رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

النهاية الحزينة

أكتب اليكم عن ابنة صديقة لي، فهي فتاة من بين آلاف الفتيات المطحونات‏,

واجهت ظروفا عائلية قاسية منذ مولدها, حيث إنها الابنة الكبري لأبوين من الطبقة التي تتأرجح بين الفقر وما فوقه بقليل.. هذه الطبقة التي تحاول بكل الطرق أن ترقي بأبنائها للوصول إلي الطبقات الأعلي أو علي أقل تقدير ترجو أن تعيش بين أبناء الطبقة المتوسطة, والحقيقة أن هذا التداخل بين الطبقات يحدث نوعا من التذبذب وعدم الاستقرار, فبعدما يكبر الأبناء، ويصل كل منهم إلي مرحلة الشباب، تبدأ رحلة البحث عن الذات، ومحاولة إيجاد مكان بين البشر والخروج من بيئة الآباء للوصول إلي الصورة التي أعجبتهم في البيئات الأعلي، وقد عاشت فتاتنا وشقيقتها التي تصغرها بأعوام قليلة بين ابناء بيئة عليا في المستويين المادي والسكني.

ومرت الأيام، وقبل أن تنتقل هذه الفتاة إلي المرحلة الجامعية حدث اضطراب في حياتها الأسرية ترك شرخا في نفسيتها، إذ طلق أبوها فجأة ودون مبررات والدتها وتركها في منتصف الطريق وتزوج من أخري، واختفي تماما من حياتهن.. فاهتزت الصور أمامها، وفكرت في أن تهرب بجلدها من هذا العذاب, إما بالعمل أو الزواج, وعانت الأم ـ وهي موظفة بجهة حكومية مهمة ـ كثيرا لكي تكمل المسيرة وتنأي بابنتيها بعيدا عن المشاحنات والمشكلات ورضيت بالأمر الواقع، وحاولت التعايش معه ومع الأمراض التي لازمتها بعد هذه الأزمة.

ومرت سنوات عجاف، وتخرجت فتاتنا في الجامعة وبدأت رحلة البحث عن عمل يتناسب مع طموحها خصوصا بعد اجادتها اللغة الانجليزية وعلوم الحاسب الآلي، والتحقت ببعض الوظائف لمدد قصيرة وأكملت شقيقتها الدراسة فألحقتها امها للعمل بذات الجهة التي تعمل بها علي أساس أن الصغري لم يكن لها الطموح والتطلعات نفسها التي تتسم بها شخصية الابنة الكبري التي عاشت علي أحلامها, وحاولت تحقيقها ومرت الأيام ووصلت لسن الزواج وتعدتها بقليل لكنها لم تجد أبا يعينها علي الحياة ويحميها من غدر الزمان ويحتويها مثل باقي الأباء.

ولما آن الأوان أتاها من كانت تعتقد أنه فرصتها الذهبية.. إنه العريس المهاجر إلي كندا مع أسرته منذ سنوات والذي يحلم بعروس مصرية تفهمه وتعينه في غربته بعد أن تزوج من أجنبية لم تتحمله وانفصلت عنه, وأخذت من ممتلكاته الكثير.. وقد جاءها طالبا بأن يستكمل بها صورته ففرحت به ووافقت عليه دون قيد أو شرط.

ولما اعترضت أمها قالت لها: إن أي مكان في الدنيا أرحم من وجودها في الجو الذي تعيشه، فرضخت الأم تحت ضغط الألم الذي تشعر به ابنتها، وقامت بتسوية معاشها وصرفت أكثر من ثلاثة أرباع المكافأة التي حصلت عليها لاقامة فرح لها بفندق خمس نجوم حتي تسعدها وتعلو بها أمام أهل زوجها وجهّزتها بأغلي الثياب, واشترت لها بعض القطع الذهبية، وفرحت الدنيا كلها لفرحها إلا الأب الذي لم يكلف نفسه عناء الحضور سواء عند عقد القران أو في يوم عرسها!!

وحان وقت الرحيل, فشدت الرحال وسافرت مع زوجها إلي ارض الأحلام, ومنذ اليوم الأول لوصولها وجدت من أهله كل الجفاء وكأنه تزوجها لتخدمهم جميعا, الأم المريضة نفسيا وجسمانيا التي لم تراع الله فيها والتي تعمدت إذلالها وإجبارها علي القيام بكل الأعمال المنزلية وحدها, والأب الضعيف الذي يسير وراء أهواء زوجته وابن شقيقه الذي يتعلم هناك ويتنعم بالدلال علي حساب العروس الشابة, ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فلقد بدأت المعاناة تأخذ شكلا جديدا فهي شابة صغيرة في السن وقليلة الحيلة وليس لها سند أو أي خبرة في الحياة الزوجية, وكثرت الضغوط عليها فلم تستطع تحمل هذا العذاب, فعادت إلي مصر ولم يمض علي سفرها ستة أشهر فقط.. عادت وهي كسيرة القلب مجروحة المشاعر، وظلت ثلاثة أشهر تجتر ذكرياتها الحزينة, ثم فوجئت بزوجها يطرق بابها وقد جاءها ليسترضيها ويتوسل اليها أن تعود معه علي وعد منه بالابتعاد عن منزل العائلة التي اذاقتها صنوف العذاب، فاستسلمت لقدرها وتكتمت آلامها, ولم تعد تشكو متاعبها لأمها، وحاولت أن تتكيف مع حياة الغربة, وأخذت تعمل وتتعلم وهي تتطلع إلي ما ترجوه لمستقبلها حتي لا تمر بتجربة الطلاق التي عاشتها امها من قبل لكن آلامها زادت وقواها خارت فلم تحتمل المزيد، وفجأة.. توقف القلب الصغير عن النبض, ماتت الفتاة المسكينة وهي لم تتعد الخامسة والعشرين من عمرها القصير.

وما تدري نفس بأي أرض تموت, ماتت ودفنها أهل زوجها في أرض الغربة تاركين أمها وشقيقتها في حالة ذهول لهذا الحدث الرهيب.. كيف ماتت؟ ومن الذي قتلها؟ أهي الظروف التي عاشتها؟ أم هي قسوة الأب الذي تركها في سن المراهقة الذي تحتاج فيه البنت لمساندة أبيها؟ أم هو الطموح القاتل الذي دفع بها إلي قبول زوج لم يكن أهلا لها ولم يستطع احتواءها بكل ما تحمل سنوات عمرها من عذابات؟.. لقد ماتت ضحية لكل ذلك.. ماتت ومعها سرها، ودفنت في أرض غريبة عن أرضها، فلك الله أيتها الأم الجليلة، وليرحمك الله يا ابنة عمرها الفقيدة، وليسامح أباك الذي تركك فريسة للآخرين!

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

عندما تلقيت رسالتك رحت أتنقل بين سطورها، وأنا أترقب النهاية متوجسا من أن يحدث مكروه للفتاة التي تروين قصتها, فإذا بي أجد ما توقعته, حيث سقطت الفتاة ضحية للأب والزوج معا.. الأب الذي جذبته نزوة عابرة مع امرأة أخري أنسته ابنتيه وزوجته, والزوج الذي خضع لسيطرة أهله، فاتخذها خادمة وأهانها ودمر حياتها.

والدرس الثمين الذي يجب أن يتعلمه كل الآباء من هذه القصة الحزينة هو أنه لا شىء يعادل سعادة الانسان بين أسرته وأبنائه, وأن رسالتنا في الحياة هي تربية الأبناء تربية صالحة لكي نقدم لمجتمعنا أجيالا قادرة علي العطاء والتضحية، ونغرس فيهم القيم والمثل العليا.. أما أن ينصرف الإنسان إلي ملذاته ونزواته فهذا هو الغباء والاستهتار الذي يؤدي بصاحبه إلي الهلاك.

إن قيمة المرء هي ما يضيفه للحياة بين مولده وموته, وهو يحفظ اسمه في الدنيا بحسن تربيته أبناءه وبناته, والوقوف بجانبهم إلي النهاية، لكن هذا الأب ليس ككل الرجال, فهو من قلة ينساقون دائما وراء شهواتهم، ثم يدفعون الثمن غاليا, فلقد دمر حياة زوجته الأولي وهي سيدة فاضلة أخفيت بعض التفاصيل عن حياتها حفظا لماء وجهها, كما دمر حياة ابنته الكبري التي كانت تتطلع إلي حياة سعيدة ومريحة، ولو أنها وجدت بجانبها من يرشدها إلي طريق الصواب لما قبلت بهذا الزوج، لكنها آثرت الهروب من الواقع المرير الذي تعيشه إلي واقع اتضح فيما بعد أنه أكثر مرارة, فزادها ألما ومرضا, واستسلمت لأقدارها ولقيت وجه ربها وهي في الخامسة والعشرين ربيعا.

لقد هزتني رسالتك ياسيدتي من الأعماق وأسالت دموعي وزادتني حسرة علي هؤلاء الرجال الذين يمشون في طريق الهلاك، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وأراها درسا مفيدا لهم لكي يتبينوا أن يصيبوا نفس الفعل فيصبحوا علي ما فعلوا نادمين.

وتبقي كلمة أخيرة أوجهها إلي والد الشابة الراحلة, فأرجوه أن يعيد الحياة مع زوجته وابنته الصغري إلي مجاريها, وأن يحتويهما من جديد, نادما علي ما ارتكبه في حقهما وحق ابنته الراحلة, كما أرجو من زوجها أن يزور أسرتها وأن يشرح لهم ماحدث لها وأنه يرتب معهم زيارة إلي قبرها, فالدنيا صغيرة, وسوف يأتي اليوم الذي نموت فيه, ويحملنا الآخرون إلي القبور، فلا يغتر إنسان بنفسه وليعلم أنه كما يدين يدان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 4
    ^^HR
    2017/09/22 11:10
    0-
    5+

    نستأذن بإضافة الى تعليقى فى مشكلة"الاعتراف الخطير"
    أؤكد على أن الاعتذار لايصلح لهذه الافعال الجسيمة التى اودت بحياة الابرياء بلا ذنب او جريرة،،،الاعتذار لايصلح مع افعال يخجل منها الشيطان،،الاعتذار لايصلح مع اللذين لازال فى حوزتهما اموال طائلة من السحت والحرام مضافا له ما انفقوه واستمتعوا به من اموال فى معيشتهم ورفاهيتهم سابقا
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 3
    ^^HR
    2017/09/22 06:59
    0-
    1+

    "لاتجزعن على ما فات مطلبه**فإن جزعت فماذا ينفع الجزع"
    ندعو بالرحمة والمغفرة للفقيدة وأن ينتقم من الظالمين
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 2
    ^^HR
    2017/09/22 06:56
    0-
    6+

    فضلا: رأى فى المشكلة الأولى"الاعتراف الخطير! "
    بادئ ذى بدء اقول أن هذا الاعتراف لايستحق ذرة تعاطف من منظور البشر فى الدنيا واوضح سبب ذلك فى نقطتين: 1) أن الله وحده هو الاعلم بحالهما وصدق توبتهما وإن شاء غفر لهما او عذبهما فى الآخرة على ما ارتكباه من آثام وخطايا فى حق الابرياء أما فى الدنيا فليتهما يظلا طيلة حياتهما تحت وطأة عذاب الضمير ولايغمض لهما جفن لعله يكون من اسباب التخفيف،،،2) أما مايقومان به من ارتداء اثواب زائفة للفضيلة وافعال الخير عن طريق التبرعات والمشاركات فهى فى الاصل اموال سحت وحرام والله طيب لايقبل الا طيبا وعليهما ان يتخلصا من جميع هذه الاموال وايداعها خزانة الدولة تحت اى مسمى دون ان يتظاهرا زيفا بأنهما من رجال خير
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 1
    ^^HR
    2017/09/22 00:19
    0-
    3+

    سماحا: رأى فى المشكلة الأولى"الاعتراف الخطير! "
    مبدئيا اقول أن الاعتراف لايستحق ذرة تعاطف واوضح رأيى فى نقطتين: 1)ندعو الله أن يظلا معذبين طيلة حياتهما بعذاب الضمير عسى أن يخفف الله عنهما من عذاب الآخرة وهو الاعلم بحالهما وصدق توبتهما،،،2)ثالثا : أما مايقومان به من ارتداء اثواب زائفة للفضيلة وافعال الخير عن طريق التبرعات والمشاركات فهى فى الاصل اموال سحت وحرام والله طيب لايقبل الا طيبا وعليهما ان يتخلصا من جميع هذه الاموال وايداعها خزانة الدولة تحت اى مسمى دون ان يتظاهرا زيفا بأنهما من رجال خير
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق