رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التجديد وحماية المجتمع

أسامة عرابى
يقدم كتاب «تنزيل إلهى ومفاهيم بشرية..آفاق بلا حدود» للأساتذة «على وعلياء وعائشة رافع»؛ والصادر عن «مؤسسة البناء الإنسانى والتنمية» مقاربة معرفية للخطاب القرآني، وما يطرحه من آفاق عديدة متجدِّدة للتفكير والتأويل والمعنى والوجود، بتفكيك منهجى لأطر التفسير التقليدية التى تغفل المعانى الاحتمالية والإبداعات الرمزية التى ينطوى عليها المجاز القرآنى بتركيبه اللغوى والأدبى والدلالي، مُساوية بين المدلولات القرآنية والمفاهيم الأخلاقية القانونية، لواقع اجتماعى تاريخى متعدد الجوانب والمستويات.

ويرفض الكتاب الاستهلاك الإيديولوجى للتراث، وتقديمه بديلًا، بدلًا من جعله موضوعًا للمعرفة. لذا نتبيَّن أن اختلافنا مع الحركات الإسلامية الراديكالية مداره الاختلاف على «المعني»، ومحاولتها امتلاكه وتأميمه لحسابها وادِّعاء تمثيله، وهو اختلاف يُخفى فى طياته جوهرَه السياسى والاجتماعي. كما فى الفصل الخامس المعنون بـ «الجهاد»؛ ونتعرَّفُ فيه على مفهوم مغاير للجهاد الذى دأبت على طرحه الأصولية الإسلامية، مُشكّلة بذلك عبئًا على الأمة الإسلامية ومصالحها. ويتمحور مفهوم الكتاب عن الجهاد حول «نشر السلام والعلم والعمل من أجل خير البشرية»، بادئًا بتحقيق السلام الداخلى للإنسان على الصعيد الفردي، ليصبح بحقٍّ «عبدًا لله، ومتناغمًا مع قانون الحياة». على نحو يسمح للإنسان بإنتاج الأسئلة وطرح الإشكالات وتعيين الحقائق وتحديد المعاني. عندئذ يأخذ الجهاد أشكالًا عدَّة تبعًا للواقع المتغير «فيصبح التقدُّم العلمى لخدمة البشر جهادًا، والقضاء على الفقر جهادًا، وإقامة العدل على مستوى الدولة والإقليم والعالم جهادًا»، وهو ما يستخلصه الكتاب بقراءته الواعية لحياة رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم). وبهذا نصبح شركاء فى التقدُّم، وبناء عالم العدالة والمساواة، وترسيخ الحريات والتنمية فى مجتمعاتنا، وإشاعة ثقافة جديدة للتغيير قوامها الحوار والانفتاح والعقل. لذا حرص الكتاب على التصدى للاتجاهات الإقصائية والحَرْفية الشكلية، والتأكيد على عالمية الإسلام، موضِّحًا ما يشوب دعواهم من تناقض بين إصرارهم على عدم إخضاع قواعد الشريعة وأحكامها للاجتهاد وقبول طابَعها المطلق، وبين ما يقومون به من تحديدٍ لعلاقة نصوص الشريعة بظروف البشر ومقاصد الشارع من إنزالها، من دون أن يلتفتوا إلى أن التسليم بصدقها يقتضى الاجتهاد، وأن التثبت منها من المنظور البشرى شرط لاعتبارها ذات وضع إلهي. لكن جماعات الغلو والتشدُّد عمدت إلى تعميق التناقض بين النص الدينى والواقع، مغفلة أن الاعتراف بتاريخية النص لا يعنى نفى قدسيته، وإنما يعنى التفريق بين العَرَضى والجوهرى فيه، بين التاريخى وما فوق التاريخي. أو بتعبير الأستاذ أمين الخولى فى كتابه «المجددون فى الإسلام»: «وفى هذا الشأن تراهم ــ أى القدماءــ يحتفلون بأهمية التجديد فى الفقه، قانون الحياة العملية عندهم، فنراهم يُرجِّحون اعتبار مُجدِّدٍ على اعتبار مُجدِّدٍ آخر بأن المُفضَّلَ فقيهٌ يذود عن الفروع، والمفضولَ مُتكلّمٌ يذود عن أصول العقائد». لهذا كان السيد جمال الدين الأفغانى يقول برغم إعجابه بمنهجية الإمام أبى حنيفة النعمان: «إنى لم أعرف فى أئمة المذاهب شخصًا أعظم منى حتى أسلكَ طريقه»؛ قاصدا تحويل المسلم من مُقلِّدٍ إلى مُجتهد، وتحقيق المصالحة بين الدين والعقل، أو بين الإسلام والحداثة، وتطوير القوانين والتشريعات فى المجتمعات العربية، وفق منهج علمى عماده المساءلة وتقدير حرية الإنسان. لكن المتشددين تركوا كل هذا الثراء الفكري، وأخذوا ينهلون من الفقه الواقع تحت تأثير المناخ العقلى لبنيات اجتماعية مغلقة أدنى إلى التيار التقليدى المدرسى الذى ساد أوروبا فى القرون الوسطي، والمُعادى للفكر النقدى المُنفتح؛ فاستسهلوا التكفير وقتل مخالفيهم فى الرأى والمعتقد. لذا شدد الكتاب على حيوية ترسيخ فكرة التسامح الديني، والانفتاح على الثقافات الأخري، فى ظل عقد اجتماعى مدنى يحترم تعدُّد الهويات، ويُرسِّخ الاجتهاد حماية للمجتمع.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق