسن مكان طبى فى العالم .. سقط قلبى فى قدمى ، وهات يادق .. دق ، دق ، دق دق .. وفى أقل من ساعة كنت فوق رأسها ، عندما همت بشرب محلول أبيض ؛ حسب ما طلبوا منها ؛ نظرت إليها وضغطت يدها مشجعا حتى يعود قلبيانا قلبا واحدا كما اعتدنا منذ أن التقت نظراتنا قبل ارتباطنا الرسمى ، رفعته إلى فمها ، لم تنزل عينى من عليها ولم أترك يدها إلا عندما تحركت طاولة الجهاز المستلقية على ظهرها فوقه وفوقها بطانية بيضاء وغابت فى فتحة الجهاز التى تشبه فم حوت عملاق ، وبدأت علامات على شاشة الجهاز : حمراء وذبذبات ورسوم بيانية وقياسات صاعدة هابطة ، والاختصاصى منهمك فى تحريك أزرار تستجيب لها القياسات على شاشة الجهاز ..

........................................

أخذونى إلى عيادة كبير الأطباء الذى ابدى ترحيبا واهتماما كبيرا وهو يشرح ويفيض فى توضيح ملابسات الحالة عندما توصل بعد اطلاعه على التقرير الذى وصله حالا ..

خططت له على ورقة ؛ كانت فوق مكتبه ؛ شارحا أن قلبينا ذابا من أعوام فى قلب واحد ، وأن رجفة أذين او ارتجاع بطين لا يحلهما إلا قلبى عندما نستبدله بديلا عن قلبها المسكين .

نظر جهتى باستغراب ومال جهتى أكثر قلت له إن ابتسامتى وأنا صاعد إلى السماء ستكون بانتظارها بعد مديد عمرها ، وكبدى –كله- رهينة غشارة حاجتها ، والكليتان كلتاهما لها ، والكبد حلالة لك حتى تبقين يا «إيزادورا « حارسة العش وأفراخه والرسم والاسم والوسم ..

وأشهق شهقة داخلية والدوموع تفر من عينى ، ويهتز جسدى وأنا فى غاية الكسوف ، وعصية أنت أيتها الدموع .

باستغراب سمعنى وتلطف معى قائلا :

-المسألة مجرد إجهاد لا أكثر ولا أقل ، وكلامك عن سفر « الهانم « إلى الخارج لا ضرورة له على الإطلاق ، فما سيقدمونه هناك نقوم بأحسن منه هنا .. وأكثر .. إضافة إلى العزوة واللمة .. ثم مال جهتى مبتسما :

-أمال مركز إيه وعالمى إيه وطبى إيه !!! .

أحاول طمأنة نفسى قليلا ، فانهضى يامليكة الروح والقلب والجوارح ، وهيا نشبك ايدينا معا ونطوف فى جوانب المركز الطبى ، نرمى قبلة هنا ، وتحنو يدك على جريح حرب هناك تماما كما كنا نطوف بالكليات أمام الجامعة بمجرد أن تفاجئيننى بطلعتك البهية داخلة مدرج كليتنا الغاص بالجميلات تسرقين أنظار شلتى : الصعايدة والشراقوة ؛ ليميلوا جهتى واحدا واحدا ويسمعونى إطراء تشرئب قامتى له ، وأحوطك ببصرى وسمعى وأهبة استعدادات جاهزة 001% لردع أى بصر يندق جهة عينيك الحوراويتين ..

يصرخ «الزرقانى « ضاحكا ومغلولا قائلا :

- يابن الإيه « دى مش بنت بنوت من الإنس .. دى حورية من حوريات الجنة ومن بنات الحور الغيرانات قمر41 ليلة تمامه .

- و»البندارى « بقرعته يتمسح بى : «دى ملاك طاهر ياابو العم ، جمالها ما ورد على خاطر بشر وما تكحلت برؤياها عين ..

يباكتنى «الحمامصي» لانشغالى عن المحاضرة ، وأباكته على عدم وضع الفلاحين والصعايدة فى حساباته وهو يعطينا أمثلة ، يضحك « الأستاذ» ؛ وكأنه – وهو الكبير الوقور – يلمح إلى ملاكى القابع كتفها فى كتفى .. ما أن تنتهى المحاضرة حتى ننسل غائبين عن أعين البنات ، أقرأ المعوذتين ، و»قل هو الله أحد» ، و» اللهم ارفع عنى – عنا الضرر وما يمكرون ، إنك أنت السميع العليم « نتمشى جهة «كازينو الجزيرة» ، و»عم « حسين القبانى الذى ما إن يلمحنى حتى يرسل من ينبهنى إلى وجوده فى ندوته الأسبوعية ، أخاف عيون الخياليين والحالمين ومكائد الأدباء ، نأخذها سيرا حتى حى «الضاهر» العتيق وهى تميل جهتى كثيرا حتى لا يفوتها حرف مما أحكيه لها عن الظاهر بيبرس الذى خرج لاستقبال القائد المنتصرعلى « التتار « أعداء البلاد وفاجأه بطعنة قاتلة لتتحول الرايات نحوه وترفرف باسمه فوق بوابات القاهرة السبع ، ويتوج نفسه منتصرا ومظفرا وسلطانا على أرض المحروسة .

........................................

ما إن ندق باب بيتهم حتى أعود سريعا قاصدا شارع «خلف النادى « فى فيصل لأبدأ سهراية جميلة مع المذاكرة والكتب حتى أكون مستحقا لها ومعها على خط واحد ..

وها هو الحظ اتصل وأصبحنا ظلين لبعضينا .. أينعت وشالت وجابت وسهرت وارضعت وربت وأفهمت ، وأصبحت « عينى من بعد الكرى « ، وأنا انظر وأشخط وزعيقى هنا وهناك ، وهى – سلامتها – لا تحرك شفة ، وأقصى ما تفعله رسمها بسمة شفافة فيها براءة الأطفال ، أنكسف من نفسى وأكش داخلا فى بعضى وأسحبها من يدها لأقول لها كلاما طريا ..

تضحك قائلة :

- مكسوف.. مش كده ؟

أعدها برحلة قريبة إلى «شارم « .. تقول قديمة ، أغير الوجهة إلى رحاب بلدة الشهداء ؛ البهنسا ؛ والاستمتاع بجولة فى آثار أجدادنا الفراعين فى بنى حسن ونتمها بجولة نيلية فى قارب صغير أمام ضريح «ايزادورا» وأحذرها أننى سأقف فى قلب قاربنا الصغير فى منتصف النهر صارخا بأعلى صوت :

باحبك .. باحبك ك .. ك .

تلقى بجسدها ناحيتى جازعة :

-حرام عليك يا «حابي» .. أنا قبلك ...

أضحك .. وأغنى معها : « يا بنات الحور ما تسيبوا القمر ... دا القمر مخنوق وما جالناش خير « .

يابنات الحور سيبوا ...

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق